تُعتبر كل من التعديلات الحالية لأرامكو ووزارة الطاقة وغيرها من دور السلطة الحكومية الرئيسية

ترجمة وتحرير: نون بوست

لا تكتفي المملكة العربية السعودية، وهي أكبر منتج للنفط في منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك"، بتكثيف العرض العام الأولي في أرامكو السعودية فحسب، بل تعيد كذلك تعديل ديناميات القوة في مجال النفط والغاز داخل حدودها. وفي الآونة الأخيرة، نشرت وسائل الإعلام بصفة مكثّفة تقارير حول التأثير الذي سيخلّفه انقسام وزارة الطاقة السعودية على استراتيجية النفط المتبعة في البلاد. في الواقع، من غير المرجح أن تتغير استراتيجية المملكة لتصدير وإنتاج النفط على المدى الطويل بشكل جذري حيث أن مؤشرات السوق الأساسيّة قوّضت نفوذ مملكة النفط.

فضلا عن ذلك، ركّزت وسائل الإعلام على إرجاء هذا الأمر للعرض العام الأوّلي في أرامكو، من خلال نشر تقارير تفيد بأن المملكة العربية السعودية ستكون جاهزة للمرحلة الأولى من العرض العام الأولي في وقت لاحق من هذه السنة. ومن بين عناصر هذه التغييرات التي لم يتم التطرّق إليها هي هياكل السلطة السعودية الداخليّة، حيث يحظى وزير الطاقة السعودي ورئيس مجلس إدارة أرامكو، خالد الفالح، بدور محوري فيها.

بالنسبة للمصادر الإعلامية الدولية، يعدّ الفالح الممثل الرئيسي للمملكة، ليس فقط فيما يتعلق بمنظّمة أوبك، وإنما أيضا لأنه شخصية مناسبة للظهور الإعلامي وعلى دراية جيدة بالدبلوماسية الدولية والعلاقات التجارية. وعلى الرغم من أنّ الفالح كان إلى غاية اليوم مدعومًا بالكامل من قبل وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إلّا أنّ نفوذه تضاءل بشكل كبير.

في الآن ذاته، كشف تقسيم وزارة الطاقة، التي تمثّل مركز القوة الرئيسي للفالح، الذي جدّ الأسبوع الماضي، عن وجود تصدعات خلال فترة سلطته. وأكّد التصريح الذي أُدلي به اليوم أن الحكومة خفّضت رتبة الفالح للمرة الثانية من خلال عزله من مهامه كرئيس لمجلس إدارة أرامكو السعودية، الأمر الذي يشير إلى وجود مشاكل كبيرة.

يعتبر ولي العهد السعودي العرضَ العام الأوّلي في أرامكو حجر الأساس في حكمه. وفي السنوات القليلة الماضية، كان محمد بن سلمان يكافح للحصول على دعم موحد للعرض العام الأولي

في نطاق رسمي، نُصِّب ياسر الرميان، رئيس صندوق الثروة السيادية وأحد المقرَّبين من محمد بن سلمان، مكانَ الفالح. وصرح المسؤولون السعوديون أن تعيين الرميان كرئيس لمجلس الإدارة يعد خطوة للأمام لدعم عملية العرض العام الأولي، بالإضافة إلى فصل وزارة الطاقة التي يمثلها خالد الفالح عن شركة أرامكو. وعموما، يتمثل الموقف الرسمي للمملكة العربية السعودية في أن الرميان يُعتبر جزءًا ضروريا من الاستعدادات لعملية العرض العام الأولي. وبالطبع، لم يتم التطرق لأية خلافات أو منافسات للظفر بأعلى مناصب القيادة السعودية.

يعتبر ولي العهد السعودي العرضَ العام الأوّلي في أرامكو حجر الأساس في حكمه. وفي السنوات القليلة الماضية، كان محمد بن سلمان يكافح للحصول على دعم موحد للعرض العام الأولي. ومن جهته، تعارض القوى المحافظة داخل الوفد الملكي السعودي، وخاصة داخل الديوان الملكي (الهيئة الاستشارية الرئيسية للملك)، ووزارة الطاقة وأرامكو، بوضوح أي عملية عرض عام أوّلي متسرعة. علاوة على ذلك، ظهرت الشائعات التي تفيد بأن الفالح وآخرون حذروا محمد بن سلمان من إعادة النظر في العرض العام الأولي أو أهدافه. في المقابل، ظلت هذه الخلافات أساسا تحت سيطرة القيادة السعودية.

تُعتبر كل من التعديلات الحالية لأرامكو ووزارة الطاقة وغيرها من دور السلطة الحكومية الرئيسية، مثل صندوق الاستثمارات العامة السعودي، فضلا عن تعيين فهد العيسى رئيسا للديوان الملكي، ومازن الكهموس رئيسا للمجلس الوطني للجنة مكافحة الفساد، علامةً واضحةً على تنامي قوة بن سلمان. علاوة على ذلك، يعدّ جميع الرؤساء والوزراء المُعيَّنين حديثًا، بما في ذلك وزير المعادن الجديد الخريف، وهو مدير تنفيذي سابق في مجموعة الخريف، مناصرين لولي العهد. وبشكل خاص، كان العيسى جزءًا من هيكل سلطة محمد بن سلمان في وزارة الدفاع السعودية قبل تعيينه رئيسًا للديوان الملكي.

فضلا عن ذلك، يبدو أن محمد بن سلمان وأنصاره الذين يقفون وراء العرض العام الأولي لأرامكو وتنويع الاقتصاد السعودي كثفوا من تحركاتهم من أجل السيطرة كليا على المملكة. وفي هذا الإطار، سيتم إقصاء أو إزاحة كل من يعارض الأهداف التي حددها ولي العهد أو يقيد أو حتى يهدد نجاح الرؤية السعودية 2030 أو العرض العام الأولي لأرامكو. ومن المؤكد أن هذا التهميش سيتواصل خلال الأسبوعين المقبلين حيث تتحضر المملكة لحقبة جديدة، في ظل مواصلة بن سلمان تعزيز مكانته والتصدي تدريجيا لأية معارضة محتملة.

في المستقبل، ستتحول جميع الأنظار حول المستقبل الجديد للمملكة العربية السعودية الذي يستند على قصص النجاح، منها العرض العام الأولي لأرامكو وصندوق الاستثمارات العامة

في الحقيقة، كانت هذه الاستراتيجية واضحة المعالم منذ سنة 2017 عندما شُنت حملة لمكافحة الفساد على أفراد العائلة المالكة ورجال الأعمال وأصحاب السلطة رفيعي المستوى الذين وضعوهم خلف القضبان الذهبية في فندق ريتز بالرياض. وقد نُفذت هذه الحملة مباشرة بعد حملة دافوس في الصحراء لسنة 2017 أو ما يسمى بمبادرة مستقبل الاستثمار لسنة 2017. وعلى الرغم من أن مبادرة مستقبل الاستثمار لسنة 2018 تحولت قضية إعلامية كبرى على خلفية اغتيال خاشقجي، إلا أن بن سلمان سرعان ما خرج من هذه الأزمة. وفي هذا الصدد، يمكن ملاحظة التعديل الحالي في مبادرة مستقبل الاستثمار لسنة 2019 التي ستُبصر النور قريبا.

في المستقبل، ستتحول جميع الأنظار حول المستقبل الجديد للمملكة العربية السعودية الذي يستند على قصص النجاح، منها العرض العام الأولي لأرامكو وصندوق الاستثمارات العامة، حيث سيكون لبن سلمان الفضل في هذا النجاح. لذلك، ينبغي على وسائل الإعلام اليوم أن تركز على ولي العهد، خاصة في ظل تراجع الاهتمام بأمثال خالد الفالح، حيث الصراع المستمر في سوق أسعار النفط، الذي بدأ في ظل الفالح، لم يجلب أيًا من العائدات الإضافية التي كانت المملكة تأمل في تحقيقها.

كنتيجة لذلك، تحتاج السعودية لشخص جديد ليدعم قصة نجاح العرض العام الأولي لأرامكو. وفي هذا الإطار، حُدّدت الأهداف وسيُزاح كل شخص بإمكانه معارضتهم. وفي الواقع، تعني إزالة الفالح من رئاسة أرامكو المخاطرة بمستقبل شركة النفط العملاقة، الأمر الذي لا يتلاءم مع تقاليد امتدت لعقود، حيث كان وزير الطاقة هو نفسه رئيس أرامكو. وعلى الرغم من أن سلطة بن سلمان تتنامى يوما بعد يوم، إلا أن فرصة معارضة القوات المحافظة في الحكومة له لا تزال مطروحة.

المصدر: أويل برايس