استمرارًا لانحدار العراق المتسارع إلى الديكتاتورية الطائفية بشكلها المقيت، جاء قرار هيئة الإعلام والاتصالات العراقية، بإغلاق مكاتب قناة الحرة في العراق، إثر بثها لتقرير استقصائي عن الفساد الذي يستشري في المؤسسة الدينية سواء السنيَّة منها أم الشيعيَّة.

وللمؤسسة الدينية في العراق دور بارز في دعم النظام السياسي الحاليّ وبالأخص المؤسسة الدينية الشيعية، بل إنها تسيطر حاليًّا، على الكثير من آليات صنع القرار العراقي، لما في هذا المذهب من نصوص تفرض على أتباعه الطاعة والولاء للمراجع الدينية في كل شؤون حياتهم، حتى بات بقدرة هذه المراجع، توجيه مزاج الشارع الشيعي للوجهة التي يريدونها وتخدم مصالحهم، والتدخل في تشكيل الحكومات ومنح المناصب المهمة، ضاربة بعرض الحائط أبسط ملامح الديمقراطية وأحقية تداول السلطة بين مكونات الشعب، ووفق ما تسفر عنه صناديق الاقتراع.

ومن هذا نعرف السر الكامن وراء الانتفاضة الكبيرة لسياسيّ بغداد ومليشياتهم ضد التقرير الذي بثته قناة الحرة، مع أن التقرير لم يأت بشيء جديد لا يعرفه العراقيون، لكن مصدر انزعاجهم وخوفهم من هكذا تقارير استقصائية، هو خشيتهم من أن تصاب قدسية الهالة التي تلف تلك المراجع الدينية بسوء بنفوس أتباعها، وينكشف الغطاء المقدس حولها، وبالتالي فقدانها لقدرتها في التأثير بآرائهم وتوجهاتهم.

وإذا ما حصل هذا المحظور، فذلك يعني انهيار أهم مقومات النظام السياسي الحاليّ المرتكز الآن على تلك المرجعية الدينية، وهي المسؤولة عن غض الطرف عن مساوئه.

وإلَّا، لماذا هذا الخوف والهلع والتصرفات الهستيرية من مجرد تقرير إعلامي، لو كان هذا النظام السياسي بعيدًا عن شبهات الفساد؟ ولماذا لم يشاركوا في التقرير حينما دعتهم القناة للمشاركة فيه لتفنيد شبهات الفساد تلك؟ لكن ما هو واضح، أن التقرير وضع نقاط مهمة على مواطن الفساد الحقيقية بالعراق، تلك الخاصرة المؤلمة لهذا النظام السياسي الفاسد.

الشيء الأكثر غرابة، أن الإدانات التي لحقت تقرير قناة الحرة، لم تكن فقط من أحزاب السلطة ومليشياتها، بل لحقت بركبهم هيئة النزاهة التي يُفترض ‏أن تكون مسؤوليتها الأولى هي كشف الفساد، فأصدرت بيانًا نددت فيه بالتقرير وقالت عنه إنه مفبرك، مما يجعلنا نخلص إلى حقيقة مفادها، أن كل مؤسسات هذا النظام ضالعة بالفساد ولها دور فيه، وفي مقدمتها المؤسسة التي تدافع عن النظام الفاسد، المتمثلة بالمؤسسة الدينية.

لماذا التقرير الآن؟

على ما يبدو أن الأمريكان فطنوا متأخرين إلى هذه المعادلة، وإلى نقطة الضعف هذه التي يعاني منها النظام العراقي، ففي الفترة السابقة كانت قناة الحرة تعتبر من القنوات التي تمجد النظام العراقي الحاليّ، رغم السوء الظاهر عليه، وكانت ذات متابعة كبيرة من الشرائح الموالية والمنتفعة من النظام العراقي، كونها تعرض وجهة النظر السياسية لهم، لكنها تغيرت بشكل غير مسبوق بالأشهر الأخيرة لتعلن الحرب على كل مقومات النظام السياسي الشيعي في العراق، واتباع سياسة جديدة لا نخطئ بصمات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فيها، حينما أدرك أن تلك المراجع الدينية الموالية لإيران، أحد أهم مرتكزات هذا النظام السياسي العراقي الموالي حاليًّا لإيران.

وإذا شاء ترامب أن يضرب النظام الإيراني بمقتل، فما عليه إلا أن يقوض أهم دعائم النظام العراقي المتمثلة بالمراجع الدينية بالعراق، وعلى هذا الأساس جاءت تلك الضربات للمرجعيات الدينية الشيعيَّة منها والسنيَّة الموالية لإيران، رغم أن هذا التقرير وما سيلحقه من تقارير متوقعة، لا يشكل من الحقيقة التي يعرفها جميع العراقيين إلا نقطة في بحر الفساد الذي تعيشه تلك المرجعيات.

النظام العراقي حاله كحال أي نظام استبدادي قائم على الفساد، يعتبر الصحفيين وأصحاب الكلمة الحرة، ألد أعدائه

محاربة الصحافة سمة هذا النظام

يحتل العراق حاليًّا المركز 156 من 180 دولة في التصنيف العالمي لحرية الصحافة الذي تصدره منظمة ‏مراسلون بلا حدود، وأوضحت تلك المنظمة، أن "الصحفيين في العراق، غالبًا ما يقعون ‏ضحية هجمات مسلحة واعتقالات أو تخويف من طرف مليشيات مقربة من النظام، بل وحتى ‏من قوات نظامية رسمية"، وأضافت في بيان لها "يستمر قتل الصحفيين في العراق بلا عقاب، وتبقى التحقيقات دون نتائج، كما تؤكد ذلك عوائل الصحفيين"، ونوهت المنظمة إلى أمر بالغ الأهمية في تعامل النظام العراقي مع الصحفيين بالقول "تعتبر التحقيقات الصحفية عن الفساد ‏أو الاختلاسات من المال العام، من المواضيع الخطيرة جدًا في تعامل الصحفيين معها، التي يمكن أن يتعرض من يقوم بها إلى تهديدات ومتابعات قضائية".‏

ومن هذا نجد أن النظام العراقي حاله كحال أي نظام استبدادي قائم على الفساد، يعتبر الصحفيين وأصحاب الكلمة الحرة، ألد أعدائه، لأنهم الوحيدون القادرون على فضح الكذب والفساد الذي يعتاش منه النظام، ولأجل ذلك فقد رعت أحزاب السلطة افتتاح العديد من الفضائيات والصحف والمواقع الإلكترونية التي تروج لتلك الأحزاب وتلمع سمعتها، ولأجل التعمية والتغطية على مساوئه، وبنفس الوقت اتبعت سياسية الإرهاب والقتل والتغييب بحق الصحفيين الذين خارج منظومة الفساد التابعة لهم.

وجاء مشروع القانون الجديد الذي يعتزم البرلمان العراقي إقراره قريبًا، ويتعلق بالجرائم الالكترونية، تتويجًا للإجراءات التعسفية بحق حرية الرأي، التي رأى فيها كثير من المراقبين الحقوقيين، أنه قانون تم تصميمه لتكميم الأفواه المنتقدة للنظام السياسي في العراق، وللذين يتخذون من الفضاء الإلكتروني منصة لهم لنشر آرائهم السياسية فيه.

على النظام العراقي، أن يَعيَ الحقيقة القديمة الجديدة التي تقول، إن عين الشمس لا يغطيها غربال، والحقيقة لا يطمسها كذب الفاسدين، فمهما اتبعوا من وسائل للتغطية على الجرائم التي يرتكبونها والفساد الذي يمارسونه، فإن الحقيقة تجد طريقها للنور.

ولتعلم هيئة الإعلام العراقية، أنها بإجرائها هذا، أخلت بالتزاماتها الدولية وخاصة ‏تلك المنصوص عليها في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي انضم إليها العراق منذ ‏عام 1971، ذلك ما أشار إليه مركز جنيف الدولي للعدالة الذي أدان استمرار السلطات ‏العراقية في انتهاكها المُمنهج لحرية الصحافة والعمل الصحفي في العراق، فيما وصف ‏مدير مركز الحريات الصحافية في العراق زياد العجيلي إجراء هيئة الإعلام بـ"المتسرع وغير ‏القانوني"‏.

نفس الحال قام به الحشد الشعبي في محاربة المدونين والناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، وكان له دور بارز في تكميم الأفواه التي تنتقد تصرفاته وجرائمه بحق الشعب ‏العراقي

حرب ضد الصحافة الحرة

في الوقت الذي لم تنتظر هيئة الإعلام العراقية إلا يومين على نشر تقرير قناة الحرة، حتى بادرت بإصدار قرارٍ بغلق مكاتب قناة الحرة في العراق لمدة ثلاثة أشهر، بينما سمحت ومنذ سنين لقنوات عديدة، ببث سمومها الطائفية والتحريضية ليل نهار دون حساب ولا رقيب، رغم خطورة ذلك الخطاب الطائفي التحريضي على وحدة الصف العراقي.

ونفس الوقت، تجد أن رموز هذا النظام السياسي، لم يكتفوا بمحاربة القنوات غير الموالية لهم فحسب، إنما يحاربون على مستوى مقدمي البرامج ذوي الكلمة الحرة، وخير مثال على ذلك، محاربتهم لمقدم البرنامج الساخر الشهير "البشير شو"، الذي يعتبروه مصدر خطر عليهم، بسبب إقدامه على فضح أساليبهم وزيفهم وفسادهم، وبسبب هذا، حاز مقدم البرنامج أحمد البشير إعجاب واستحسان المشاهدين العراقيين ودعمهم له، فانهالت عليه التهديدات من رموز النظام ومواليه بالقتل، وأمروا جميع القنوات التي لهم تأثير مباشر عليها، برفض عرض البرنامج على قنواتها، فلم يجد سبيلاً، غير أن يقدم برنامجه على إحدى القنوات الأوروبية.

نفس الحال قام به الحشد الشعبي في محاربة المدونين والناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، وكان له دور بارز في تكميم الأفواه التي تنتقد تصرفاته وجرائمه بحق الشعب ‏العراقي، وفي هذا الشأن طالب مركز "حقوق" لدعم حرية التعبير، هيئة الحشد الشعبي ‏بإصدار موقف رسمي عاجل  لبيان حقيقة التحريض على قتل المدونين والصحفيين في ‏العراق، من شخصيات أو صفحات تدعي انتماءها للحشد الشعبي.

في النهاية ستبقى الصحافة والكلمة الحرة، مصدر خوف لكل فاسد ولكل ديكتاتور ولكل طائفي، فهي التي ستعريهم وتفضح زيفهم، ويفترض بمن اختطَّ طريق الحرية والكلمة الصادقة طريقًا له، أن لا ترهبه تهديدات الفاسدين، ولا أراجيف المرجفين، فما هي إلا مسألة وقت حتى تظهر الحقيقة وتنصلح الموازين، وسيكون لأصحاب القلم الحر الفضل الكبير في كثيرٍ من التغييرات الذي ستحدث، كان ذلك حقيقة على مر التاريخ، وسيكون كذلك في المستقبل.