حتى الآن تمضي الثورة السودانية بعزم السودانيين وإصرار الشباب على إكمال وضع أساس البذرة الديمقراطية للنهاية، نفس الروح التي هزت نظام البشير قبل سقوطه، من شباب وشابات في مقتبل العمر، وتحطم على صخرة إرداتهم أركان نظامه العتيق وحققوا بنضالهم كل ما كان غير مباح سياسيًا ودستوريًا ولم يكن يُتوقع ولا حتى في الخيال، والآن أصبح عليهم إكمال المسيرة بنفس الروح والإصرار والطموح، لبناء السودان الحلم الذي يتسع لمستقبل الجميع.

تقديرات أممية.. المستقبل للشباب  

حسب تقديرات الأمم المتحدة، السودان من الدول الشابة بنسبة تبلغ نحو 55.6% من مجموع السكان البالغ نحو 40 مليون نسمة، وهي تقديرات يتفق عليها الجهاز المركزي للإحصاء في السودان، وهؤلاء أغلبهم ولدوا في ظل حكم البشير وكبروا مع بداية مشروعه السياسي وعاصروا حرب الجنوب طوال العشرية الأولى للحكم والحروب اللاحقة في دارفور وغيرها.

رغم تراجع الحياة في السودان على جميع المستويات، فإن التعليم كان متميزًا وحظى بنوع من اهتمام نظام البشير، ويظهر ذلك في النقلة النوعية بعدد الجامعات والكليات المتخصصة التي بلغ عددها نحو 88 خلال سنوات الإنقاذ، وتخرج من هذه المنظومة آلاف الشباب في تخصصات متنوعة، صحيح أن سوق العمل الذي سيطرت عليه الحكومة، سواء على مستوى القطاع العام أم الخاص، كان غير قادر على استيعابهم، بجانب تضررهم من الفساد الذي احتجز خيرات البلاد لمجموعات سياسية مقربة من النظام، إلا أنه أخرج للثورة قواعد بشرية هي من الأفضل في المنطقة حتى الآن، وبسببهم نجح الربيع السوداني ودخل بنسبة كبيرة إلى حيز الأمان الثوري والسياسي.

عايش الشباب المنظومة سيئة الذكر المعروفة باسم المجالس السيادية الخمس، لصحابها علي عثمان محمد طه، الرجل الثاني في تنظيم الجبهة الإسلامية القومية ونائب البشير حتى عام 2013، الذي وضع خطة محكمة، جعلت الرئيس المعزول يحتكر جميع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وفق ما سمي بسياسة التمكين السياسي والاقتصادي التي مكنت الفساد والمفسدين ووضعت بذور الحروب الأهلية في المناطق الطرفية التي شعر أهلها بالظلم، فاضطروا لحمل السلاح لرد الظلم عنهم.

وبفضل هذه السياسة، ضاعت قواعد الشفافية والرقابة والمحاسبة والمساءلة وغابت سيادة حكم القانون وأصبح السودان كالغابة، الأمر الذي أهله ليكون سابع أفشل دولة في العالم وخامس أكثر الدول فسادًا في العالم، بحسب تقارير دولية. وهذه السياسة دفع ثمنها الشباب، ولم يدرك مساوئها النظام الحاكم، إلا بعد تبين حجم الكارثة التي تسبب فيها بانفصال الجنوب في 2011، ومنذ هذا الوقت وكان يشرعن نظام استقطاب لحاملي السلاح في حروب الجنوب والغرب، ويقدم لهم العروض السخية ويستوعبهم في الوظائف الحكومية على حساب الشباب الذين كان عليهم الانتظار لوقت إضافي غير محدد دون أن يكترث لهم أحد.

طوال سنوات الربيع العربي التي دمرت فيها المنطقة وخضعت لجميع التوازنات الداخلية والخارجية، كان السودان نسبيًا خارج هذه المعادلة، ولكن شبابه كان يغلي بسبب سياسات النظام الحاكم، خاصة أن أغلبهم انخرط في مهن هامشية، عززت لديه حمية الكرامة وأسست لعزيمة صخرية ترفض الذل والمهانة ومنحتهم قوة كبرى تواجه الفساد، بدأت من مواقع التواصل وحاولت الخروج للشارع عام 2013، ولكن السلطة واجهتهم بمنتهى القسوة والعنف وقتلت منهم نحو مئتي متظاهر بحسب منظمات حقوقية، في حين اعترفت الحكومة بمقتل 80 متظاهرًا وجرح عدد آخر.

نجحت الثورة في النهاية، وأصبح الشباب في حالة من التلاحم على ضرورة حل الضائقة الاقتصادية وخاصة الخبز والوقود والنقود، على أن تبقى هذه التطلعات مستحقة على مبادئ وقيم الحرية والعدالة والسلام، لمحاربة الفساد والمفسدين، دون التعريض بالحريات والتداول السلمي للسلطة، بعد 30 عامًا من حكم رجل واحد، كان يتطلع إلى فترة رئاسية جديدة ولجأ لتعديل الدستور، ولكن القدر والشباب وعزيمة السودانين كانوا أقوى من جميع مخططاته وأسقطوه ويحاكموه حاليًّا.

ماذا ينتظر السودان من الشباب؟

هو جيل تمرد، هكذا يمكن قراءة الشباب السوداني، إذا عرفنا أنه رغم كل الظروف التي رصدنا بعضًا منها، كان منخرطًا في العمل التطوعي بأكثر من 4 آلاف منظمة ومجموعة تطوعية، تعمل في عدة مجالات مختلفة، أبرزها التعليم والصحة والثقافة والفنون والإغاثة العاجلة ودرء الكوارث، إضافةً لوجود العديد من المنظمات والجمعيات والمراكز الشبابية التي تنشط في مجال بناء ورفع قدرات الشباب.

العمل التطوعي دائمًا هو بداية التنظيم الجيد، لنشر ثقافة العمل العام، وبالتالي يمكن للشباب السوداني الاستفادة من قانون الجمعيات التطوعية الصادر عام 1957 والبناء عليه في تطوير الحياة الاجتماعية وتشعّبها، وتوسيع نطاق المنظمات والمبادرات التي تفتح باب التدريب على كل شيء، خاصة أنه يجد دعمًا كبيرًا من أفراد المجتمع السوداني، واستقطب فئةً واسعة من الشباب، ومع فتح المجال السياسي سيتم ضخ هذه الطاقات في تنظيمات قادرة على تشكيل وجه البلاد خلال السنوات القادمة، مطلوب فيها تمكين الحياة المدنية ودعم التعددية وإزالة الإرث السيء من على وجه الحياة السودانية.

ورغم الفرصة التي ستبيحها الثورة والأسس التي وضعتها لتكوين فرد قادر على تحمل المسؤولية، وفي طليعتها التعليم بالطبع، فإن الشباب سيكون مطالبًا باستكمال ما بدأته مجموعة "تعليم بلا حدود" التي دُشنت عام 2011، للعمل على ضبط فلسفة حركات التغيير الاجتماعي وتحفيز المجتمع للاهتمام بقضية التعليم، بحيث تكبر المجموعة وتتوسع لتصير بحجم المجتمع كله، ومن ثم تذوب فيه وتختفي نهائيًا، مخلفةً وراءها مجتمعًا يهتم بالتعليم كقضية ملحة دومًا وأبدًا.

بجانب التعليم والعلم، يجب على الشباب تغيير بنية الفكر السياسي وكيفية ممارسة السياسة والحزبية وتغيير الواقع المزعج منذ منتصف القرن الماضي، إذ يتمسك الكبار بمقاليد الحكم والسياسة في السودان، ولا تتغير قيادات الأحزاب الرئيسية إلا بالوفاة، أما الأحياء منهم فهم قابعون على كراسي القيادة إلى الآن، وعلى الشباب حياكة تنظيمات ديمقراطية حقيقية، تضع محاكاة مستقبلية لكيفية تسلم السلطة، وتأسيس نظام حزبي قائم على المحاسبة والشفافية والمساءلة، بداية من هذه الكيانات الطامحة إلى تشكيل وجه السودان الجديد، بعد نهاية المرحلة الانتقالية.

ربما يقاسي الشباب من الوضع الأبوي الحاليّ للحياة السياسية والاجتماعية العربية عامة التي تتسم دائمًا بنوعٍ من العناد، مما يخلق حدودًا ثقافية واجتماعية أكثر صرامةً وتداخلًا مع الدين، تجعل للكبار سلطة مباشرة على الشباب، تعززها طبيعة العادات والتقاليد السائدة، ولكنها تبقى عقبات يمكن تجاوزها، فكلما ازدادت مساحة الاختلاف بين الكبار والشباب، مع تطور وسائل الاتصال وتوسيع حدود المعرفة وفرص الاحتكاك وإقناعهم بضرورة الالتحام مع الشباب في الاستحقاقات الثورية بعدما أثبتوا أنهم قادرون على وضع بصمتهم وتقديم الكثير للمجتمع السوداني، سيتم التغلب على هذه العقبة وإقناعهم بالعمل معًا على تنفيذ سياسات تقوم على العلم وتدعم الأكثر جاهزية بغض النظر عن عمره أو تاريخه السياسي، فالأهم، الالتحام بالمشاريع الثورية التي ستخدم مصالح عامة الشعب والكفاءة المطلوبة لهذا الدور دون غيره!