كان لاتخاذ حزب العمال الكردستاني المصنف على قوائم الإرهاب التركية والأوروبية من جنوب شرق الأناضول نقطة ارتكاز لتمرده ضد الدولة التركية أن أعاد تسليط الضوء على تأخر عمليات التنمية وضعفها في المنطقة ذات الغالبية الكردية، إذ انتشرت لدى جمهور عريض من الأكاديميين ورجال الدولة والسياسيين الأتراك المقاربة الاقتصادية والاجتماعية كمدخل لتفسير ظهور حزب العمال وانتشاره.

حيث رأت هذه الفئة أن تأخر عمليات التنمية في هذه المنطقة وانتشار البطالة لدى سكانها وما رافقه من أزمات اجتماعية عامل مهم وأساسي في دفع شبابها نحو مواجهة الدولة التي بدأت في وضع الخطط والبرامج التنموية وجاء على رأسها مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP)

جنوب شرق الأناضول.. المركز والأطراف 

لسنوات طويلة شكلت المناطق الجنوبية الشرقية في تركيا رمزًا للتنمية غير المتوازنة ما بين المركز والأطراف التي أصبحت ضحية لإهمال السياسيين ورجال الدولة الأتراك، فبينما وضعت خطط تنمية مناطق شرق مرمرة 1960 وأنطاليا 1960 وزونغولداق 1961 وتشكورفا 1962، تأخرت خطة التنمية في المناطق الجنوبية الشرقية لبداية التسعينيات، الأمر الذي انعكس على معدلات ومؤشرات التنمية ما بين المناطق التركية، حيث ارتفعت مؤشرات الرفاهية في مدن الغرب التي أصبحت مقصدًا لهجرة القوى العاملة من المناطق الأخرى التي حرمت من الكثير من كفاءاتها وقواها العاملة، بالإضافة إلى ذلك خلقت حالة اللاتوازن هذه مظلوميات عززتها طبيعة التوزيع الإثني لهذه المناطق. 



تتكون المناطق الجنوبية الشرقية من 9 مدن أساسية هي أديمان وباتمان وديار بكر وغازي عنتاب وكيلس وماردين وسيرت بالإضافة إلى شانلي أورفة وشرناق 



مشروع تنمية جنوب شرق الأناضول.. المياه حجر أساس 

يعد مشروع تنمية جنوب شرق الأناضول من المشاريع ذات البُعد الشمولي المرتكزة على استخدام الموارد المائية كركيزة أساسية لعملية التنمية من خلال توليد الطاقة الكهربائية وتوسيع مساحة الأراضي المروية، وإلى جوار ذلك يعالج المشروع القطاع الصناعي من خلال توسيع وتنمية الصناعات الزراعية بالإضافة إلى العمل على النهوض بالمؤشرات الاجتماعية الأخرى كالصحة والتعليم وغيرها. 

ارتكز مشروع تنمية منطقة جنوب شرق الأناضول على مجموعة من الدراسات المسحية التي أعدتها إدارة المياه في ستينيات القرن الماضي حملت اسم "استكشاف حوض نهر الفرات" لتتبعها بدراسة أخرى حملت اسم "استكشاف الحوض السفلي لنهر الفرات"، وأجريت لاحقًا دراسة مشابهة لكنها تناولت حوض نهر دجلة. 

  

يغطي المشروع على مستوى الجغرافيا منطقة جنوب شرق الأناضول المكونة من 9 مدن أساسية (ديار بكر وغازي عنتاب وأديمان وكيلس وماردين وسيرت وشانلي أورفة وشرناق) تبلغ مساحتها الإجمالية 75.193 كيلومتر مربع بما يوازي 9.7% من المساحة الإجمالية لتركيا، فيما يبلغ عدد السكان في هذه المنطقة 8.8 مليون نسمة أي ما نسبته  10.8% من سكان تركيا، وتبلغ مساحة الأراضي 7.5 مليون هكتار، 43.6% منها مخصصة للزراعة (3.290.575 هكتار)، و29.4% منها مخصص للمراعي (2.214.473 هكتار)، و19.2% منها غابات (1.451.185 هكتار).

تنتج المنطقة 56% من إجمالي محصول القطن في تركيا و93.6% من محصول العدس الأحمر و96.98% من محصول الفستق و35.3% من محصول القمح، بالإضافة إلى ذلك تحتوي المنطقة على 9.8% من الماشية في تركيا و18.8% من الأغنام و25.1% من الماعز.

فوفقًا لما هو مخطط، تسعى الحكومة التركية لبناء 22 سدًا و19 مركز لتوليد كهرباء تعمل على توفير 27 مليار كيلووات/ساعة، بالإضافة إلى ذلك من المتوقع إنشاء 198.473 هكتار من بحيرات السدود، تساهم بري 1.8 مليار هكتار، وإنتاج 32.500 طن من الأسماك، بعائد متوقع يصل إلى 50 مليون دولار سنويًا وتشغيل ما يقرب من 6.500 شخص. 

وعلى الصعيد الصناعي وصل عدد المناطق الصناعية الكبرى التي تم إنشاؤها في إطار المشروع إلى 18 منطقة، ضمت ما يقرب من 2082 شركة فيما وصل عدد العاملين فيها إلى ما يقرب من 174.170 شخص، ووصل عدد المناطق الصناعية الصغرى التي تم افتتاحها 38 منطقة ضمت ما يقرب من 9.693 منشأة. 

مشروع جنوب شرق الأناضول.. 30 عامًا من العمل 

30 عامًا مروا على إقرار الخطة التشغيلية الأولى لمشروع جنوب شرق الأناضول استطاع خلالها المشروع تحقيق اختراق وتقدم في مجالات متنوعة، فعلى صعيد المشاريع المائية، تم إنشاء 13 سدًا من أصل 22 كان مخطط لها، بواقع 6 سدود على نهر دجلة و7 على نهر الفرات، كما بلغت مساحة القنوات التي تم افتتاحها بنهاية عام 2018 ما يقرب من 1.267 كيلومتر. 

 فيما تم إنجاز 16% من منشآت توليد الكهرباء، وجاري تنفيذ 74% من المتبقى فيما ما زال ما نسبته 7% لم يتم المباشرة في تنفيذه، ليصل ما أنتجته المنطقة نهاية عام 2018 ما يقرب من 454.56 مليار كيلوواط بقيمة 27.27 مليار دولار. 

وعلى صعيد الأراضي المروية فقد تم إنجاز 13% (144.120 هكتار)  من الأراضي المخطط ريها وفقًا للخطة التشغيلية 2014-2018 ويعمل الآن على 53% (558.507 هكتار) من النسبة المتبقية، وما زال ما نسبته 34% (357.373 هكتار) من المساحة المقررة لم يتم العمل فيها، وبلغت قيمة المبالغ المستثمرة في قطاع الري عام 2018 وحده ما يقرب من 3.369 مليار ليرة تركية بما يشكل 20% من قيمة المبالغ المستثمرة في المشروع، في حين احتلت الطاقة ما نسبته 14% بواقع 994.339 مليون ليرة تركية.

أما على صعيد المؤشرات الاقتصادية فقد ارتفع عدد المشاريع في المنطقة من 1102 مشروع عام 2002 إلى 4733 مشروعًا عام 2018، فيما ارتفع عدد الأيدي العاملة في المشروع من 39.102 ألف شخص عام 2002 إلى 234.958 ألف شخص عام 2018، وارتفعت قيمة الصادرات في المنطقة من 689 مليون دولار عام 2002 (1.91% من قيمة الصادرات في تركيا) إلى 8.684 مليار دولار عام 2018 (5.17% من قيمة الصادرات في تركيا)، بينما ارتفعت قيمة الواردات من 773 مليون دولار عام 2002 (1.50 من نسبة الواردات في تركيا) إلى 5.725 مليار دولار عام 2018 (2.57 من قيمة الواردات في تركيا).

وارتفعت كذلك قيمة المبالغ المستثمرة في المشروع من 5.178 مليار ليرة عام 2008 إلى 5.540 ليرة عام 2018، حيث وصل مجموع ما تم استثماره في المنطقة خلال الفترة (2008-2018) 76.691 مليار ليرة. 

أما على صعيد البنى التحية فبلغت مسافة الشوارع التي تم افتتاحها في إطار المشروع 6.592 كيلومتر، وبلغ عدد المطارات المفتتحة في المنطقة بحلول عام 2018، 8 مطارات موزعة على مدن المنطقة، ففي العام 2002 كانت تقدم خدمات الصرف الصحي لـ69% من السكان، وصلت في 2016 لـ91%. 

وفيما يتعلق بالمؤشرات التعليمية والصحية بحلول عام 2018 تم افتتاح ما يقرب من 31.983 فصل دراسي بحيث انخفض عدد الطلبة في الفصل من 50 طالبًا عام 2002 إلى 30 طالبًا عام 2018، وارتفع عدد الجامعات من 3 عام 2002 إلى 9 جامعات عام 2018، بحيث ارتفع عدد الطلاب من 32.278 طالب عام 2002 إلى 180.362 طالب عام 2018، وازداد عدد المستشفيات من 63 عام 2002 ليصل إلى 128 مستشفى بواقع 20.188 سرير بعد أن كان 8.223 سرير عام 2002، فبعد أن كان لكل 10 آلاف شخص 13 سريرًا أصبح 23.23 سرير، وارتفع عدد الأطباء من 1863 طبيبًا ليصل إلى 5555 طبيبًا.

يشكل مشروع تنمية جنوب شرق الأناضول مدخلاً مهمًا لتحقيق تنمية مستدامة في المنطقة التي عانت وما زالت من آثار حرب استنزفت سكانها الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة الحرب وسندان تأخر التنمية الاقتصادية

وعلى صعيد المؤشرات الاجتماعية، بلغ عدد مؤسسات الخدمة الاجتماعية التي تم افتتاحها 71 مؤسسة، فيما تم تسليم ما يقرب من 38.769 منزل وما زال العمل على 9418 منزل، فيما انخفض مؤشر الهجرة من سالب 55.783 إلى سالب 33.802، كما انخفض عدد أفراد الأسرة من 6.5 عام 2002 إلى 4.9 لعام 2018، وانخفض عدد الأطفال الذين يموتون في أثناء الولادة من 48.3 طفل في الألف عام 2002 إلى 12.6 طفل في الألف عام 2018.

ختامًا يشكل مشروع تنمية جنوب شرق الأناضول مدخلاً مهمًا لتحقيق تنمية مستدامة في المنطقة التي عانت وما زالت من آثار حرب استنزفت سكانها الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة الحرب وسندان تأخر التنمية الاقتصادية التي كانت العنوان الأهم الذي عمل من خلاله حزب العدالة والتنمية في السنوات الأخيرة، خاصة بعد فشل عملية السلام مع حزب العمال، فكانت الرؤية التي انطلق منها الحزب ووجود فرق واضح بين الإشكال الأمني والإشكال الاقتصادي، فتضاعف الاستثمار الحكومي في السنوات الأخيرة ساعيًا قدر الإمكان لتجفيف منابع مظلومية المنطقة التي شكلت العنوان الأساسي الذي ارتكز عليه حزب العمال في حربه ضد الدولة التركية.