كم اتفاقًا وُقِّع لوقف القتال وحقن الدماء في شمال سوريا؟ وكم طائرة تابعة للنظام السوري أو حلفائه الروس صالت وجالت في سماء إدلب ومحيطها؟ مرة تلو الأخرى، تظهر هدنة جديدة في إدلب شمالي غرب سوريا، خصوصيتها الرئيسية أن من سنَّها هو الجانب الروسي بدلًا من النظام السوري أو المعارضة، والأهم بالتأكيد فرص صمود هذه الهدنة علمًا بأنها ليست الأولى ولا الثانية، وذلك ما يشغل ملايين المدنيين في الشمال السوري، أغلبهم بحسب الأمم المتحدة تجرعوا مرارة النزوح 5 مرات، فهل يكون مصير الهدنة الجديدة مثل سابقتها التي دهستها الآلة الحربية فتتجدد الاجتماعات والمفاوضات من أجل اتفاق جديد؟ وأي ضمانات بألا تتكرر الانتهاكات؟

هدنة الطرف الواحد بضمانة روسية 

هدنة ثانية في إدلب خلال أقل من شهر، تتزامن مع دخول العملية العسكرية الواسعة التي تقوم بها قوات النظام السوري مدعومة بالمليشيات والطيران الحربي الروسي، شهرها الخامس أول أمس الجمعة، وسيطرتها على بلدة التمانعة شرق خان شيخون، ما قد يمهد الطريق لقوات النظام من أجل الوصول إلى معرة النعمان. 

من طرف واحد، أعلنت روسيا هدنة لوقف إطلاق النار وإيقاف العمليات العسكرية التي تشنها قوات النظام في آخر معاقل المعارضة شمالي غرب سوريا، ابتداءً من الساعة السادسة من صباح يوم أمس السبت بالتوقيت المحلي، وذلك "بهدف تحقيق الاستقرار"، بحسب ما أعلنته وزارة الدفاع الروسية.

دأب النظام والجانب الروسي على إعلان وقف إطلاق النار، لكن سرعان ما يتكشف أن السبب الحقيقي هو حشد مزيد من القوات لاستئناف القتال

في أجواء هادئة مشوبة بالترقب، حجبت روسيا والنظام السوري مقاتلاتهما عن سماء إدلب، لتدخل الهدنة الجديدة حيز التنفيذ، هدنة مشروطة وبلا ضمانات، حيث دعا ما يُسمى "مركز المصالحة الروسي في سوريا" الفصائل المسلحة إلى الالتزام بوقف إطلاق النار، لكن بدا أن أي تنسيق لم يحصل مع فصائل المعارضة من أجل وقف إطلاق النار، إذ أعلنت الجبهة الوطنية للتحرير، أكبر تجمّع لفصائل المعارضة في محافظة إدلب ومحيطها، يوم الجمعة الماضي أنه "لا علم للجبهة باتفاق وقف إطلاق النار الذي تعتزم روسيا والنظام تطبيقه"، مؤكدة استمرارها بـ"وضع الخطط الدفاعية".

من جهته، سارع النظام السوري إلى الموافقة على وقف إطلاق النار في منطقة إدلب، معلنًا وقف هجماته وقصفه الجوي على إدلب، لكن مع احتفاظه بحق الرد كما يقول على أي خرق ممن وصفهم بـ"الإرهابيين" وفق ما نقلت وكالة الأنباء السورية "سانا"، وهو الأمر الذي كان مرجحًا، نظرًا لأنه المستفيد الأكبر من الهدنة التي ستثبت مكاسبه على الأرض، التي جاءت على حساب المعارضة في المنطقة. 

بسطت قوات النظام سيطرتها على العديد من البلدات والقرى في حماة وإدلب بدعم جوي روسي

يأتي هذا التطور بعد تصعيد شهدته إدلب وحماة في الأيام الأخيرة، حيث بسطت قوات النظام السوري سيطرتها على العديد من البلدات والقرى، في إطار عملياتها التي بدأت منذ 25 من أبريل/نيسان الماضي بدعم من القوات الجوية الروسية. 

اللافت أن إعلان وقف إطلاق النار يأتي في أعقاب مبادرة من عدة دول بينها ألمانيا، وبدأت مناقشات بين أعضاء مجلس الأمن الدولي لمشروع قرار بشأن وقف إطلاق النار في إدلب، آخر معاقل المعارضة المسلحة، حيث تأوي أكثر من 3 ملايين مدني، نصفهم نازحون من عموم سوريا، ومن بينهم عشرات الآلاف من مقاتلي المعارضة ومن رفضوا إبرام اتفاقات تسوية مع نظام الأسد، وهي أيضًا إحدى مناطق خفض التصعيد التي شملتها اتفاقات تضمنها روسيا وتركيا وإيران. 

الصحفي السوري إبراهيم العلبي رأى أن إعلان الهدنة من جانب واحد قد يمثل خضوعًا روسيًا لضغوطات من واشنطن.

هل تنهار الهدنة كسابقاتها؟ 

وهذه هي المرة الثانية التي تذهب فيها موسكو إلى وقف للقتال في خلال أغسطس/آب، إذ سبق أن حدث ذلك في بداية الشهر، لكن تلك الهدنة لم تصمد إلا 3 أيام فقط، لتبدأ بعدها قوات النظام بغطاء جوي روسي هجومًا بريًا وجويًا أكثر شراسة، مكَّنها من السيطرة على مدينة خان شيخون الإستراتيجية وبلدات في ريف حماة الشمالي.  

لهذا السبب، لا المعارضة ولا المدنيين لديهم ثقة بالتزام النظام السوري وحليفه الروسي بالهدنة، ويقولون إنها "مجرد أكذوبة"، فقد عهدوا هُدنًا كثيرة كانوا وحدهم ضحاياها، على مدى سنوات الأزمة السورية، دأب النظام والجانب الروسي على إعلان وقف إطلاق النار، لكن سرعان ما يتكشف أن السبب الحقيقي هو حشد مزيد من القوات لاستئناف القتال. 

قياسًا على أحداث التاريخ القريب، يبدو من المتوقع أن يستغل النظام الهدنة من أجل تثبيت مواقعه في المناطق التي سيطر عليها وتشييد تحصينات وخطوط دفاع

لم يكد يسري وقف إطلاق النار في موعده الذي حددته موسكو، حتى قصفت مقاتلات النظام السوري مناطق سكنية في مدينتي كفرنبل وجرجناز، وبلدات حاس والدير الشرقي والدير الغربي وكفرسجنة، بأسلحة راجمات الصواريخ وقذائف الهاون، وتزامنت هذه الضربات مع سريان وقف إطلاق النار.

وبعد هدنة استغرقت 13 ساعة فقط، استأنف جيش النظام السوري العمليات العسكرية في إدلب، حيث قتل مدني في قصف صاروخي نفذته قوات النظام.

وعلى صعيد متصل، فيما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بمقتل 51 قياديًا لبعض الحركات الجهادية في إدلب في استهداف اجتماع لهم شمال المدينة، نتيجة ضربات جوية للتحالف الدولي بقيادة الولايات المحدة.  

مصادر صحفية كانت أفادت بأن الاجتماع الذي تعرض للاستهداف ضم قيادات في صفوف فصيلي حراس الدين وأنصار التوحيد ومجموعات متحالفة معهما، جُلها تابع لتنظيم القاعدة، كانوا داخل معسكر تدريب تابع لهم قرب مدينة إدلب، فيما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية التابعة لوزارة الدفاع أن القوات الأمريكية وجهت ضربة لمنشأة تابعة لتنظيم القاعدة، الذي تحمله واشنطن مسؤولية شن "هجمات تهدد مواطنين أمريكيين وشركاءها ومدنيين أبرياء، لكن دون تحديد نوع الأسلحة التي اُستخدمت في الهجوم. 

مناورة روسية جديدة 

في ضوء هذه الخروقات، من السوريين من يقيس على سنوات الدمار على سوريا بالقول إن هدنة إدلب ما هي إلا "استراحة محارب لموسكو ونظام الأسد بهدف الاستعداد لمرحلة قادمة من الهجوم"، فبعد سيطرته على خان شيخون، تتجه عين النظام الآن إلى معرة النعمان، وتسود توقعات بأن يسعى النظام لانتزاعها قبل قمة أنقرة الثلاثية بين قادة روسيا وتركيا وإيران في 16 من سبتمبر/أيلول. 

وقياسًا على أحداث التاريخ القريب، يبدو من المتوقع أن يستغل النظام الهدنة من أجل تثبيت مواقعه في المناطق التي سيطر عليها وتشييد تحصينات وخطوط دفاع، قبل الزج بقوات جديدة من أجل التوغل شمالاً في عمق مدن محافظة إدلب التي يمر منها طريق حلب - حماة المفضي إلى حمص ومن ثم العاصمة دمشق.

وإذ ترحب روسيا بالهدنة في إدلب ومحيطها، وتدعو للانضمام إلى عملية التسوية السلمية في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، لا يمكن التعويل على تفاصيل الإعلان الروسي المزمع بناءً على الوعود السابقة التي لم تفِ بها في الكثير من المناطق، وهو ما دعا مسؤول غربي إلى تأكيد ضرورة وضع روسيا "في الزاوية" لوقف الممارسات ضد المدنيين. 

لا يبدو أن وقف إطلاق النار أكثر من مراوغة روسية أخرى، خاصة أن هذا الوقف كان من ضمن بنود أستانة الأخير، إلا أن النوايا الروسية ما زالت ترسم خططها العسكرية لتحقيق مكاسب سياسية على حساب المدنيين، فقد سبق أن عادت موسكو للتلويح بالهجوم العسكري على إدلب، وهو ما حدث، فمنذ 26 من أبريل/نيسان الماضي، تعرضت محافظة إدلب ومحيطها شمالي غرب سوريا لقصف روسي سوري شبه يومي.

يذهب كثيرون إلى أن الهدنة فرصة جديدة تمنحها روسيا لتركيا من أجل تنفيذ أحد أهم بنود اتفاق سوتشي على الأرض بفصل الجماعات التي تُوصف بـ"الإرهابية" عن المدنيين وفصائل المعارضة الموالية لتركيا

بالنظر إلى هذه المعطيات، فإن قرار التصعيد والتهدئة في إدلب مرهون بالمسار السياسي، وعلى وجه التحديد بمآلات مسار أستانة، فالعملية العسكرية الأخيرة أعقبت فشل آخر جولات محادثات أستانة بشأن اللجنة الدستورية، ويدعو ذلك إلى عدم ثقة المدنيين بتصريحات موسكو، وهي التي منعت تبني قرارات دولية عن سوريا، واستخدمت حق الفيتو عدة مرات. 

خلال الأعوام السابقة، أتبع النظام السوري ومن خلفه روسيا جولات المحادثات السياسية جولات من التصعيد العسكري على مبدأ تغيير الحقائق الميدانية بالقتل والقصف وأقصى درجات الضغط، في محاولة لجر المعارضة إلى تنازلات إضافية، خصوصًا أن المعارضة تذهب لتفاوض النظام وهي لا تملك إلا ورقة الصمود في إدلب ومحيطها.

صحيح أن الوضع في إدلب ومحيطها ربما يختلف عنه في غيرها من مناطق خفض التصعيد الأخرى، حيث تصطدم مخططات موسكو ونظام الأسد بالمخططات التركية بشمال سوريا، لكن ما هو واقع أن أنقرة قادرة على كبح عمل عسكري ضد إدلب لبعض الوقت حتى الآن، لكن هل بإمكانها فعل ذلك لكل الوقت؟ 

موقع إدلب على خريطة الربح والخسارة

يذهب كثيرون إلى أن الهدنة فرصة جديدة تمنحها روسيا لتركيا من أجل تنفيذ أحد أهم بنود اتفاق سوتشي على الأرض بفصل الجماعات التي تُوصف بـ"الإرهابية" عن المدنيين وفصائل المعارضة الموالية لتركيا واستكمال المنطقة منزوعة السلاح كحد فاصل بين مناطق النظام والمعارضة في إدلب. 

إلى أبعد من ذلك، ذهبت وسائل إعلام تابعة للنظام السوري للحديث عن قرب حل "هيئة تحرير الشام" (جبهة النصرة سابقًا) وحكومة الإنقاذ والمجالس المحلية التابعة لها في إدلب خلال أيام بناء على تفاهمات بين روسيا وتركيا، ونقلت صحيفة "الوطن" التابعة للنظام عمَّا أسمتها مصادر معارضة في إدلب، قولها إن المفاوضات تجري بين "تحرير الشام" و"فصائل الجبهة الوطنية للتحرير" بهدف حل الأولى وتسليم الإدارات لحكومة جديدة تشكل من فصائل "الجبهة الوطنية للتحرير".

عند معبر باب الهوى الحدودي مع سوريا، قرأ الأتراك ترجمة حقيقة لمخاوفهم من الهجوم العسكري على إدلب، حيث آلاف السوريين النازحين من إدلب والفارين من سعير القصف الروسي يحاولون عبور الحدود التركية

على الجانب التركي كان الوضع أكثر تصعيدًا، إذ توعد الرئيس التركي، في كلمة ألقاها اليوم خلال مراسم تخرج بجامعة الدفاع الوطني في إسطنبول، ببدء بلاده عملية عسكرية لإقامة المنطقة الآمنة في سوريا إذا فشلت المحادثات مع الولايات المتحدة في منح القوات التركية السيطرة على المنطقة خلال بضعة أسابيع. 

لم يحدد أردوغان ما سيترتب على خطة العمليات، لكنه حذر سابقًا من أن تركيا ستشن هجومًا بنفسها عبر الحدود إذا لزم الأمر لإبعاد وحدات حماية الشعب الكردية عن حدودها، التي تعتبرها أنقرة "منظمة إرهابية"، بينما تعتبرها واشنطن قوات حليفة في قتال تنظيم "داعش". 

ولا تُخفي تركيا عدم رضاها عن الهجوم العسكري على إدلب، ويقول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن التطورات هناك ليست على النحو الذي ترغب فيه أنقرة، حيث تتعرض نقاط المراقبة التركية التاسعة والعاشرة في إدلب بما وصفها بـ"التحرشات". 

مظاهرات على الحدود السورية - التركية لوقف المجازر في إدلب

لكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كشف خلال لقائه الرئيس التركي قبل أيام أن ما يحدث في إدلب والقضاء على ما سماها "البؤر الإرهابية"، يجري وفق تفاهمات مع نظيره التركي، في المقابل رد أردوغان بأن "محاربة الإرهاب يجب ألا تكون ذريعة لقتل المدنيين". 

عند معبر باب الهوى الحدودي مع سوريا، قرأ الأتراك ترجمة حقيقة لمخاوفهم من الهجوم العسكري على إدلب، حيث آلاف السوريين النازحين من إدلب والفارين من سعير القصف الروسي يحاولون عبور الحدود التركية، ويريدون من أنقرة بصفتها أحد الضامنين لمناطق خفض التصعيد أن تتدخل لوقف الهجوم على المحافظة.

وبما أنه من غير المتوقع أن تكون هدنة إدلب طويلة الأمد في ظل الخلاف التركي الروسي بشأن الوضع في شمال غرب سوريا، فإن تركيا قد تواجه تحديات كبيرة، وهنا، يتعين عليها مواجهة موجة جديدة من اللاجئين، في وقت تقول فيه صراحةً إنه لم يعد بمقدورها تحمل عبء لاجئين جدد.