تحتاج واشنطن لاستيعاب الانعكاسات الإيجابية التي لا يمكن أن تكون إلا نتاجا لإرساء دبلوماسية مبتكرة وعالية المستوى وشاملة للتعامل مع الأزمة الإيرانية.

ترجمة وتحرير نون بوست

في 13 آب/ أغسطس، التقى المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية، آية الله خامنئي، بممثلين حوثيين في طهران، مما يشير إلى وجود دعم علني كان نادر الحدوث. ومنذ أن اندلعت شرارة الحرب الأهلية اليمنية في سنة 2015، حاولت إيران النأي بنفسها عن الحوثيين. ومع ذلك، فإن تصدّع العلاقات داخل التحالف بقيادة السعودية ونجاح الحوثيين في إثبات أنفسهم في اليمن غيّر جميع المعطيات. كان الاجتماع العلني إشارة واضحة على تعزيز الروابط بين إيران والحوثيين في مواجهة خصم منقسم.

لم يكن اليمن الدولة القومية الوحيدة التي شهدت عدم استقرار في منطقة اكتسب فيها الإيرانيون نفوذا واسعا. فمن بيروت إلى كابول، تمكنت إيران من أن تصبح طرفا فاعلا يحظى بأهمية متزايدة، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة لتجاوز عدائها لإيران ولجوئها إلى دبلوماسية رفيعة المستوى، بما في ذلك مع حلفائها الإقليميين، من أجل تحقيق الاستقرار في المنطقة ووضع حد لحروبها الطويلة. وعموما، ينبغي أن يكون الاتفاق النووي وتخفيف حدة التوتر في الخليج العربي نقطة انطلاق هذه الجهود الدبلوماسية وليس هدفها النهائي. في نهاية المطاف، يعتبر دور إيران الإقليمي ضروريًا لإبعاد الولايات المتحدة من المنطقة وتحويل انتباهها إلى مسائل عالمية أكثر إلحاحًا تتوافق بشكل أفضل مع مصالحها الفعلية.

عملت إيران على تحقيق مصالحها الإقليمية بشكل فعّال، وذلك من خلال النفوذ الذي تمارسه طهران على الميليشيات الشيعية وعلاقاتها الاقتصادية في العراق

دور إيران المتنامي

في سوريا، ظل الديكتاتور بشار الأسد في السلطة بفضل الدعم المستمر الذي تقدمه له كل من روسيا وإيران، على الرغم من العجز عن ضمان أمن البلاد بسبب وجود القوات الأجنبية والمتمردين. وفي الواقع، سعت إيران لاستكشاف الفرص الاقتصادية الموجودة في سوريا. وبدلاً من التفاوض مع الأطراف الرئيسية المعنية، استمرت إدارة ترامب في العمل مع عدد قليل من الحلفاء الذين سعوا إلى ترسيخ وجودها في سوريا.

لعلّ أفضل مثال على ذلك هو الاتفاق الذي عقدته واشنطن مع تركيا لإنشاء منطقة آمنة.  ولم يكن لحالة الجمود المستمر الناتجة عن سعي الولايات المتحدة للعمل ضد أهداف روسيا وإيران انعكاسا سلبيا على الشعب السوري فحسب، وإنما تركت الولايات المتحدة في وضع قد يؤدي إلى سنوات من مناورات عسكرية محدودة النتائج ولا نهاية لها.

في هذه الأثناء، وتحديدا في أفغانستان، تسعى إدارة ترامب لعقد اتفاق مع حركة طالبان يسمح للولايات المتحدة بالتقليص من وجودها في البلاد بعد مرور 18 سنة من القتال. ومع ذلك، أجرت إيران محادثات مع طالبان حيث أصبحت الشريك التجاري الأكبر لأفغانستان خلال سنة 2018. وكانت العلاقات الاقتصادية بين البلدين مهمة للغاية، الأمر الذي دفع بإدارة ترامب إلى إعفاء هذا البلد من العقوبات التي كانت مفروضة على مدينة ميناء جابهار الإيرانية نظرا لأهميتها الاقتصادية لأفغانستان.

تعتبر قصة النفوذ الإيراني المتزايد في مناطق الصراع الإقليمي بمثابة حقيقة ثابتة. فقد عملت إيران على تحقيق مصالحها الإقليمية بشكل فعّال، وذلك من خلال النفوذ الذي تمارسه طهران على الميليشيات الشيعية وعلاقاتها الاقتصادية في العراق، إلى جانب علاقتها بجماعة حزب الله في لبنان، والروابط الثقافية والتاريخية التي تجمعها بأفغانستان. ويبقى السؤال الأساسي المطروح متمثلا في كيفية تخطيط إدارة ترامب لمواصلة عزل إيران والمناورة حولها في مختلف السياقات.

تظل حاجة كل من الولايات المتحدة وإيران إلى دبلوماسية رفيعة المستوى، من أجل تخفيف حدة التوتر لا تُمارس على مستوى تعاملهما مع بعضهما البعض فحسب، وإنما تشمل جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط، أمرا واقعا.

فرصة مهدورة

على إثر توقيع إدارة أوباما على خطة العمل المشتركة الشاملة في سنة 2015، تم التوصل إلى حلول للتعامل مع القضية النووية مع إيران. ولم يسبق وأن حدث مثل هذا الانفراج الدبلوماسي بين واشنطن وطهران، الذي تمخّض عن مفاوضات، منذ اندلاع الثورة الإيرانية سنة 1979. وفي الواقع، ساهم هذا الانفراج، لا سيما بين وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف، إلى إفراج السلطات الإيرانية عن البحارة الأمريكيين في كانون الثاني/ يناير سنة 2016.

مع ذلك، وبدلاً من استخدام هذا الانفراج للمضي قدما نحو إجراء مناقشات حول قضايا أخرى مع طهران، أدركت إدارة أوباما مدى ثقل التكاليف السياسية لهذه الخطوة على كاهل واشنطن، حيث تأسس الوضع الراهن على المشاعر المعادية لإيران، مما ساهم في فشل تقدم العلاقات. لذلك، أصبح الاتفاق النووي النتيجة النهائية، حيث فُرضت لاحقا عقوبات على برامج إيران الصاروخية، وبيعت الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية لخوض حربها الكارثية في اليمن. ومن جانبه، أقر الكونغرس تمديد قانون العقوبات على إيران لمدة 10 سنوات. ومن الواضح أن الجهود الدبلوماسية قد أُهدرت لتصب في صالح تحقيق أهداف محلية.

بالتزامن مع تولي دونالد ترامب منصب الرئيس وتعيين جون بولتون مستشارا للأمن القومي، وممارسة سياسة "أقصى قدر من الضغط" ضد إيران، اندثر حلم الانفراج الحقيقي بين طهران وواشنطن منذ فترة طويلة. ومع ذلك، تظل حاجة كل من الولايات المتحدة وإيران إلى دبلوماسية رفيعة المستوى، من أجل تخفيف حدة التوتر لا تُمارس على مستوى تعاملهما مع بعضهما البعض فحسب، وإنما تشمل جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط، أمرا واقعا.

جدر الإشارة إلى عدم رغبة حلفاء الولايات المتحدة بأن يكونوا ضمانات إضافية في حرب تطوعية أخرى في الشرق الأوسط

دبلوماسية

في الوقت الراهن، بلغت حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران أعلى مستوياتها، حيث تدافع إدارة ترامب عن إنشاء تحالف بحري أمريكي في الخليج العربي، إثر اسقاط كل من إيران والولايات المتحدة طائرات دون طيار، وقطع العلاقات الدبلوماسية بعد فرض العقوبات على محمد جواد ظريف، الذي يعد دبلوماسيا رفيع المستوى في إيران. وعموما، شجّع هذا الأمر إيران على اكتساب المزيد من النفوذ في المنطقة من أجل منع نشوب حرب، لا سيما في سوريا ولبنان، حيث اكتسب حزب الله موطئ قدم والرد في حالة الهجوم على إيران.

في الأثناء، كانت لحملة "أقصى ضغط" التي دعت إليها إدارة ترامب نتائج عكسية ليس في صفوف الحلفاء الأوروبيين الذين أُصيبوا بالإحباط إثر الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران فحسب، وإنما أيضًا في الشرق الأوسط. ولم يكن رد الإمارات العربية المتحدة على الهجوم الإيراني المزعوم على ناقلات النفط في الخليج العربي فاترا فحسب، وإنما أرسلت أيضًا مسؤولين إلى طهران لإجراء محادثات حول الأمن البحري. وفي الحقيقة، تعتبر هذه المحادثات الأولى من نوعها منذ سنة 2013.

في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى عدم رغبة حلفاء الولايات المتحدة بأن يكونوا ضمانات إضافية في حرب تطوعية أخرى في الشرق الأوسط. وبدلاً من الاحتفال بمبيعات الأسلحة على حساب تجنب حرب أخرى، ينبغي على واشنطن تشجيع الدبلوماسية الإقليمية وحتى إطار الأمن في الخليج العربي من أجل تخفيف حدة التوترات في المنطقة.

، في حال كان الرئيس ترامب أو الإدارة المستقبلية تسعى فعليا إلى تجنب حرب أخرى وإنهاء ارتباطاتهم الإقليمية الحالية، فيجب عليها النظر إلى ما هو أبعد من مجرد التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران

في الوقت الراهن، من المهم إدراك أن النفوذ الإقليمي لإيران لا يعني بالضرورة أن الأمور تسير بسلاسة بالنسبة لطهران. فعلى سبيل المثال، يشكك العراقيون في تأثير الميليشيات الشيعية المدعومة من قبل إيران. أما الأسد، فيعاني من حالة جمود نسبية نظرا لأن شريكيْ إيران في سوريا، وهما تركيا وروسيا، يتابعان أجنداتهما الخاصة، فيما يزال تأثير العقوبات متزايدا بشكل كبير.

مع ذلك، تضعف خطة عزل إيران للمجتمع المدني والحركة الديمقراطية فحسب، ولم تُضعف نفوذ إيران في المنطقة. لذلك، يبدو أن النتائج كانت عكسية. ويمكن أن تستمر الولايات المتحدة في العمل مع الإمدادات المحدودة التي يقدّمها الحلفاء الإقليميين للمناورة حول إيران. وفي نهاية المطاف، ستكون هناك اتفاقية (أو سلسلة من الاتفاقات) مع إيران، ستجعل الولايات المتحدة فعليًا أقرب لحسم الأمر مع جبهات متعددة.

في الواقع، في حال كان الرئيس ترامب أو الإدارة المستقبلية تسعى فعليا إلى تجنب حرب أخرى وإنهاء ارتباطاتهم الإقليمية الحالية، فيجب عليها النظر إلى ما هو أبعد من مجرد التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، أي أن واشنطن تحتاج إلى إدراك التداعيات الإيجابية التي لا يمكن أن تأتي إلا بعد تطوير مستوى عالي ومبتكر من الديبلوماسية.

المصدر: ناشيونال إنترست