"اللي حصل إن الحياة في البلد وصلت لمرحلة البي بي.. وإن أي كلام عن الأمل يبقي نوع من الوقاحة، في ظل المأساة اللي بتعيشها البلد محدش يقدر يطمن على حياته وكرامته وأسرته، اللي زينا حياله علماء.. دكاتره.. مدرسين.. إحنا مرشحين ف أي لحظة إن إحنا ناخد بالجزمة، لا قيمه لنا في هذا الوطن اللي أصبح وطنهم هما واحنا بقينا مجرد لاجئين عندهم..." يبدو أن الصرخة التي أطلقها الفنان الرائع خالد صلاح في فيلم "فبراير الأسود" الصادر عام 2013، التي جسد من خلالها معاناة الباحثين والعلماء في مصر، لم تقلق مضاجع المسؤولين في البلد الذي كان حتى وقت قريب منارة للعلم والعلماء.

بعد أن بُحت أصواتهم لسنوات عدة، مطالبين بإعادة النظر في هيكل الرواتب والأجور المعمول به حاليًّا في ظل المستجدات الاقتصادية الطارئة خلال الأعوام الخمس الأخيرة التي أفقدت العملة الوطنية "الجنيه" أكثر من نصف قيمته، شن باحثون مصريون في مجالات علمية مختلفة حملة إلكتروينة للتعبير عن غضبهم.

"#علماء_مصر_غاضبون".. هاشتاغ دشنه أساتذة جامعيون لإلقاء الضوء من خلاله على ما وصفوها "أوضاعهم المعيشية والمهنية المتردية" التي لا تزال رهن قوانين قديمة ترجع إلى سبعينيات القرن الماضي، مطالبين بتحسين تلك الأوضاع التي حذروا من استمرارها بوضعيتها الحاليّة على مستقبل البحث العلمي في مصر.

تفاعل كبير قوبلت به هذه الخطوة التي فرضت نفسها على منصات السوشيال ميديا خلال اليومين الماضيين، إذ تصدر الهاشتاغ التريند في مصر، إلا أنه وفي المقابل خرجت أصوات تشكك في نوايا الحملة، فقيل عنها إنها ممنهجة بهدف إجهاضها مبكرًا، الأمر الذي دفع الأكاديميين إلى الإصرار على مواصلتها لحين تحقيق مطالبهم التي وصفوها بـ"المشروعة والعادلة".

أوضاع متردية

"هل يعقل أن أكون رئيس قسم في الجامعة وأذهب إلى عملي في ميكروباص؟ كما أنني لا أستطيع أن أُدخل أبنائي مدارس جيدة للتعلم بدلاً من الحكومية المترهلة؟ هل يعقل أن أكون مربيًا لأجيال ومن يتخرج من تحت يدي يُعين في بعض الوظائف النيابية بضعفي راتبي وأنا من علمته"، بهذه الكلمات كشف الدكتور حمزة النقاب عن الواقع المر الذي يحياه معظم أساتذة الجامعة في مصر.

الأستاذ الجامعي أشار في حديثه لـ"نون بوست" أن الأوضاع المعيشية للأكاديميين والباحثين بوجه عام باتت مدعاة "للخجل"، فالراتب الذي يتقاضاه الأستاذ لا يتناسب مطلقًا مع القفزات الجنونية التي منيت بها الأسعار والخدمات، لافتًا إلى أن مهنة التدريس في الجامعة أصبحت اليوم في الدرك الأسفل من المهن هزيلة العائد.

أما الدكتور عبد العظيم الجمال الأستاذ بجامعة قناة السويس، فعلق على صفحته الشخصية على "فيسبوك" ردًا على من يستنكرون مطالبهم بزيادة الرواتب والأجور قائلاً: "المسؤولون والزملاء الأفاضل الذين يقولون إننا مهنة سامية وراقية وعيب نتكلم عن الماديات، طيب المهنة السامية طالبة مني أبحاث دولية.. تكلفة عمل أقل بحث في تخصصي 30 ألف جنيه.. مطلوب مني 500 دولار على الأقل لنشر البحث دوليًا في مجلة ذات معامل تأثير.. ومعظم الزملاء بعد قبول البحث مش قادرين يدفعوا الرسوم".

وأضاف "مطلوب مني مظهر يليق بمهنتي والتعفف عن الدروس وتجارة الكتب وتجارة شهادات الماجستير والدكتوراه، مطلوب مني تعليم أولاد، مطلوب مني حياة كريمة لأسرتي ومرتبي الهزيل مثبت على أساسي يونيو 2015 وبدفع ضرائب على السنة المالية الحاليّة، مطلوب مني رعاية صحية لي ولأسرتي، مطلوب مني أصرف من جيبي على شغلي"، واختتم حديثه برسالة موجهة إلى السلطات الحاكمة في بلده قال فيها: "دولة لا تكترث بالتعليم والبحث العلمي وتتعمد إذلال العلماء هي دولة بلا حاضر ولا مستقبل".

فيما تساءل أحمد، معيد بجامعة القاهرة: كيف يمكن لي أن أعيش بـ2700 جنيه شهري (163 دولارًا)؟ كيف يمكن بأي حال من الأحوال أن يكفي هذا الراتب للإنفاق على البيت ومستلزماتي الشخصية؟ مضيفًا "هذا بعيد عن الأبحاث العلمية المطلوبة مني ورسالة الماجستير والدكتوراه التي تحتاج إلى مبالغ طائلة".

وأوضح المعيد لـ"نون بوست" "فكرت أن أعمل عمل آخر بجوار الجامعة لكن أهلي منعوني من ذلك خوفًا على صورتي وسمعتي بين أصدقائي"، كاشفًا أن الحال لو استمر على ما هو عليه الآن فلن يلقى بالاً لأي من تلك الأصوات الرافضة، مضيفًا: ما هو لو معملتش كده هاكل منين؟

فيما أشار الباحث أحمد العمدة أن قانون الرواتب الذي يتقاضى به الباحثون أجورهم صدر عام 1972، أي منذ 47 عامًا، وما زال جدول الرواتب المرفق به كما هو بنفس القيم التي تحاسب بالقرش، فعلاوة المعيد السنوية هي جنيهان، وعلاوة الأستاذ الذي وصل لعمر 59 عامًا هي 6 جنيهات و25 قرشًا فقط لا غير، وعلاوة الزواج جنيه و75 قرشًا، وتصحيح الورقة الامتحانية 80 قرشًا.

هجرة العقول والكفاءات

أمام هذا الوضع المتردي من الأحوال المعيشية في ظل تجاهل واضح من الدولة على مدار سنوات، ما كان أمام المئات من الأكاديميين والباحثين إلا الهروب والهجرة والبحث عن فرص عمل بالخارج، وهو ما بات ظاهرة خلال الفترة الأخيرة، الأمر الذي حذر منه الكثيرون.

إبراهيم.. أستاذ مساعد بإحدى كليات جامعة المنصورة، كان راتبه لا يتعدى 3800 جنيه (230 دولارًا) ولديه ولدان وزوجة ومطلوب منه إيجار سكن ومصروفات دراسة، هذا بخلاف المصروفات اليومية العادية، يقول: "فكرت طويلاً كيف لهذا الراتب أن يغطي كل تلك الاحتياجات، وعلى الفور لم أجد أمامي إلا السفر"، وأضاف في حديثه لـ"نون بوست": "بحثت عن عمل في إحدى الجامعات بدولة خليجية ووفقني الله لذلك، والآن أنا أعمل مدرسًا براتب (2500 دولار) أي ما يتجاوز 10 أضعاف ما كانت أحصل عليه في بلدي، هذا غير السكن والسيارة الخاصة وتذاكر السفر التي تحملتها الجامعة.

"حقيقة لا أستطيع أن أبخل عليهم بمجهودي العلمي، فالمناخ الموفر لي هناك يشجع أي باحث على إخراج أفضل ما لديه، هي دول تهتم بالعلم وتوقر العلماء، ومن ثم أتوقع خلال السنوات المقبلة أن تحدث طفرة كبيرة في هذه الدول مقارنة بمصر وغيرها من الدول التي لا تلقي بالاً لعلمائها" هكذا اختتم الأستاذ المصري حديثه.

أما الدكتور وليد فؤاد، الباحث في العلوم الزراعية، فوجه رسالة إلى رئيس الدولة قال فيها: "مش هنقول عايزين الحد الأقصى للمرتبات رغم أنه حقنا، فقط نتساوى مع ضابط بالقوات المسلحة، أو أصغر مستشار في محكمة وهم تلاميذنا".

علق المدون وليد نصر متسائلاً: "من سيحمي العقول المصرية من الإغراءات التي تقدمها لهم الجامعات والمؤسسات الأوروبية؟ لا تلوموا الشباب عندما يعزفون عن العمل كأعضاء هيئة تدريس ويفضلون الهجرة".

من جهته تضامن عالم الفضاء المصري عصام حجي الذي يعمل في وكالة ناسا بالولايات المتحدة، مع مطالب الأكاديميين، حيث أرجع سبب تراجع قيمة العلم في مصر إلى "تراجع دوره على مستوى الحاكم والمحكوم. يفرقهم سعي المحكوم للتحرر بالتعلم بينما يخشى الحاكم تحقق حلم المحكوم فيعصاه. حب الطاعة المطلقة والخوف من قدرة المعرفة على التغيير هما أس عداء الاستبداد للعلم، النفس الحرة لا تجتمع في عقل جاهل".

وأضاف "حتى لو كان الهاشتاغ ده نقطة ميه حلوة في بحر مالح وإنه يخلي شكلك وحش وغير رصين. مش ح أتردد دقيقة واحدة عن دعم زملائي وأساتذتي في مصر اللي من غيرهم مكنتش وصلت لأي نجاح".

تشويه ممنهج

في المقابل قوبلت الحملة بموجة من الانتقادات الممنهجة والتشويه الواضح، بعضها يحمل صفة الاتهامات بأنها مطالب فئوية لا تعبر عن طبيعة المرحلة التي يجب أن يكون الجميع فيها متساوين على حد وصف أحدهم، فيما ذهب آخرون إلى أن هناك أيادي إخوانية وراء الترويج الكبير لهذه الحملة التي نجحت في ساعات قليلة في تصدر مواقع التواصل الاجتماعي.

الدكتور محمد كمال الذي يعرف نفسه بأنه أستاذ الأخلاق والقيم، نشر عبر حسابه الشخصي، بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، تدوينة، يعرب عن استيائه من استغلال الحملة لأهداف خبيثة، قائلاً: "منسحب من حملة #علماء مصر غاضبون.. لسوء نوايا كثيرين ممن يدعون أنهم يتزعمونها، ولاستغلالها سياسيًا ضد الدولة من الإرهابية وأعوانها".

وأضاف كمال: "في البداية، شارك عدد كبير في (الهاشتاغ)، إلا أننا اكتشفنا، محاولة ركوب بعض المنتمين للإخوان والمستترين، من السيطرة على الحملة، وتزعم المشهد، بهدف الوصول إلى غايتهم الأولى، وهي تشويه الدولة، ولعل نشر الصفحات التابعة للإخوان والموالية لها بكثافة، كان الدليل الأبرز لمخطط ذيول الإرهابية أو الخلايا النائمة، خاصة أنهم لم يقفوا من قبل في صف حقوق أعضاء هيئة التدريس بل دومًا كانوا يستغلونها لمصلحة الجماعة".

من جهة أخرى أوضح أستاذ بجامعة الإسكندرية أن تشويه الحملة سيناريو متوقع في ظل حالة القلق التي خيمت على المقربين من السلطات الحاكمة، فالانتشار الكبير والدعم غير المسبوق مع مطالب الأكاديميين أصابت ما سماهم "المرتزقة المنتفعين" بصداع مزمن، فما كان منهم إلا التشويه.

وأضاف في تصريحات لـ"نون بوست" أن عملية الهجوم على الحملة ممنهج عبر لجان إلكترونية واضحة، تكشف نوايا خبيثة بشأن ما يحاك ضد العلم والعلماء في البلاد، مؤكدًا أن هناك إصرارًا كبيرًا بين الباحثين على المضي قدمًا في حملتهم حتى تحقيق مطالبهم، لافتًا إلى إمكانية التصعيد عبر الطرق المشروعة مع بداية العام الدراسي الجديد حال لم تستجب أجهزة الدولة لهم.

يذكر أن التمويل المخصص للبحث العلمي في مصر حاليًّا نحو 0.78% من الناتج القومي، أي أقل من الـ1% المنصوص عليها في الدستور، بما يعادل 18 إلى 19 مليار جنيه، هذا في الوقت الذي تراجع فيه ترتيب الدولة في مؤشر البحث العلمي إلى 129 من بين 148 دولة في العالم.