جوهر العملية الديمقراطية كما نشاهدها في البلدان التي أرست تجارب ثابتة وناجحة هو تحميل الراغب في القيادة والحكم مسؤوليته أمام الشعب حيث يصير النجاح مكسبا للشعب ويصير البقاء في الحكم جائزة للسياسي. بهذا المعني تجدد الشعوب لحكامها أو تقصيها على قاعدة المسؤولية. وينظم هذا عبر قوانين يجري على أساسها الانتخاب فيخرج من الصناديق حزب أو أحزاب مسؤولة تؤلف حكومات وتمضي في عملها تحت الرقابة الشعبية عبر البرلمان ومؤسسات المجتمع المدني.

في تونس نرى أن القانون الانتخابي يشتغل كعائق لتقدم التجربة الديمقراطية إذ يعمل النظام الانتخابي على منع استفراد أي حزب بأغلبية حكم ويؤدي دوما عبر قانون أكبر البقايا إلى برلمان مفتت لا جامع بين مكوناته سوى التعطيل المتبادل. ولذلك ورغم أننا نلاحظ تغيرات في المشهد السياسي قد تفتح على تغيير منظومة الحكم والمعارضة إلا أن ذلك ليس بفعل القانون الانتخابي بل بانكشاف العجز الطبيعي في منظومة الحكم والتي انهارت من داخلها.

حزب النهضة كان في سنة 2011 هو الحزب الأكثر تنظيما وكان متوقعا أنه سيفوز بأغلبية مريحة فتم استباق ذلك بترتيب قانون انتخابي مؤقت سنته اللجنة غير المنتخبة بل المعينة من قبل بن علي ونظامه قبل هروبه

قانون كتب ضد حزب

وضعت لجنة بن عاشور سنة 2011 نواة القانون الحالي ولم يتم تعديل النقطتين الإشكاليتين في القانون المذكور الصادر سنة 2014. (قانون عدد 16 لسنة 2014) .فتم ترسيخهما وهما نقطة التصويت النسبي: الفصل 107 منه الذي ينصّ على أنه"يجرى التصويت على القائمات في دورة واحدة، ويتمّ توزيع المقاعد في مستوى الدوائر على أساس التمثيل النسبي مع الأخذ بأكبر البقايا". ونقطة المناصفة بين الذكور والإناث في القائمات.

خلفية ذلك أن حزب النهضة كان في سنة 2011 هو الحزب الأكثر تنظيما وكان متوقعا أنه سيفوز بأغلبية مريحة فتم استباق ذلك بترتيب قانون انتخابي مؤقت سنته اللجنة غير المنتخبة بل المعينة من قبل بن علي ونظامه قبل هروبه. وإلى ذلك وانطلاقا من فكرة سائدة أن الإسلاميين لا يقدمون المرأة للحكم تم وضع شرط المناصفة على أمل أن يقع الحزب في مشاكل ترشيح.

ما حصل بعد ذلك أن الحزب رحب بالمناصفة ووجد من الكادر النسائي ما سمح له بالاستجابة للتعقيد القانوني كما أنه فاز بأغلبية مقاعد المجلس التأسيسي لكن دون أن يمتلك أغلبية ولو نسبية للحكم (109 نواب من 217)هو ما كان مطلوبا من القانون كما سيتبين أن مسألة المناصفة سببت مشاكل لمن اقترحها أكثر مما سببت للإسلاميين.

بعد إعادة اصدار النص (2014) لم يستطع حزب النهضة تعديله فبقيت الأمور على حالها وستجري انتخابات 2019 بنفس القانون بما يمنع أي حزب من أغلبية حكم تجعله يتحمل مسؤولية الحكم أمام الشعب. بل نستشعر أن جميع الأحزاب بما فيها النهضة تحرص على بقاء النص القانوني كما هو هروبا من مواجهة شجاعة للوضع الاقتصادي المتردي. حيث يصير البرلمان المشتت ذريعة وعذرا للعجز عن الحسم.

حتى في صورة استعانة حزب النهضة بوزراء مستقلين من خارجه قطعا للابتزاز ودحضا لتهمة التغوّل التي تنتظره فإنه سيظل الحزب المسؤول عن بقاء الحكومة وثباتها في مرحلة من الاضطراب

انتخابات 2019 ستعطي برلمانا مفككا

ستجري الانتخابات الرئاسية والتشريعية طبقا لأحكام القانون المذكور. ونميل إلى الاعتقاد أن سيخرج منها برلمان مشتت يحتل فيه المستقلون مكانا كبيرا بما يمنع أو يعسر (في أفضل الاحتمالات) تشكيل حكومة ذات أغلبية مريحة/ مستقرة. وتعطي رئيسا ضعيفا.

التوقعات المنشورة الآن لدى أغلب الجهات المهتمة هي فوز حزب النهضة بكتلة أكبر من بقية الكتل ولكنها أصغر من كتلتها السابقة (69) نائبا. فالحزب سيحاسب شعبيا على تحالفه مع حزب النداء. فلا أحد يقدر دور التوافق (نداء مع نهضة أو الباجي مع الغنوشي) في منع النداء من استعادة السلطة كاملة وهي المزية التي لا يحسن حزب النهضة تقديمها للناس.

إلى جانبه ستكون هناك مجموعات أو كتل صغيرة ونواب أفراد وصلوا بقائمات مستقلة لا وزن لها إلا ببناء تحالفات ولأن الحزب المؤهل (حسب التوقعات الحالية هو حزب النهضة) فأنه سيجد صعوبة بالغة في ضم هذه الكتل لتشكيل حكومة والتي بدأت تعلن عدم تعاونها معه قبل الانتخابات. وستقوم بما قام به حزب الوطني الحر (سليم الرياحي) وحزب آفاق (ياسين إبراهيم) بعد 2014 حيث دخلا كلاهما حكومة الحبيب الصيد برصيد نيابي ضعيف وبحصة من الحكومة لا تعادل حجمها في الشارع بل منحت حقائب لأحزاب بلا نواب (حزب المسار/ الشيوعي سابقا) وقد كان ذلك ممكنا بتنازل النهضة عن حصتها من الحكومة. فقد قبلت بوزير تقني وحيد وكاتبي دولة رغم حجمها البرلماني. ذلك الابتزاز سيعود بقوة فإذا رفض حزب النهضة وقد يرفض، ويبقى في المعارضة وهو احتمال ضعيف فإن الكتل الصغيرة لن تفلح في بناء حكومة متماسكة ودائمة. بما يؤدي إلى حل وحيد إعادة الانتخابات ولكن مادام القانون الانتخابي لم يعدّل الفصل السابع المذكور فإن النتيجة ستظل على حالها.

وحتى في صورة استعانة حزب النهضة بوزراء مستقلين من خارجه قطعا للابتزاز ودحضا لتهمة التغوّل التي تنتظره فإنه سيظل الحزب المسؤول عن بقاء الحكومة وثباتها في مرحلة من الاضطراب الطويل لن يفضي إلا إلى سقوطها.

الرعب الذي نقرأه على وجوه إعلام المنظومة الآن يعطي مصداقية لاستطلاعات رأي تتسرب ولا تنشر عن تقدم الدكتور المرزوقي وارتفاع أسهمه لدى الشارع

الرئيس سيكون ضعيفا

المرشح الوحيد الذي يمكن أن تكون وراءه كتلة برلمانية هو عبد الفتاح مورو (النهضة) ولكن سيكون أمامه أن يواجه مع حزبه ونوابه نفس السياسية الابتزازية في مجال الخارجية والدفاع.(يقوم وزير الخارجية الحالي بتلغيم الدبلوماسية بأبناء المنظومة بحيث سيجد الرئيس نفسه في ورطة تجديد الكادر الدبلوماسي فيعمل بيد مغلولة).

بقية المتقدمين سيكونون أضعف لأن ليس لهم سند برلماني ولا سند حزبي قوي في الشارع. إلا سند معاداة حزب النهضة وهو سند له ثمن أيضا حيث سنشاهد عمليات الرشوة السياسية بالحقائب الدبلوماسية خاصة.

الرعب الذي نقرأه على وجوه إعلام المنظومة الآن يعطي مصداقية لاستطلاعات رأي تتسرب ولا تنشر عن تقدم الدكتور المرزوقي وارتفاع أسهمه لدى الشارع ولكن الدكتور نفسه يتقدم عمليا بلا حزب ولن يكون له السند البرلماني الذي يثبته بما يضطره إلى تنازلات من أجل الاستقرار فهو رجل بلا فريق حكم وقد كانت تلك دوما نقطة ضعفه الفادحة. ويمكن أن نكتب نفس الشيء عن محمد عبو المتراجع في الاستطلاعات بعد موجة حماس أولى.

عودة الرئاسة إلى أحد مكونات المنظومة مرهون بتحالفها الآن (عبر التصويت المفيد) ولكن حتى اللحظة لا نلتقط أي إشارة للتنازل بين مكوناتها.(الشاهد/ الزبيدي/ جمعة/ عبير/ وبقية الصغار). قد يكون ذلك في لحظة أخيرة قبل التصويت في الدور الأول ثم تحالف معلن في الدور الثاني. يسنده تحالف في التشريعية ولكن بأس مكونات المنظومة بينها شديد. فحتى الجبهة الإعلامية التي كانت متماسكة مع الباجي ضد المرزوقي في 2014 نراها مفككة ولكل مرشح قناته التي تنافح عنه.

لا نرى العائق في الدستور بل في القانون الانتخابي وما لم يتجه الحديث السياسي إلى تغييره فإن مرحلة الاضطراب ستطول وستفضي إلى وضع شبيه بالحالة الايطالية

مرحلة الاضطراب القادمة ستنتهي بتعديل القانون والنظام السياسي

نستشعر مرحلة الاضطراب القادمة. ونعتبرها ثمنا لوعي بفشل القانون الانتخابي في تنظيم الحكم (وقد كان يمكن تلافي ذلك بشجاعة). يتطلب الأمر شجاعة سياسية كبيرة لنقد القانون ونتائجه. لقد كانت المطالبات بتعديل الدستور تتركز على استعادة النظام الرئاسي (بتوسيع صلاحيات الرئيس) عوض النظام الحالي الذي يقسم السلطة التنفيذية بين سلطتين. لكن وصول شخص مثل مورو أو المرزوقي مرة ثانية سيسقط هذه المطالبات لأنها كانت دوما تصدر عن المنظومة القديمة. بهدف تجاوز سلطة البرلمان والحكومة التي لم تفز فيها بأغلبية مطلقة.

لا نرى العائق في الدستور بل في القانون الانتخابي وما لم يتجه الحديث السياسي إلى تغييره فإن مرحلة الاضطراب ستطول وستفضي إلى وضع شبيه بالحالة الايطالية حيث تسقط الحكومات كل يوم (مع فارق جوهري أن الدولة الإيطالية راسخة رغم اضطراب الحكومات).

في مرحلة الفوضى يستشري الاضطراب الأمني وتفلت الأمور من المؤسسات إلى المافيا المتربصة والوقحة التي دخلت الاستحقاق الرئاسي والبرلماني معولة على أكبر البقايا. فضلا على أن هذا القانون يبقى لدى صغار الأحزاب والجماعات الأمل الدائم في الفوز بشيء ما دون الحاجة إلى التكتل وبناء الأحزاب الكبيرة والمسؤولة.

لقد وضع لغم القانون الانتخابي لمواجهة حزب النهضة واستمرأ كثيرون اعتماده لنفس الغاية ولكننا نراه ينفجر في وجه الدولة وسيكون لانفجاره أثر عليها لزمن طويل.