لم يكن المتخصصون أو حتى محدودي الخبرة بظروف الاقتصاد المصري ومداخيله ومصروفاته وأولوياته لينتظروا فيديو لأحد شركاء الجيش ليخرج عليهم فيخبرهم أن القيادات السياسية في الدولة تهدر مليارات في سبيل المجد الشخصي أو أنها تستغل المدنيين وتضيق على الأنشطة الاقتصادية التي لا تخضع لأوامرها ولا تخدم اقتصادها.

ثار الجدل عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشدة حين كشف الفنان المصري ورجل الأعمال محمد علي صاحب شركة "أملاك" للمقاولات العديد من وقائع الفساد في إهدار الجيش المليارات من الجنيهات على مشاريع دون جدوى، وذلك على خلفية تكليف الهيئة الهندسية للقوات المسلحة لشركته بتنفيذ مشروع فندق "تريموف" 7 نجوم في حي التجمع الخامس وذلك لأن صاحب المشروع اللواء شريف صلاح من الأصدقاء المقربين للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

كما أضاف علي في مقطع فيديو بثه على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" أن الجيش طلب من شركته بناء فيلا للرئيس السيسي في حي المعمورة بمدينة الإسكندرية بتكلفة وصلت إلى 220 مليون جنيه وذلك حتى يقضي بها الرئيس إجازة عيد الأضحى، مشيرًا إلى أن السيدة انتصار زوجة الرئيس طلبت تعديلات تجاوزت قيمتها 25 مليون جنيه.

كما اتهم علي وزير النقل الحاليّ والرئيس السابق للهيئة الهندسية للجيش اللواء كامل الوزير واللواء عصام الخولي بالنصب على شركته، يُذكر أن الفيديو الذي بثه محمد علي تم مسحه، كما أُغلقت صفحته الشخصية على موقع فيسبوك، وبعد تصريحات محمد علي يجب أن نتساءل هل بالفعل مصر دولة فقيرة؟

مصر التي لا تعرف الفقر

بينما يقبع 32.5% أي 32.5 مليون نسمة من المصريين تحت خط الفقر بحسب بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وبينما يميل هذا النظام ورموزه لتحميل المصريين مسؤولية أي تدهور للأوضاع الاقتصادية بداية من فترة المجلس العسكري، حين حاول اللواء محمود نصر مساعد وزير الدفاع للشؤون المالية التنصل من أي مسؤولية للمجلس العسكري عن الأوضاع الاقتصادية قائلاً: "الشعب هو السبب فيما يحدث، الناس ما بتشتغلش ليه؟ ما بتشتغلش ليه؟ انجرفوا لاتجاهات سياسية ونسوا من أين سنأكل".

وكأن السياسة بعد ثورة ضد انغلاق المجال العام كانت سبة وملهاة عن الاقتصاد الذي يراه الرجل معطوبًا ولا يمكن تجاوز عطبه إلا بالإدارة الحاسمة للجيش "الجيوش أساس الإدارة والإدارة كل حاجة"، والقوات المسلحة وفقًا له قدمت لأجهزة الدولة قروضًا تصل لـ2.352 مليار جنيه بينما ساهمت في دعم الاقتصاد عمومًا بـ12.199 مليار جنيه اعتبارًا من فبراير 2011 وحتى مارس 2012، وعندما سئل الرجل عن مصدر هذه الأموال ومدى شفافية تعامل الوزارة مع البنك المركزي رد غاضبًا: "هذه ليست أموال الدولة وإنما عرق وزارة الدفاع من عائد مشروعاتها".

بعد انقلاب الثالث من يوليو 2013 لم يعد خافيًا على أحد نمو المشروعات التي تتولى إدارتها الهيئة الهندسية وأجهزة الجيش المختلفة التي انبرت عربات اللحوم والأسماك والبقالة المتنوعة التابعة لها تملأ الميادين لا تنافسها إلا عربات وزارة الداخلية وعلى استحياء تقف سيارات وزارة التموين أو الزراعة في بعض الميادين الكبرى فقط.

تضرر المزارعون من عمليات استيراد اللحوم البرازيلية بكميات هائلة من الجيش ما أثر على أسعار المواشي في الأسواق المحلية وتسبب في خسائر فادحة لصغار المزارعين رغم ارتفاع أسعار اللحوم البلدي في السوق ناهيك عن تضاعف أسعار مستلزمات الإنتاج من أعلاف وأدوية بيطرية، ومع ذلك تضاعفت أيضًا اللحوم المستوردة عما كانت عليه من قبل سواء من حيث الكميات أم الأسعار، ويبدو أن الجيش لا يرى حلاً لمشكلة اللحوم إلا بالاستيراد والتجارة التي تعظم أرباحه.

في الوقت ذاته، نما نشاط وزارة الدفاع والهيئة الهندسية والشركات التابعة لها بشكل غير مسبوق سواء عبر التمدد في الأنشطة المختلفة من الإسكان والمرافق للدخول في تحالف عالمي لحفر قناة السويس ثم مشروعات البنية التحتية الخاصة بالعاصمة الإدارية الجديدة ومدينة العلمين الجديدة، مرورًا بإسناد شبكات الطرق وحفر الآبار وترميمات المدارس والمستشفيات وحتى بناء مقرات بعض النقابات مثل نقابة المحامين لوزارة الإنتاج الحربي.

اقتصاد الجيش بين المزاحمة وعدم العدالة

جرى النقد لنمو هذه المشروعات من التيارات الليبرالية وبعض رجال الأعمال باعتبار الجيش منافسًا قويًا في منافسة غير عادلة للقطاع الخاص لأنه يحصل على الأرض والعمال بأسعار زهيدة وشبه مجانية بينما لا يخضع لنفس شروط الضرائب والجمارك والرسوم والعوائد التي تحصل من القطاع الخاص، بينما كان النقد من بعض قوى الثورة المحسوبة على التيارات الاشتراكية أو ذات البرامج الاجتماعية من منظور أن هذا نوع من أنواع التراكم الرأسمالي الذي لا يعزز مؤشرات العدالة بل يكرس استغلال الإنسان لصالح تطلعات ديكتاتورية للقيادات.

وهي تراكمات لا يمكن تتبعها ولا محاسبة أي فساد فيها، ولا تبدو علاقة الجيش بالدولة فيما يرتبط بالنظام والنشاط الاقتصادي واضحة، كما أن هذه التدخلات وفقًا لبعض التقارير تجري وراء القطاعات الأكثر ربحية كالعقارات وتحصيلات ورسوم الطرق، خلافًا لاستمرار تصفية القطاع العام لصالح شركات الجيش مثلما حدث مع القومية للأسمنت، وهنا تضرر القطاع العقاري الذي ينتمي إليه رجل الأعمال محمد علي صاحب الفيديو تضررًا مباشرًا بينما يضطر للتعامل مع الهيئة الهندسية وشركات المقاولات والأسمنت التابعة للجيش وينفذ مشروعات بالأمر المباشر ويتعثر آمروه في تسديد مستحقاته أو يماطلون، فينفجر فاضحًا البذخ والترف في بعض المشروعات غير الضرورية.

الاقتصاد وأولويات المصريين

لم يستشر أحدٌ المصريين في أولوية مشروعات كالعاصمة الإدارية الجديدة ولا مدينة العلمين الجديدة، وهي قد تكون مشروعات عقارية كبرى إلا أنها لا تولد إلا فرص عمل مؤقتة في قطاع التشييد والبناء وتضخم قيمة الأرض وتساهم في دعم خزينة الدولة من جهة لكنها تستهلك أضعاف هذا الدعم في مشروعات البنية التحتية وهي في النهاية لا تخدم إلا نسبة ضئيلة جدًا من السكان، وتثير مخاوف سكان العاصمة القديمة من الإهمال، كما تثير بعض المشروعات مثل مسجد الفتاح العليم جدلاً في مواقع التواصل الاجتماعي بشأن أولوية بناء مثل هذا المسجد الضخم في الصحراء بينما تحتاج البلد لآلاف المدارس ومئات المستشفيات.

مصر قد تبدو فقيرة في جانب واحد مؤكد وهو مستوى تفكير القيادات العسكرية الحاكمة والمدنية الرديفة التي لا ترى في المدنيين إلا سوقًا كبيرًا من المستهلكين

بينما يطالب المعلمون والأطباء بزيادات الرواتب لمواكبة التضخم الذي أحدثته سياسات التعويم وغيرها من السياسات الاقتصادية، تسارع الحكومة بالرد بأن لا زيادات حيث لا موارد، وبينما تهرول أجهزة الدولة التي تطالب المصريين بالتقشف لتوفير الأموال اللازمة لزيادات غير متتالية ومرتفعة لمرتبات ومعاشات العسكريين وموظفي الأجهزة الأمنية أو لمشروعات العاصمة الإدارية الجديدة، يموت المصريون في محطة مصر على الرصيف وتتفاقم حوادث السكك الحديدية، فتنشئ الحكومة مونوريل العاصمة الإدارية الجديدة وتطرح مشروعات للسكك الحديدية التي تربط سكان العاصمة الجديدة بسكان العلمين الجديدة المنتقين طبقيًا بالضرورة.

مصر قد تبدو فقيرة في جانب واحد مؤكد وهو مستوى تفكير القيادات العسكرية الحاكمة والمدنية الرديفة التي لا ترى في المدنيين إلا سوقًا كبيرًا من المستهلكين ليس لديه أي قدرة على تفهم الأوضاع ولا تحملها كما لو كانوا عسكريين، وترى الجيش دولة فوق الدولة وخارج نطاق المحاسبة من أي نوع، وترى الاقتصاد اقتصاد شنطة وكانتين داخل معسكر، يجب أن يدار بالأوامر المباشرة والربح والخسارة فقط.