ترجمة وتحرير: نون بوست

منذ أشهر، وعلى الرغم من الأدلة الواضحة، ادعى الرئيس دونالد ترامب أنه "لم يوجّه أي أحد إصبع الاتهام مباشرة" نحو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بشأن مقتل الصحفي السعودي البارز جمال خاشقجي. ولكن في ظلّ الضغط الذي سلّطه الصحفيون على ترامب بشأن النتائج التي قدمتها وكالة المخابرات المركزية والأمم المتحدة والتي تفيد بأن بن سلمان قد أذن على الأرجح مباشرة بالقتل خارج نطاق القضاء، أجاب ترامب على السؤال مشدّدا على قوة علاقته بولي العهد قائلاً: "أنا على توافق مع ولي العهد".

لا يعدّ التجاهل الصارخ للانتهاكات الدولية لحقوق الإنسان الذي يعتمده رئيس أمريكي بالأمر الجديد، خاصة عندما يرتكبها أحد حلفائه. ومع ذلك، يبدو أن هذه المعاملات قد بلغت مستويات جديدة في فترة ترامب، الذي عزّز الأنظمة غير الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من خلال التعبير عن دعمه المستمر للقادة الاستبداديين واستمراره في توفير الموارد العسكرية الحيوية.

في إطار تحليل الفترة التراجع الديمقراطي العالمي الحاليّة، جادل لاري دايموند، وهو زميل في جامعة ستانفورد، بأن "تراجع الديمقراطية لن يُعكس إلا في حال تبنّت الولايات المتحدة مرة أخرى فكرة الترويج للديمقراطية". وتتمثّل أهم الجوانب التي تُتَجاهل في كثير من الأحيان، في الطريقة التي ساعد بها انتشار تكنولوجيا المراقبة والرقابة في دعم الأنظمة الاستبدادية ومنحها القدرة على تضييق الخناق على المعارضة من خلال مراقبة سكانها على الإنترنت والتحكم في المعلومات المتاحة وتتبع المعارضين حول العالم.

يُعتَقد أن برامج التجسس قد صنعتها مجموعة إن إس أو الإسرائيلية سيئة السمعة، وهي شركة تقنية كشفت بعض التقارير أنها تبيع تكنولوجيا المراقبة الجماعية لمجموعة من الجهات الفاعلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

على سبيل المثال، زُعم في التقرير المتكوّن من 100 صفحة، الذي يدور حول مقتل خاشقجي والذي نشرته الأمم المتحدة، أن "السلطات السعودية كانت على اطلاع على الاتصالات التي دارت بين خاشقجي و[زميله المعارض السعودي] عبد العزيز عن طريق اختراق هاتف عبد العزيز ببرنامج "بيغاسوس"  للتجسس". في المقابل، نفت المملكة العربية السعودية هذه الادعاءات.

يُعتَقد أن برامج التجسس قد صنعتها مجموعة إن إس أو الإسرائيلية سيئة السمعة، وهي شركة تقنية كشفت بعض التقارير أنها تبيع تكنولوجيا المراقبة الجماعية لمجموعة من الجهات الفاعلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وحتى وقت سابق من السنة الحالية، كانت الشركة مملوكة لشركة الأسهم الخاصة الأمريكية فرانسيسكو بارتنرز.

من أجل حماية الديمقراطية العالمية وتعزيزها وحماية الحريات الفردية في المنطقة، من الضروري أن تدين الحكومة الأمريكية انتهاكات حقوق الإنسان الرقمية هذه باستخدام العبارات الحادة ذات الوقع الشديد. ويعتبر استخدام تكنولوجيا المراقبة الإسرائيلية الصنع مجرد واحدة من قائمة طويلة من انتهاكات الحقوق الرقمية التي حدثت في المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة.

على نحو مماثل، لا تزال المساعدات الرقمية التي تقدمها الولايات المتحدة إلى مصر في حدود 1.3 مليار دولار في السنة، وهو ما سهل إجراء حملة عنيفة على جميع المساحات المحتملة للمعارضة، بما في ذلك الإنترنت.

في أحدث تقرير أصدرته منظمة "فريدم هاوس" على موقع فريدم أون ذي نات، كتب الباحثون :"لقد انخفضت حرية الإنترنت في المملكة العربية السعودية في سنة 2018 وسط تصاعد التعصب لجميع أشكال المعارضة السياسية والاجتماعية والدينية". وقد كان رد الفعل صارخا، ففي تقرير صادر عن جامعة نورث وسترن في قطر، يستخدم 54 بالمئة من الأشخاص خدمات الشبكة الخاصة الافتراضية أو خدمات مماثلة في المملكة العربية السعودية، وذلك في محاولة لإخفاء حركة مرور الإنترنت الخاصة بهم عن الرقابة الحكومية وتجاوز العراقيل الضخمة.

على نحو مماثل، لا تزال المساعدات الرقمية التي تقدمها الولايات المتحدة إلى مصر في حدود 1.3 مليار دولار في السنة، وهو ما سهل إجراء حملة عنيفة على جميع المساحات المحتملة للمعارضة، بما في ذلك الإنترنت.

نعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الديكتاتور المصري، عبد الفتاح السيسي، "بالشخص العظيم" على الرغم من كونه مسؤولا عن احتجاز حوالي 60 ألف سجين سياسي، وذلك وفقا لمنظمة هيومن رايتس ووتش. كما أطلق النظام مجموعة من الاعتقالات بسبب ما نشره المواطنون على الإنترنت. ووفقا لعادل إسكندر، هناك أفراد أُرسلوا إلى السجن بسبب نشرهم لصور معدلة للرئيس المصري بآذان ميكي ماوس.

قد يؤدي منع انتشار وجهات النظر البديلة إلى إطالة أمد الصراعات في المنطقة ويزيد من حدتها، حيث لن يتمكن المواطنين من التعرف على مجموعة متنوعة من وجهات النظر

نظرا لأن الحكومات في جميع أنحاء المنطقة تتطلع بشكل متزايد إلى احكام سيطرتها من خلال تضييق الخناق على حرية التعبير على الإنترنت، جرى تقويض الحريات الديمقراطية الأساسية. ومع ذلك، لم تكن الرقابة مستوحاة من قمع المعارضة الداخلية فقط. فقد أثرت الصراعات الإقليمية بشكل متزايد على التحكم في المحتوى.

من جهته، كشف حلمي نورمان من مركز بيركمان كلاين للأبحاث أن: "الجهات المسؤولة عن الرقابة تمنع النفاذ إلى وجهات النظر والإبلاغ عن النزاعات الثنائية والداخلية التي تتعارض أو تتناقض مع رواياتهم، مما يدل على عدم تسامحهم مع النقاشات أو التغطيات التي لا تتماشى مع وجهة نظر الدولة".

في الحقيقة، قد يؤدي منع انتشار وجهات النظر البديلة إلى إطالة أمد الصراعات في المنطقة ويزيد من حدتها، حيث لن يتمكن المواطنين من التعرف على مجموعة متنوعة من وجهات النظر. ولم يقتصر الأمر على صمت ترامب بشأن هذه القضية، بل هناك أيضا أدلة متزايدة تؤكد أن الشركات الأمريكية عملت بشكل مباشر مع منتجي التكنولوجيا التي تخدم الاستبداد.

علاوة على ذلك، كشف تقرير استقصائي حديث نشرته صحيفة الانترسبت، أن شركة آي بي إم والشركة المصنعة للشرائح الإلكترونية الدقيقة كسلنكس تعاونت مع سمبتيان، وهي شركة صينية معروفة بإنتاجها لتكنولوجيا المراقبة المستخدمة في جميع أنحاء المنطقة.

من الضروري أن تأخذ إدارة ترامب في الاعتبار انتهاكات الحقوق الرقمية وكيفية استخدام التكنولوجيا الجديدة وتبادلها وبيعها من قبل حلفائها وذلك من أجل الديمقراطية العالمية وحقوق الإنسان الدولية

مع تزايد التوترات بسبب الضبابية التي تخيم على عملية بيع تكنولوجيا المراقبة، قدم ديفيد كاي، المقرر الخاص المعني بحرية التعبير في الأمم المتحدة، توصيات إلى الأمم المتحدة بشأن وقف بيع برامج التجسس على نطاق عالمي. وقد كتب في بيانه: "لقد ثبت أن مراقبة أفراد معينين، الذي غالبا ما يكونون من الصحفيين والناشطين والشخصيات المعارضة والنقاد وغيرهم ممن يمارسون حقهم في حرية التعبير، يُؤدي إلى الاحتجاز التعسفي وأحيانا إلى التعذيب وربما أعمال قتل خارج نطاق القضاء".

إلى جانب تعليق شراء هذه التكنولوجيا، ينبغي على الحكومات في جميع أنحاء العالم أن تبدأ أيضا في الإدانة العلنية لاستخدام هذه التكنولوجيا القمعية. وفي هذا الشأن، جادل كل من جيفري سميث وهيلاري ماتفيس أن "القادة الغير مهتمين بأن يحاسبهم مواطنيهم لا يعتبرون أن إدارة ترامب تتسامح مع دوافعهم المدمرة فقط بل تؤكد عليها".

في الواقع، من الضروري أن تأخذ إدارة ترامب في الاعتبار انتهاكات الحقوق الرقمية وكيفية استخدام التكنولوجيا الجديدة وتبادلها وبيعها من قبل حلفائها وذلك من أجل الديمقراطية العالمية وحقوق الإنسان الدولية. وإذا لم يتحقق ذلك، من الممكن أن تستمر انتهاكات حقوق الإنسان الفظيعة.

في الختام، يجدر بنا أن نتذكر بعض الكلمات الأخيرة التي نشرت لجمال خاشقجي والذي قال خلالها: "كان هناك زمن اعتقد فيه الصحفيون أنّ الإنترنت سيحرر المعلومات من الرقابة والسيطرة المرتبطَين بوسائل الإعلام المطبوعة. لكن هذه الحكومات التي يعتمد بقاؤها الفعلي على السيطرة على المعلومات أعاقت الإنترنت بشدة". وفي الحقيقة، تظل احتمالية أن تكون الإنترنت قوة قادرة على تحرير الشعوب قائمة. لكن هذا الأمر يتطلب ذلك انتقاد الدول علنا عند قيامها بانتهاك الحقوق الرقمية الأساسية.

المصدر: لوب لوغ