شكلت الأزمة المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية إحدى أبرز مشاهد التأزم السياسي والعسكري الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط اليوم، وذلك لأسباب كثيرة، منها ما يتعلق بالعلاقات البينية بين الطرفين، ومنها ما يتعلق بالمشهد العام في الشرق الأوسط، وعلى الرغم من المبادرات العديدة التي طرحت لحلحلة العلاقة الأزموية بين الطرفين، بدءًا من المبادرة العمانية ثم اليابانية، وأخيرًا الفرنسية التي طرحت على هامش اجتماعات قمة مجموعة الدول الصناعية السبعة التي عقدت في منتجع بياريتز جنوب غرب فرنسا يوم السبت (24 من أغسطس/آب 2019).

وقبل طرح المبادرة الفرنسية كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قد وجه دعوةً لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف لزيارة العاصمة الفرنسية باريس، وذلك من أجل إطلاعه على فحوى المبادرة الفرنسية الخاصة بالحفاظ على الاتفاق النووي من الانهيار، وقدمت فرنسا مقترحات عامة لحل المشكلة بين الطرفين، تمثلت بالتزام إيران بكل بنود الاتفاق النووي وتجميد برنامج الصواريخ الباليستية، مقابل رفع جزئي من العقوبات التي استهدفت تصفير إمدادات الطاقة الإيرانية، وإيجاد مدخل جديد لتفعيل الصيغة الأوروبية للتعاملات المالية "الإنستيكس" مع البنوك والمصارف الإيرانية، مع إمكانية ترتيب لقاء مباشر بين الرئيس الإيراني حسن روحاني والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من أجل البدء في مفاوضات مباشرة تنهي حالة التصعيد المستمر بين البلدين في مضيق هرمز.

موقف الرئيس روحاني من هذه المبادرة

أشار الرئيس حسن روحاني في كلمة له بملتقى إنجازات الحكومة في مجال تطوير البنى التحتية القروية، نقلها التليفزيون الإيراني: "يمكننا أن نسلك طريقًا ننجح فيه أو لا ننجح، لكن يجب أن نبذل جهودنا وحتى عند احتمال النجاح ليس 90%، وإنما 10 أو 20%، فعلينا أن نبذل الجهد ولا نضيع الفرص"، وفيما واجهت زيارة ظريف انتقادات كبيرة من التيار المحافظ في إيران، قال روحاني: "الأساس هو مصالح الدولة، وإذا وجدت أن اجتماعًا مع شخص ما يحل مشاكل بلادي فلن أضيعه"، مشيرًا إلى أن بلاده تعيش ظروفًا صعبة، وتخضع لأشد العقوبات منذ عام.

جاءت أغلب أسباب الرفض من التيار المحافظ في إيران، بعد تلميح الرئيس الإيراني حسن روحاني بإمكانية قبول العرض الفرنسي للتفاوض المباشر مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

لكن روحاني أشار في الوقت ذاته إلى أن إيران تواجه هذه الظروف بأدوات متعددة، قائلاً: "إننا بينما نواجه العقوبات بالمقاومة والرد بالمثل ونخفض تعهداتنا، لكننا نمنح فرصًا للتفاوض والدبلوماسية"، قبل أن يوضح في هذا الصدد "إننا من خلال منح مهلة الشهرين بين مراحل تقليص التعهدات نبقي الباب مفتوحًا لحل المشاكل عبر الدبلوماسية"، وأكد "إننا نواصل الصمود للدفاع عن أمننا ومصالحنا ولا نتعب في ذلك"، مشيرًا "إلى جانب الصمود والمقاومة، نتفاوض أيضًا"، ليقول: "عندما يحتجزون ناقلتنا نجري مفاوضات وفي الوقت نفسه نحتجز ناقلتهم ونقوم بالأمرين معًا".

هجوم التيار المحافظ في إيران

جاءت أغلب أسباب الرفض من التيار المحافظ في إيران، بعد تلميح الرئيس الإيراني حسن روحاني بإمكانية قبول العرض الفرنسي للتفاوض المباشر مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بأن تلميحات الرئيس روحاني جاءت مناقضة لمواقف المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي أعلن في وقت سابق بأن ترامب شخص غير مؤهل للجلوس معه في مفاوضات مباشرة.

رغم تغيير الرئيس روحاني لموقفه فيما بعد، عندما قال بأن أي لقاء مع ترامب ينبغي أن لا يكون من أجل التقاط الصور فقط، وإنما ينبغي أن تكون هناك إجراءات لبناء الثقة بين الطرفين قبل الجلوس على طاولة المفاوضات، التي ينبغي أن يكون في مقدمتها رفع كامل للعقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، وهذا التغيير يبدو أنه جاء من أجل استيعاب موجة الغضب التي قادها التيار المحافظ داخل مجلس الشورى الإيراني.

يبدو أن إيران لاتستطيع أن ترى نفسها في ظل ظروف طبيعية، والسبب في ذلك أنها لا تستطيع الجلوس على طاولة المفاوضات دون أوراق لعب

وفي نفس السياق، تعرض وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف هو الآخر لموجة انتقادات من التيار المحافظ، وذلك ردًا على تغريدة له على موقع تويتر، تحدث فيها عن أن "الطريق أمامنا صعب لكنه يستحق الاختبار"، وفي هذا الإطار أشار المتحدث باسم الحكومة الإيرانية علي ربيعي بأن زيارة ظريف إلى فرنسا ليس لها علاقة بقمة مجموعة السبعة الصناعية، وإنما هي زيارة جاءت بدعوة فرنسية للاطلاع على مبادرة الرئيس الفرنسي، التي هي حصيلة اللقاء الذي جمع الرئيس روحاني بالرئيس ماكرون خلال فترة ماضية من هذا العام، والتقى خلالها ظريف بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ومستشار رئيس الوزراء البريطاني دومينيك كامينجز، باعتبار أنهم شركاء في الاتفاق النووي أيضًا.

رفض إيران للشروط الأمريكية المسبقة

يبدو أن إيران لا تستطيع رؤية نفسها في ظل ظروف طبيعية، والسبب في ذلك أنها لا تستطيع الجلوس على طاولة المفاوضات دون أوراق لعب، أي أنها لم تتعود الجلوس على كرسي الحلقة الأضعف في المفاوضات، فهي تدرك تمامًا أنه بمجرد جلوسها على طاولة المفاوضات، ستواجها الولايات المتحدة الأمريكية بقائمة مطالب تتكون من 12 بندًا، أعلنهم وزير الخارجية البريطاني مايك بومبيو العام الماضي، فضلاً عن أن كل وكلائها يعيشون تحت وطأة القصف الجوي الإسرائيلي من العراق إلى سوريا ثم لبنان، وهي مناطق كانت جزءًا من الصفقة النووية مع إدارة ترامب، فعلى ماذا ستتفاوض إيران في حالة قبولها للمبادرة الفرنسية.

فضلاً عما تقدم، تدرك إيران أيضًا أن أي تنازلات ستقدمها الولايات المتحدة الأمريكية لها، ستكون غير ذات أهمية، فما الفائدة التي ستجنيها إيران من التنازلات الأمريكية فيما لو حصلت، وهي التي تعيش اليوم أوضاعًا اقتصادية واجتماعية صعبة للغاية، ومن ثم تبدو الخيارات الإيرانية صعبة للغاية في ضوء هذه المعطيات العامة، فحتى حركة طالبان التي ترتبط بعلاقات جيدة مع إيران، تم سحبها اليوم تحت خانة الولايات المتحدة الأمريكية التي نجحت في الضغط على الحكومة الأفغانية بالجلوس معها في مفاوضات مباشرة، وجعلها أحد اطراف المعادلة السياسية في أفغانستان مستقبلاً، وذلك من أجل ترتيب انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان نهاية العام الحاليّ، مما قد يسقط إحدى أوراق التأثير التي تمتلكها إيران ضد الولايات المتحدة الأمريكية.