بعد فترة هدوء نسبي دامت عدة أشهر، غاب فيها عن الأضواء الإعلامية، ها هو ملف سد النهضة يفرض نفسه مجددًا، عقب المقترح الذي أعلنته الحكومة المصرية، الأربعاء الماضي، وصفته بـ"الفني العادل" لحل أزمة السد التي تدخل عامها الثامن على التوالي.

كانت اللجنة العليا لمياه النيل، قد عقدت اجتماعًا برئاسة رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، وبحضور وزراء الخارجية والموارد المائية والري وممثلي الدفاع والمخابرات العامة والرقابة الإدارية والخبراء المختصين، لبحث أزمة سد النهضة، وفق ما ذكر المتحدث باسم رئاسة الوزراء نادر سعد.

اللجنة استعرضت خلال الاجتماع المراحل المتعددة للمفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا بشأن سد النهضة، وما استغرقتها من مدة زمنية طويلة دون التوصل إلى اتفاق، كاشفة عن تقديم القاهرة مقترحًا عادلًا يراعي مصالح إثيوبيا واحتياجاتها للكهرباء من السد، دون الإضرار الجسيم بالمصالح المائية المصرية.

كما أكدت أهمية الانتهاء من المفاوضات وفقًا لبرنامج زمني محدد، خاصة أن مصر وجهت الدعوة بناء على مطلب الجانب الإثيوبي بتعديل موعد الاجتماع "السداسي" بين الدول الثلاثة، الذي كان مقررًا عقده يومي 19 و20 من أغسطس الحاليّ، ليعقد يومي 15 و16 من سبتمبر المقبل، للتوصل إلى اتفاق بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة.

إعادة طرح ملف السد على طاولة النقاش مرة أخرى، يأتي في وقت تشهد فيه العلاقات السودانية الإثيوبية، شركاء الملف، تقاربًا غير مسبوق، لا سيما بعد الدور المحوري الذي أداه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، للوساطة بين طرفي النزاع في السودان، أسفر عن توقيع الاتفاق السياسي والإعلان الدستوري.

تحركات مكثفة

بدأت القاهرة تكثف من جهودها لتحريك المياه الراكدة في هذا الملف، في محاولة للتوصل إلى اتفاق مرضي، يحفظ للمصريين حصتهم من المياه والمقدرة بنحو 55 مليار متر مكعب، إذ أعلنت وزارة الريّ المصرية عودة الوزير محمد عبد العاطي، الجمعة الماضية، من جولة خارجية استمرت ثلاثة أيام، وشملت كلًا من السودان وإثيوبيا، للوقوف على آخر التطورات المتعلقة بملف المياه والسد.

ووفق ما أعلنته الوزارة فقد سلم الوزير رؤية بلاده النهائية بشأن قواعد ملء وتشغيل سدّ النهضة، إلى نظيره الإثيوبي، سلشي بيكيلي، وذلك خلال جلسة مباحثات بينهما بمقر وزارة المياه الإثيوبية، مصحوبة بطلب مصري سوداني مشترك لعقد اجتماع سداسي على مستوى وزراء الريّ والخارجية في البلدان الثلاثة، لبحث تطورات الأزمة في ظل مسارعة أديس أبابا في عمليات البناء.

حالة من القلق تخيم على المفاوض المصري عقب التقارب الواضح بين طرفي المفاوضات، إثيوبيا والسودان، خاصة بعد ارتفاع أسهم أديس أبابا سودانيًا بعد الدور المحوري الذي قامت به لتقريب وجهات النظر بين المجلس العسكري السوداني وقوى الحرية والتغيير

الوزير المصري في تصريحاته عقب عودته قال إنه على صعيد المناقشات والمباحثات المشتركة، تم عرْض الخبرات المصرية في مجال إدارة الموارد المائية، ورفع كفاءة الاستخدام ومقاومة الحشائش المائية، موضحًا أنه تمت دعوة الجانب الإثيوبي للاطلاع على تلك الخبرات والاستعداد لتنفيذ مشروعات ثنائية مشتركة، تسهم في دعم وترسيخ أوجه التعاون بين البلدين.

الرؤية المقدمة تضمنت تمسكًا مصريًا بضرورة وجود خبراء مصريين، أو بعثة فنية دولية كمراقبين ضمن إدارة وتشغيل السدّ بعد الانتهاء من عمليات التشغيل، كما شملت مقترحًا بملء خزان السدّ على مدار 7 سنوات، وهي الفترة التي يرى فيها الخبراء المصريون والمتخصصون، أنها كافية للوصول بالتأثيرات السلبية على الحصة المائية المصرية إلى أقل مستوى، وذلك وفق مصادر رسمية.

المصادر أضافت "على الرغم من فترة السبع سنوات لملء الخزان، فإن تلك الفترة أيضًا تتضمن تحمل مصر لتأثيرات سلبية ليست بالقليلة"، متابعة: "القاهرة قدمت تفصيلًا بشأن التكلفة التي ستتحملها من جراء عمليات تخزين المياه خلف السدّ، التي تتمسك أديس أبابا بأن لا تزيد على ثلاث سنوات".

هذا بالإضافة إلى تضمين بنود أخرى مفصلة بشأن نحو 70 مليار جنيه مصري، ستتحمله لإنشاء محطات تحلية لمياه البحر على مدار تسع سنوات لتعويض مدة العجز الذي ستخلفه عملية ملء الخزان على الحصة المصرية من النيل، كما تضمنت الإجراءات التي اتخذتها القاهرة ومن بينها تخفيض مساحات شاسعة من المحاصيل كثيفة الاستهلاك في المياه مثل الأرزّ، وحجم الخسائر المالية التي تحملتها مصر في هذا السياق، وكيف تحولت من دولة مصدّرة للمحصول إلى دولة مستوردة، وحجم تحمل خزينة الدولة لتلك الخطوة.

جولة جديدة من المفاوضات بين مصر وإثيوبيا والسودان

قلق مصري

حالة من القلق تخيم على المفاوض المصري في أعقاب التقارب الواضح بين طرفي المفاوضات، إثيوبيا والسودان، خاصة بعد ارتفاع أسهم أديس أبابا سودانيًا بعد الدور المحوري الذي قامت به لتقريب وجهات النظر بين المجلس العسكري السوداني وقوى الحرية والتغيير الذي أسفر عن توقيع الاتفاق التاريخي بينهما الذي ينقل السودان إلى مرحلة جديدة من الحكم المدني.

بدأت المخابرات المصرية في التواصل المكثف مع نظيرتها السودانية، وذلك في محاولة لاستمالة القرار السوداني، عبر شخصيات فاعلة في المجلس السيادي، على رأسها الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي)

وفي الناحية الأخرى فإن ما حققه الوسيط الإثيوبي ينتقص من حجم الدور المصري الذي تراجع بشكل ملحوظ وهو الذي كان يدعم المجلس العسكري في بداية الأمر، ولعل غياب الرئيس المصري عن مراسم توقيع الاتفاق والاكتفاء برئيس الحكومة، مقارنة بحضور آبي أحمد وغيره من الرؤساء الفاعلين، يعكس حجم التراجع الواضح في الموقف المصري.

ومن هذا المنطلق تخشى القاهرة من عودة التنسيق بين الخرطوم وأديس أبابا ضد مصالحها، وخصوصًا أنها تشعر بأن رئيس الوزراء الإثيوبي لم يقدّم شيئًا منذ صعوده إلى السلطة قبل ما يزيد على عام إلا إهدار المزيد من الوقت لتمكين بلاده من التفاوض على خلفية واضحة من المعلومات والبيانات عن حجم الإنجاز الذي تم في بناء السد حتى الآن.

تقدير سوداني لدور أبي أحمد في التوصل لاتفاق بشأن المرحلة الانتقالية

مُضي السلطات الإثيوبية في طريقها نحو إكمال السد غير آبهة بالتحفظات المصرية ظل مبعثًا للقلق لدى المصريين، تعزز هذا القلق بعد التنسيق الواضح مع الجارة الإثيوبية، وهو ما تخشاه القاهرة، خاصة أن التيار المدني السوداني، المكون الرئيسي لهيكل المرحلة الانتقالية السودانية، يقدر للجانب الإثيوبي دوره مقارنة بالدور المصري الذي قوبل بالرفض منذ بداية التظاهرات التي استنكرت التدخل المصري أكثر من مرة، عبر تظاهرات دشنها محتجون أمام السفارة المصرية في الخرطوم.

وعليه بدأت المخابرات المصرية في التواصل المكثف مع نظيرتها السودانية، وذلك في محاولة لاستمالة القرار السوداني، عبر شخصيات فاعلة في المجلس السيادي، على رأسها الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) الذي يعتبر الحليف الأبرز للسيسي في السودان.

تعول القاهرة كثيرًا على دعم سوداني لموقفها التفاوضي خلال الاجتماع السداسي المقبل الذي طالبت مصر بعقده بين وزراء المياه والخارجية في البلدان الثلاثة منتصف سبتمبر/أيلول المقبل، الذي من المتوقع أن تتمسك فيه بحسم موقف إثيوبيا من مقترحها الفني بشأن عدد سنوات ملء الخزان الرئيسي للسد، التي تُعتبر حتى الآن المشكلة الرئيسية بين القاهرة وأديس أبابا.