في ظل تطورات الوضع السوداني الراهن وتسارع حركته على الصعيد السياسي والاقتصادي والمجتمعي، إضافة لاتساع خريطة القوى الفاعلة وغياب أخرى عن ساحة المنافسة، تأتي الأسئلة تباعًا عن أحزاب وفصائل التيار الإسلامي في السودان وطبيعة وجودها تاريخيًا وحاضرًا وعلاقتها بنظام البشير، ومصيرها في عهد ما بعد البشير ودورها المحتمل في الفترة الانتقالية.

وللإجابة عن ما يدور في الأذهان من أسئلة ورغبة منا في "نون بوست"، بأن نستثمر إقامة الأكاديمي السوداني الدكتور محمد عبد الرحمن، أحد قيادات الإخوان المسلمين، في إسطنبول، أجرينا معه حوارًا عن رأيه بموقف التيار الإسلامي من الحراك الثوري السوداني، وهو من الوجوه البارزة في العمل الإنساني والأكاديمي على الصعيد الإفريقي خاصة والإسلامي عامة، فقد شارك بتأسيس وإدارة عدة جامعات خاصة في باكستان ونيجريا وتنزانيا وتركيا، وعمل مديرًا لهيئة الإغاثة الإسلامية في إسلام أباد، ونشط في العمل الخيري بالمنظمة الخيرية الإفريقية للتعليم والتنمية.

وفي حديثه لنا، رأى عبد الرحمن أن التيار الإسلامي كان في قلب الحراك الثوري "بشكل واضح" ودوره كان قويًا في الثورة ضد البشير، إلا أن ذاك الدور قد شُوّه وغُطّي عليه، وشدد أن السودانيين "لم يخرجوا ضد الإسلاميين ولا ضد هوية البلد، بل ضد حاكم مستبد ونظام فاسد وضدّ حزب استأثر بالسلطة"، كما اعتبر الأكاديمي السوداني أن مساعي اليساريين لحل الجيش والأجهزة الأمنية ستمثّل لو تمت انتهاكًا لخط أحمر وستسفر عن "انفجار كبير".

عبد الرحمن قال لـ"نون بوست": "التيار الإسلامي حاول تقديم النصيحة للبشير ونظامه على مدار الـ30 سنة إلا أنه ومع الأسف لم يكن لا البشير ولا حتى رجال حكومته من محبي الناصحين فلم يأخذوا كلامنا على محمل الجدّ حتى وصلت بيننا الأمور إلى تهديدهم بالخروج إلى الشارع والتظاهر".

نترككم مع الحوار:

بداية حدثنا عن مراحل تشكل التيار الإسلامي في السودان؟

حقيقة أن وجود الإسلاميين في السودان ليس جديدًا، فالسودانيون شعب مسلم ببيئته وثقافته، إلا أنه عام 1949 بدأت ملامح التيار الإسلامي بالظهور في شكل واضح نتيجة للتسييس المتبنى من الإنجليز ومحاولات إدخاله إلى صفوف المدارس، مما أثار حفيظة الطلاب فتشكلت النواة الأولى لهذا التيار حتى تم الاعتراف به رسميًا في مؤتمر العيد، وهو المؤتمر التأسيسي الفعلي للحركة الإسلامية السودانية عام 1954. 

أما مرحلة التوسع والانتشار السياسي فيمكننا القول إنها كانت بين 1955 و1959 أيّ ما بعد استقلال السودان، حتى أصبح للإخوان المسلمين مكان في هذا التيار بعد تخرج نخبة من الطلاب من الجامعات ومدارس الثانوية الشرعية. تلت هذه المرحلة فترة ركود بعد الانقلاب العسكري بقيادة إبراهيم عبود في 1958 إلا أن العمل الثقافي والتدريب المنهجي كان مستمرًا بشكل بطيء مرورًا بعدة انقلابات وصولًا إلى استلام البشير الحكم عام 1993. 

ما موقف هذا التيار من الحراك الثوري؟

موقفه من الحراك الثوري - برأيي - واضح تمامًا ومعروف، إلا أنه للأسف حصل تشويه وتغطية من وسائل الإعلام العربية والمحلية على دور الإسلاميين في الحراك الثوري، فلم يتم تسليط الضوء على جهودهم علمًا بأنهم من أوائل من خرجوا إلى ساحات الاعتصام بينما تم إعلاء راية الليبراليين واليساريين وغيرهم من باقي الكتل.

ماذا عن دورهم في العملية السياسية حتى الآن؟ هل خسروا مكاسبهم بسبب المفاوضات التي جرت بين المجلس العسكري وقوى الحراك؟ 

رغم أن حجم التيار الإسلامي في السودان كان كبيرًا منذ زمن طويل وحتى الآن ودوره في الحراك ضد البشير كان قويًا، فإن هناك قرارًا جمعيًا حاليًّا بعدم المشاركة في المرحلة الانتقالية. لا أقول إنهم خسروا، ولكن تجربة البشير - رضينا أم أبينا - حسبت على التيار الإسلامي السياسي ولم تكن في صالحهم أبدًا، وهي تجربة سيئة جدًا، فبالتالي أنا أتوقع من خلال معرفتي بالناس والقيادات هناك أنه لا يمكنهم أن ينتظروا معجزة من السماء ولا بد من أنهم سيتحركوا - بل بدأوا - بمخاطبة قواعد الشعب بسبب عدم قبولهم لنقاط الوثيقة الدستورية، وهو برأيي ما سيكون السبب في انفجار جديد وضخم في الشارع السوداني.

ما التحديات التي تواجه الإسلاميين الذين لعبوا دورًا رئيسيًا في وصول البشير إلى السلطة عبر انقلاب عام 1989؟

- لقد تم بالفعل إقصاء هذه الشخصيات من الساحة حاليًّا، إلا أنني أعتقد أنه سيكون لديهم دور مؤثر في المرحلة القادمة، وأنا أتصور أن هذا جزءًا من العمل الإستراتيجي الذي كان مخططًا له ضمن الاتفاق الذي يقوم على تنحية البشير ثم مرحلة انتقالية يعودون بها من خلال صناديق الاقتراع وهذا بسبب أنهم أصحاب خبرات وتجارب وأصحاب مال ونفوذ في السودان. 

هل يمكن  لليسارين النجاح في حال اتفق التيار الإسلامي كله على حزب واحد يمثلهم؟

في الحقيقة ليس هناك تجارب يمكن لليساريين والشيوعيين الاعتماد عليها في إدارة البلاد، فحتى المدة التي حكموا فيها كانت قصيرة جدًا حين جاءوا مع حكم النميري 1969 وانقلبوا عليه في 1971 نتيجة لمعارضته آرائهم في عدة مسائل ثم استلموا بعدها البلاد لـ3 أيام ارتكبوا خلالها 3 مجازر الأولى بحق المدنيين والثانية بحق قيادات كبيرة في الحكومة والثالثة حين قتلوا ضباط وعسكريين في بيت الضيافة. 

لذا حال حصول اتفاق بين التيارات الإسلامية الحركية كلها وخرجوهم بصيغة حزب واحد يمثلهم سياسيًا فلن يكون لليساريين حل آخر إلا أن يبحثوا لنفسهم عن بلد آخر غير السودان.

كيف يمكن أن تؤثر حالة النفور التي تتحدث عنها بعض وسائل الإعلام تجاه الأحزاب الإسلامية في البلاد على المستقبل السياسي للإسلاميين في مرحلة ما بعد الفترة الانتقالية؟ 

حقيقة هو ليس نفورًا، وأنا ضد وسائل الإعلام حين تستخدم هذا الوصف للشعب السوداني، السودانيون لم يخرجوا البتة لا ضد الإسلام ولا ضد الإسلاميين ولا ضد هوية البلد، هم خرجوا ضد حاكم مستبد ونظام فاسد وضد حزب استأثر بالسلطة.

الشعب السوداني مسلم وبيئته مسلمة، فكيف يمكن لهم الخروج ضد عقيدتهم، ودليل على هذا وجود المسلمين وأبناء المسلمين في الصفوف الأولى لكل المظاهرات والاعتصامات، حتى إن أكثر من نصف القتلى الذين وقعوا خلال عمليات إطلاق النار من الإسلاميين. 

ما رأيك بالحديث الذي يدور بين اليساريين بشأن ضرورة حل المؤسسات الداعمة للإسلاميين (قوات الدفاع الشعبي والاتحاد الوطني للشباب والحركة الإسلامية)؟

نعم.. قد ينجحوا في حل المؤسسات التابعة للمؤتمر الوطني إلا أن هذه ليست خطة اليساريين بتقديري، فهم يريدون حلّ جهاز الأمن والمخابرات وجهاز الشرطة بل حتى إعادة هيكلة الجيش وهذا كلام خطير جدًا، لكن بالنسبة لبقية التيار الإسلامي الضخم فلا يستطيعون الاقتراب منه أبدًا في أيّ حال من الأحوال، وهذه واحدة من الخطوط الحمراء التي إذا قاموا بدفع التيار الإسلامي إليها سيحصل انفجار كبير في البلاد.

ذكرت الغارديان البريطانية في تحليل لها مايو الماضي أن الإسلام السياسي ليس له مستقبل بعد سقوط البشير.. ما تعليقك على هذه الرؤية؟ 

من المتوقع سماع تحليل كهذا من جريدة غربية كالغارديان وغيرها، فبالنهاية هذا ما تريده الدول الغربية والكثير من الجهات الأخرى، ولكن لو كان لهذا الأمر أن يحدث وهو ليس مستبعدًا نظرًا لوجود اختلافات داخل التيار الإسلامي حاليًّا، إلا أن هذا التأثير سيقتصر على السياسي فقط ولا يمكن له أن يمتد إلى الجانب الثقافي والدعوي. 

أعتقد أن على التيارات الإسلامية الآن أن تعرّف من جديد مناهجها وبرامجها ورؤيتها للسودان وتوضحها للناس، وتبيّن أصالة أن التجربة السابقة لا تمثلهم وغير راضين عنها ولا تمثل حكم الإسلام السياسي، لا بد لهم من إيصال هذه الفكرة إلى الناس لأنهم في الحقيقة فشلوا فشلًا ذريعًا في الـ30 سنة الماضية، مما أدى إلى اكتساب فئة كبيرة من الناس فكرة خاطئة عن الحكم الإسلامي. 

هل ترى أنه من الممكن أن ينجح اليساريون في تنحية الإيديولوجيا جانبًا وتنزل كل الكتل تحت جناح قوى الحرية والتغيير؟ 

لقد طالب الإسلاميون بهذا بالفعل حين قام الدكتور محمد علي الجزولي، رئيس حزب الحرية ودولة القانون - وهو حزب جديد لكن تياره كان موجودًا سابقًا وله توابع كثر - بالموافقة على توقيع وثيقة قوى الحرية والتغيير، إلا أن اليساريين رفضوا هذه الخطوة لأنه تيار إسلامي ولأنهم يعرفون تمامًا أن وجود أيّ شخصية مؤثرة في قوى الحرية والتغيير ستكون لها الغلبة وسيخسرون وجودهم أمامها.

ما المحاذير التي على السودانيين اتباعها لتجنب تكرار سيناريو إجهاض الثورات؟

للأسف هناك عدة سيناريوهات متوقعة الآن في السودان من بينها استلام حاكم مستبد جديد إذا لم يع متعاطو السياسة في البلد الدروس واستمروا في اختلافاتهم الانقسامية هذه، فإذا لم يتغير الوضع الحاصل الآن من إبعاد وإقصاء فسينقلب العسكر مرة أخرى، بل، سيطالب الشعب بعودة حكم العسكر وهو ما يعني تكرر سيناريو انقلاب 1989 حين ضاق الشعب بكثرة الأحزاب وأراد حكمًا مستقرًا يخلصه من الاشتباكات الجارية في دارفور والوضع الاقتصادي السيء.

أخيرًا.. ما رأيك بحمدوك؟

حمدوك هو شخصية ذو خلفية يسارية وكان عضوًا في الحزب الشيوعي السوداني وليس عضوًا عاديًا بل في الصفوف الأولى للحزب، إلا أنه يزعم بأن لا علاقة له بالحزب الشيوعي الآن، ولكن أيّ أحد يعرف حمدوك عن قرب سيقول إنه يساري الفكر والهوى ويصعب تصديق غير هذا في الوقت الحاليّ، ولا يمكن توقع شيء منه إذ إنه احتفى بوثيقة دستورية معيبة ويسارية بامتياز كلها ألغام وإشكالات، وليس لها علاقة بمطالب الشعب السوداني بل تفتح الباب للتدخل الخارجي في البلاد.

كما أنني أخشى ألا ينجح أبدًا في المرحلة الانتقالية، يوجد لدينا الآن 3 سنوات فقط وخطوطها غير واضحة للأسف الشديد، وحتى أمس فقط كان هناك اشتباك بين مجلس السيادة وقوى الحرية والتغيير بسبب أنهم قدموا الأسماء المرشحة للوزارة مباشرة لحمدوك دون المرور بمجلس السيادة مما يوضح شكل التجاذبات ومن سيحكم من.

إلى هنا ينتهي حوارنا مع الدكتور محمد عبد الرحمن

وإلى ذلك، فواحدة من مخاضات الولادة السودانية الجديدة المتوقعة، فصراع سياسي محتدم بين الإسلاميين واليساريين، وما يقع بينهما من حركات ومنظمات وأحزاب، إذ يزايد كل طرف منهم على الآخر، على ثوريته وانتمائه وأجنداته، وتبقى الأيام المقبلة حبلى بدورها، بالأحداث والمشادات والتدخلات، أما العين والقلب، فعند الشعب السوداني الذي كسر بجدارة واقتدار أول طوب في بنيان دولة الاستبداد، وما زالت أمامه مهمة الحفاظ على مكتسباته ومواجهة الثورة المضادة، والعمل على بناء دولة الديمقراطية التي كافح من أجلها وبذل من أجلها ثلة من خيرة شبابه.