تخبطات كبيرة، وأزمات معقدة يعاني منها الاقتصاد الجزائري، الذي يتحمل الجزء الأكبر حتى الآن من فاتورة الاضطرابات السياسية المستمرة منذ 6 أشهر، ولا يمكن لحملات "التوعية" التي تمارسها السلطة الآن - لتوضيح تحديات المرحلة، والخطر الذي تعيشه الجزائر، وحالة الغموض التي تكتنف مستقبل البلاد الاقتصادي، في ظل عدم امتلاك الحكومة الصلاحيات اللازمة لاتخاذ قرارات استراتيجية لزيادة القدرات الإنتاجية، التي انخفضت فعليا بنسبة 50% - المواجهة، فالشباب الذي ينشد الحرية، لن يفرق معه هذه الأرقام والاستغاثاث، مالم يكن هناك استجابة حقيقية للمطالب الشعبية في الكرامة والعدالة.

الوضع الآن.. ماذا يحدث؟

المتظاهرون في الشوارع يطالبون الرئيس المؤقت عبدالقادر بن صالح بالاستقالة، بالنسبة لهم هو أحد رموز النظام القديم، ولا يشفع له مطالبته بانتخابات رئاسية بأسرع ما يمكن، لمواجهة البيروقراطية المتفشية، وانخفاض احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي إلى 72.6 مليار دولار، بعد أن كانت تقف عند حدود 178 مليار دولار في 2014، وكذلك انخفاض إيرادات قطاع الطاقة بنسبة 6.3 % في النصف الأول من هذا العام، بعد قرار الاعتماد على استهلاك الطاقة محليا، ما فجر تناقص مرعب بالصادرات.

ومنذ ستة أشهر، والاحتجاجات السلمية المليونية لاتتوقف كل يوم جمعة للمطالبة برحيل فلول بوتفليقة وإصلاح المنظومة السياسية، دون إحراز تقدم ملموس، بسبب رفض الجيش، وهو معقل النفوذ الحقيقي في البلاد حتى الآن، هذه الرؤية، ويُصر على إجراء الانتخابات، وهي إجراءات لاتطمئن المحتجين، ويبدو أنهم لايثقون في نواياه نحو تغيير بنية منظومة السلطة المعقدة، رغم عجز المحتجين الواضح عن تعيين ممثّلين عنهم، أو وسطاء يستطيعون التحدث باسمهم، وإعداد مطالب قابلة للتنفيذ، كما كان الحال في السودان، عبر تجمع المهنيين، الذي قاد مفاوضات مارثونية، واستطاع الوصول بالثورة إلى بر الأمان، رغم كل الدسائس، ومحاولات الانقلاب عليها.

ما تعيشه الجزائر الآن، على المستوى السياسي بسبب تشرذم النخبة، وعدم إيجاد آلية واضحة للتوحيد بينهم على برنامج وطني، يرسم شكل المستقبل المطلوب، عاشته مصر من قبل، وكذلك كل بلدان الربيع العربي، التي خسرت ثوراتها، بسبب شيوع حالة خطرة من الانسداد السياسي، وهو ما تحاول الجموع الجزائرية تفاديه على استحياء ولكن دون خطة يقودها أشخاص متفق عليهم، مايهدد مستقبل البلاد، إذا ما دخلت في صراعات سياسية أو أيدلوجية.

ومع إلغاء الانتخابات الرئاسية مرتين في غضون أربعة أشهر، وهو تعطيل يلقي بتبعات خطيرة على الأزمة الاقتصادية، التي تزيد من تعقيد وضع معقّد أساساً، ولاسيما أن بنية الاقتصاد الجزائري، تستند على «الريع» وتعتمد على تصدير المواد الهيدروكربونية ــ النفط والغاز الطبيعي ــ وهو وضع مزعج، خصص له صندوق النقد الدولي، أحد تقاريره في يونيو من عام 2018، وأكد أن الوضع الاقتصادي في الجزائر يشهد تدهوراً حتمياً، بسبب تفشي البطالة، والتراجع السريع في احتياطي العملات الأجنبية.

يبلغ متوسط قيمة الواردات السنوية، حوالي 50 مليار دولار، وهي مبالغ لم تحمي العجز التجاري من الارتفاع إلى 12% في النصف الأول من العام الحالي

النفط.. عنوان السلبية أحيانا

النفط لايصلح كل شيء، بل قد يكون الاتجاه للكمون والانتحار، يمكن رصد ذلك من حالة الرفاهية الكبرى، التي عاشتها الجزائر ما بين 2003 و2013، بسبب ارتفاع أسعار النفط، ما وضح لها احتياطا نقديا كبيرا من العملات الأجنبية، احتلت به المرتبة الثامنة عالميا في هذا المجال، وتزايد الاحتياطي إلى 193.6 مليار دولار في عام 2014، ولكن صفعة كبرى، ألمت بالاقتصاد مرة أخرى، بعد تدهور أسعار النفط منتصف ذلك العام، ولم يعد أمام الحكومة سوى بضع خيارات عقيمة.

استخدمت الاحتياطي لتنفيذ مشاريع عامة، وتقديم إعانات مالية سخية، لإرضاء الشارع الثائر، لينخفض الاحتياطي إلى 79.9 مليار دولار في أواخر ديسمبر 2018، مقارنةً مع 97.3 مليار دولار في أواخر عام 2017، وأصبح يسجل انخفاضا سنويا بواقع 17.4 مليار دولار، حتى تراجع إلى 72.6 مليار دولار بحلول أواخر إبريل الماضي، وتشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى أنه قد ينخفض إلى 64 مليار دولار في أواخر العام 2019، ليصل في نهاية المطاف إلى 47.8 مليار دولار بحلول أواخر 2020.

ويبلغ متوسط قيمة الواردات السنوية، حوالي 50 مليار دولار، وهي مبالغ لم تحمي العجز التجاري من الارتفاع إلى 12% في النصف الأول من العام الحالي، ما سيجعل ملايين الوظائف عرضة للخطر، إذا ما استمر تباطؤ النشاط الاقتصادي على هذا النحو، في الوقت الذي تكشف فيه البيانات الحكومية، أن ربع الشباب دون 30 عامًا يعانون من البطالة، ولا ينعش هذه الأرقام تحقيقات الفساد مع أباطرة الأعمال، المعتقلين بتهم الإثراء غير المشروع، طالما أحجمت الحكومة المؤقتة عن إجراء إصلاحات هيكلية كبيرة، كان المفترض البدء فيها مع نهاية حكم بوتفليقة، لسن سياسة جديدة تقلل من الاعتماد على الدعم الحكومي، وفتح الاقتصاد أمام الاستثمار، وخلق المزيد من الوظائف خارج المؤسسات العامة المترهلة.

على غرار جميع البلدان الخاضعة للمتلازمة الهولندية، لا تستطيع الجزائر تشغيل رافعات النمو الأخرى، وتشهد المؤسسات العامة كالنفط والنقل والاتصالات السلكية واللاسلكية التي تولد نصف الثروة الصناعية للبلاد انخفاضا هيكليا في مستوى إنتاجها

وتخاف المؤسسات الاقتصادية المعنية، من إجراء أي صفقة أجنبية، تسعف الوضع غير المطمئن للاقتصاد، قبل وصول رئيس دائم للبلاد، في ظل تصدر السياسة وليس الاقتصاد، اهتمامات الشارع، وتأجيل إجراء انتخابات لاختيار خليفة لبوتفليقة إلى أجل غير مسمى، رغم الحوار بين أحزاب المعارضة والحكومة، وقائد الجيش الفريق أحمد قايد صالح، وليس بوسع أحد حتى الآن، تصور تأثير ذلك على تضخم أزمة الاقتصاد، فهو ظاهريا خرج سالمًا من اضطرابات الأشهر الماضية، ولكنه مصاب حرفيا بالشلل على أرض الواقع، إذ تتعرض كبرى الشركات في جميع الصناعات لهزة كبرى، بسبب تجمد حساباتها المصرفية، على خلفية تحقيقات الفساد مع بعض المحسوبين عليها، ممن كانوا يحيطون ببوتفليقة.

معهد الدراسات الفرنسية «غزيرفي» كان قد أجرى دراسة قبل رحيل بوتفليقة، أكد فيها ان اقتصاد الجزائر يحتضر، إلى درجة أن السؤال لم يعد هل سيموت، بل متى سيموت؟ استند المعهد في دراسته على ما أسماه إصابة الاقتصاد الجزائري بالمتلازمة الهولندية، وهي مرض اقتصادي يصيب معظم البلدان المنتجة للنفط، مثل فنزويلا التي لديها 12.2 مليار برميل من النفط القابل للاستغلال، ومثل الجزائر التي تعد من بين أكبر عشرين مصدرا عالميا للذهب الأسود، ويركز اقتصادها بشكل حصري تقريبا على استغلال احتياطيات النفط والغاز.

يمكن القول أن الاقتصاد الجزائري، ليس له وزن في المنافسة الدولية، بسبب الفجوة الهائلة بين مخرجات الصناعة الجزائرية، ونظيرتها الأوروبية أو الأميركية أو الصينية

وعلى غرار جميع البلدان الخاضعة للمتلازمة الهولندية، لا تستطيع الجزائر تشغيل رافعات النمو الأخرى، وتشهد المؤسسات العامة كالنفط والنقل والاتصالات السلكية واللاسلكية التي تولد نصف الثروة الصناعية للبلاد انخفاضا هيكليا في مستوى إنتاجها، بحسب بيانات دارسة «غزيرفي» عن مستوى الإنتاج الصناعي، والتي أكدت أنه تراجع بشدة، لدرجة أنه لم يعد يتعدى نصف إنتاج نفس المؤسسات عام 1989 بسبب التباطؤ في النشاط الاقتصادي، وقلة استخدام الطاقة الإنتاجية، لذا فالتخلُف الصناعي في القطاع العام، لا يمكن تعويضه بالقطاع الخاص، الذي يتكون بنسبة 80% من مشاريع صغيرة، وهي بالأساس مشاريع عائلية.

على المستوى الدولي، وانطلاقا من هذه الأرقام، يمكن القول إن الاقتصاد الجزائري، ليس له وزن في المنافسة الدولية، بسبب الفجوة الهائلة بين مخرجات الصناعة الجزائرية، ونظيرتها الأوروبية أو الأميركية أو الصينية، وهو النقص الذي قرر البنك المركزي الجزائري التعامل معه، بدعم الاقتصاد بمليارات الدنانير، وضخت المؤسسة المصرفية في الاقتصاد بالفعل وفقا لأرقام 2017، أكثر من أربعة آلاف مليار دينار، حوالي «34 مليار دولار» بهدف تعزيز النمو وتحفيز الاستثمار من قبل الأسر والشركات، ولكن هذه السياسة خطرة للغاية، إذ توفر السيولة لاقتصاد منكمش تضخم مفرط، عواقب كارثية في المستقبل القريب، وخاصة إذا ما بقيت هذه الأرقام على هذا النحو، واستمر الوضع بنفس الجمود حتى عام 2021، وظلت الجزائر تعتمد على الواردات بشكل أساسي، في وقت يتناقص احتياطها النقدي بشكل مرعب!