لم يكن خروج الشعب السوداني إلى الشوارع احتجاجًا على حكومة البشير التي ترأست البلاد لمدة 30 عامًا أمرًا مستغربًا، فمع وصول سعر رغيف الخبز من جنيه واحد إلى 3، بالإضافة إلى ندرة السيولة النقدية وارتفاع سعر الوقود في واحدة من أغنى الدول الأفريقية بالثروات الطبيعية والموارد دللت هذه الضائقة الاقتصادية الثلاثية على وجود خلل في النظام الحاكم، ولا سيما مع وصول معدل التضخم إلى 70% ووجود حوالي 5.5 مليون شخص يعانون من مخاطر المجاعة.

فبعد سنوات طويلة من الأعذار وإلقاء لوم المشاكل الاقتصادية في البلاد على العقوبات الأمريكية التي فرضت على السودان عام 1997، لم تنطلي هذه الخدعة مطولًا على الشعب السوداني ولم تشجع المستثمرين الأجانب على افتتاح مشاريع تجارية في البلد الأفريقي، خاصةً أن إلغاء هذه العقوبات لاحقًا عام 2017 لم يعيد إنعاش الاقتصاد كما ادعت السلطات، بل على العكس، ساءت الأمور واتخذت منعطفًا أكثر حدةً من قبل.

ولكن، مع إطاحة البشير ووصول السودان إلى اتفاق لتقاسم السلطة بين المجلس العسكري الحكام والمعارضة المدنية، أصبح لدى السودان الآن  فرصة تحديد وجهته المستقبلية من جديد، إلا أن الكثير من التحديات تنتظر هذه البلاد، ومن أهمها التحديات الاقتصادية التي يمكن مواجهتها بدايةً من خلال تنويع مصادر الإنتاج، وهو ما تتميز به السودان أصلًا، إذ تمتلك عددًا من الصناعات الرائدة مثل الزراعة والسياحة والتعدين والصناعة، وهي القطاعات التي كانت محط نظر واهتمام العديد من الشركات الدولية التي تنتمي إلى مصر وتركيا والصين والإمارات والسعودية والبحرين والهند.

الزراعة.. سلة غذاء العرب المثقوبة

يقول عبد العظيم الجاك، مواطن سوداني يدير مزرعة في الخرطوم: "لدينا تربة جيدة وما يكفي من الماء وأشعة شمس.. لدينا كل ما نحتاجه لزراعة الكثير من المحاصيل"، مكملًا "بالنسبة إلينا، ليس من المفاجئ أن نرى الجميع يتهافت على مواردنا". في هذه الكلمات يختصر عبد العظيم ثقل القطاع الزراعي في بلاده ويشير إلى إمكانياتها الإنتاجية الهائلة، ولا سيما إذا علمنا أن الأراضي الصالحة للزراعة تستحوذ على حوالي ثلث مساحة السودان، علمًا أن انفصال الجنوب عنها أدى إلى حرمانها من 30% من الأراضي الزراعية.

في نفس السياق، تعتمد صادرات السودان على 80% من المنتجات الزراعية، وأهمها القطن بالجانب إلى الفول السوداني والتمر والسمسم وقصب السكر والطماطم والمانجو والقهوة والذرة والقمح والفاصوليا والبقول والفواكه الحمضية. يضاف إلى ذلك، احتلالها المرتبة الثانية في القارة من حيث الزراعة المروية، ففي السودان أكثر من 10 أنهر يتدفق بعضها بصورة دائمة أو موسمية، وذلك عدا عن مياه الأودية والمياه الجوفية ومياه الأمطار، إذ يصل معدل الأمطار السنوي عن ما يزيد على 400 مليار متر مكعب.

وبالرغم من يمتع السودان بهذه المؤهلات التي تمنحها ثروة مذهلة، إلا أن مؤسسة "غولدمان ساكس" الأميركية، صنفت السودان في المركز الأول في قائمة الدول التي تمتلك أراضي زراعية غير مستغلة، وذلك بمساحات تقترب من 80 مليون فدان. ما يعني أن استغلال هذه القدرة الزراعية بصورة متكاملة يمكن أن يحول اقتصاده لأكبر اقتصاد زراعي في العالم.

يضع السودان يده على 150 مليون رأس من الماشية أي نحو 4 أضعاف ما تملكه هولندا، كما يستولي حوالي 40% من سكانه على هذه الثروة

ولكن تشير الإحصائيات إلى أن السودان يستورد أكثر من 50% من حاجته من القمح وأكثر من 26% من حاجته من مواد غذائية أخرى بل ويعيد استيراد مواد أخرى كالسكر بعد إعادة تصنيعه في دول عربية مجاورة لعدم وجود صناعات غذائية متكاملة، فمع إنفاق الحكومة السودانية أقل من 4% من حجم ميزانيتها على هذا القطاع وغياب الخطط المحلية والحلول، ستبقى أكثر أراضي أفريقيا خصوبةً تكافح من أجل إطعام شعبها.

أما فيما يخص الشق الحيواني، يضع السودان يده على 150 مليون رأس من الماشية أي نحو 4 أضعاف ما تملكه هولندا، كما يستولي حوالي 40% من سكانه على هذه الثروة، ويعتمد ما يقرب بـ 60-80% من المجتمع السوداني في سبل كسب عيشه على هذه السلعة، ولكن مع انفصال جنوب السودان، فقد الوطن العربي أكثر من 41 مليون رأس من الماشية، يضاف إلى ذلك تأثير أزمة إقليم دارفور الذي كان يساهم بحوالي 60% من إجمالي الناتج القومي قبل اشتعال نيران الصراع.

النفط.. الثروة المهدورة

بدأ التنقيب عن النفط في السودان في سبعينيات القرن الماضي، وكان أول تصدير تجاري للنفط في السودان في عام 2000 وكانت أبرز الأسواق الرئيسية للمنتجات البترولية السودانية تشمل الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند وإندونيسيا، حتى شكل هذا القطاع قد ما بين 70% إلى 90% من إجمالي قيمة صادرات السودان، ومثل الدخل من النفط 98% من ميزانية الدولة، وتدريجيًا أصبح السودان ثالث أكبر منتج للنفط في أفريقيا، ولم تتفوق عليه سوى نيجيريا وأنجولا.

ومنذ ذاك الحين مثل قطاع النفط الدافع الأكبر لنمو الناتج المحلي الإجمالي للسودان، وبدأت أثاره تتضح بصورة أوضح بعد عقد من الزمن حين ازدهر الاقتصاد المحلي على خلفية ارتفاع حجم إنتاج النفط وأسعاره، فضلًا عن رؤوس الأموال الأجنبية التي هرولت للاستثمار في الحقول النفطية في السودان، إذ تعد شركة البترول الوطنية الصينية (CNPC)، وشركة النفط والغاز الطبيعي الهندية (ONGC) وشركة بتروناس الماليزية من أكبر اللاعبين في قطاع النفط السوداني.

يقدر مسؤولون في هذا القطاع إجمالي احتياطي النفط بنحو 65.4 مليون برميل من النفط و300 مليار قدم مكعب من الغاز، ويُعتقد أن دارفور وكردفان قد تكونا أغنى مناطق النفط في البلاد

لكن الصدمة الاقتصادية الكبرى كانت في يوليو/تموز 2011 حين انسحب جنوب السودان من خريطة السودان الجغرافية، ما أثر تلقائيًا على المعادلات الاقتصادية، حيث فقد السودان 75% من موارده النفطية التي تعد مصدر 80% من موارد النقد الأجنبي و50% من إيراداته العامة، حيث كان إنتاج النفط يبلغ حوالي 245 ألف برميل في اليوم قبل الانقسام، لكنه انخفض إلى حوالي 120 ألف برميل يوميًا خلال الحرب، وفقًا لبيانات للبنك الدولي.

وإجمالًا، يقدر مسؤولون في هذا القطاع إجمالي احتياطي النفط بنحو 65.4 مليون برميل من النفط و300 مليار قدم مكعب من الغاز، ويُعتقد أن دارفور وكردفان قد تكونا أغنى مناطق النفط في البلاد، كما تشير التقديرات إلى وجود احتياطيات هائلة محتملة في المناطق الصحراوية في شمال غرب السودان وحوض النيل الأزرق ومنطقة البحر الأحمر في شرق السودان، ولكنها ليست مكتشفة بعد.

التعدين.. الذهب ونقمته الاقتصادية على السكان المحليين

في فترة التسعينيات، ساهم التعدين بأقل من 1٪ من الناتج المحلي الإجمالي في البلاد التي تملك مجموعة واسعة من المعادن الطبيعية وتشمل النحاس والذهب والحديد والكروم والمنغنيز والجبس والرخام والحجر الجيري واليورانيوم والميكا. وأكثرهًا قدمًا هو تعدين الذهب الذي يعود إلى العصر الفرعوني. أما في الوقت الحديث، فلقد سيطرت الشركات البريطانية على مناجم الذهب في البلد واستخرجت كميات كبيرة من مختلف المعادن لمدة لا تقل عن 5 عقود من الزمن.

وعقب انتهاء هيمنة الاستعمار، شهد السودان عام 2017 طفرة ذهبية بعد أن أنتجت البلاد 107 طن من الذهب، ولكنها في العام الذي يليه، انخفض الإنتاج إلى 93 طنًا (ما يعادل 4 مليارات دولار)، تم تهريب نحو 48.8 من الذهب في النصف الأول من العام، ومع ذلك احتل السودان المرتبة الثالثة من حيث أكبر منتج للذهب في أفريقيا بعد جنوب أفريقيا وغانا، والتاسع على مستوى العالم العالم. علمًا أن الإنتاج يحركه أكثر من 1.5 مليون رجل يعرضون حياتهم للخطر للبحث عن المعادن الثمينة واستخراجها.

الدولة تتحايل على القوانين وتستخدم سلطتها لنهب أراضي السكان المحليين والمزارعين الصغار والبدو الرحل من أجل توفيرها للمستثمرين الدوليين

ومما يثير القلق والسخط بصورة أكبر هو سعي الحكومة إلى جذب المستثمرين الأجانب واستبدالهم بالمالكين المحليين. ففي هذا الشأن، حذرت المجموعة السودانية الأولى للديمقراطية (SDFG) من زيادة حدة الاشتباكات بين الحكومة والمالكين المحليين على الأراضي، الحوادث التي أدت إلى مقتل العشرات من السكان المحليين خلال السنوات القليلة الماضية.

فبحسب بعض المراقبين، إن الدولة تتحايل على القوانين وتستخدم سلطتها لنهب أراضي السكان المحليين والمزارعين الصغار والبدو الرحل من أجل توفيرها للمستثمرين الدوليين، إذ يوجد هناك حوالي 170 شركة لتعدين الذهب من السعودية وروسيا والمغرب وتركيا وقطر والصين.

جدير بالذكر أن السودان أعطى الأولوية لقطاع التعدين كأفضل مصدر للعملات الأجنبية وفرص العمل، فمؤخرًا تم توفير أكثر من مليون وظيفة، وبالتالي ساعد التركيز الحكومي على توسيع هذا القطاع بدفع عجلة التنمية في المناطق الريفية لأن احتياطي الذهب يوجد غالبًا في الأماكن النائية، وذلك بعد أن فشلت الحكومة في الاستفادة من ثروات القطاع الزراعي بالكامل.