استحوذت قضية إيقاف الصحافية المغربية هاجر الريسوني بتهمة "الإجهاض"، على اهتمام الشارع المغربي، ففضلًا عن كونها أعادت موضوع الإجهاض إلى الواجهة مجددًا، فإنها أكدت وفق العديد من المغاربة تراجع الحريات الفردية في البلاد وتواصل تلفيق التهم دون موجب قانوني، فما الحكاية؟

حيثيات القضية

القصة بدأت صباح السبت الماضي، حيث أوقفت الشرطة المغربية هاجر الريسوني البالغة من العمر 28 عامًا، التي تعمل صحفية في جريدة "أخبار اليوم"، وخطيبها لحظة خروجهما من عيادة طبية في حي أكدال وسط الرباط.

توقيفها تم من طرف ستة عناصر أمنية بزي مدني، دون إظهار مسوغ قانوني لعملية التوقيف وفق ما ذكر محامي الريسوني، وينص الدستور المغربي لعام 2011 الفصل 23 من الباب الثاني على أنه لا يجوز القبض على أحد إلا في الحالات وطبقًا للإجراءات التي ينص عليها القانون.

بعد يومين من الإيقاف، تم عرض هاجر وخطيبها بالإضافة إلى طبيب متخصص في أمراض النساء والتوليد، وكاتبته ومساعد طبي، على المحكمة، حيث وجه لهم القاضي لائحة التهم وهي: "الفساد والإجهاض والمشاركة في الإجهاض".

على الرغم من عدم وجود أي دليل يثبت الاتهامات الموجهة لهاجر الريسوني ونفي جميع الأطراف والتقرير الطبي التهم الموجهة لها، فقد تم رفض طلبات السراح المقدمة للجميع من دفاعهم

جاءت عملية إيقاف هاجر قبل أيام قليلة من موعد زفافها، حيث كان مبرمجًا أن يكتب عقد قرانها بـ"رفعت الأمين" يوم 14 من سبتمبر/أيلول الحاليّ، ورفعت الأمين هو باحث وناشط حقوقي سوداني، مقيم في المغرب، وسبق أن حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة محمد الخامس في الرباط.

وأشار المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان الذي يعنى بالشأن الحقوقي أن الطبيب أبلغ قاضي المحكمة أن هاجر الريسوني حضرت لديه في حالة صحية خطيرة، إذ كانت تعاني نزيفًا حادًا وتكبد في الدم، وكان لزامًا عليه أن يجري لها تدخلاً جراحيًا عاجلاً لوقف النزيف.

ووفق معلومات وثقها المركز الحقوقي الدولي، فإنه لا أحد من المعتقلين الذين اقتيدوا إلى مقر ولاية الأمن في حي حسان بمدينة الرباط اعترف بالتهم المذكورة خلال عرضهم على النيابة (وكيل الملك) وفي أثناء مثولهم أمام قاضي المحكمة.

التقرير الطبي يبرئ هاجر

إثر توجيه هذه التهمة للرسيوني، سارع موقع اليوم 24 الذي تشتغل فيه هاجر إلى نشر نسخة من الخبرة الطبية التي أجريت للصحافية هاجر الريسوني، بطلب من النيابة العامة، في المستشفى الجامعي ابن سينا بالرباط، بعد اعتقالها، الذي يثبت عدم تعرضها لأي عملية إجهاض.

وأوضحت "اليوم 24" أن التقرير الذي حصلت على نسخة منه، وينشر بإذن من المعنية بالأمر، جاء فيه أن نتيجة الخبرة الطبية التي أجريت على هاجر الريسوني، تثبت أنه لا يوجد أي أثر للملقط الطبي الخاص بالإجهاض، على رحمها، وهو الملقط الذي يستحيل إجراء عملية إجهاض دون استخدامه.

كما يوضح التقرير وفق "اليوم 24" أن هاجر كانت تعاني من نزيف في باطن عنق الرحم، وهو ما يتناغم مع التصريحات التي أدلت بها هاجر منذ اعتقالها، وأكده أيضًا الطبيب صاحب العيادة الذي يتجاوز عمره السبعين عامًا.

رغم عدم وجود أي دليل يثبت الاتهامات الموجهة لهاجر الريسوني ونفي جميع الأطراف والتقرير الطبي التهم الموجهة لها، فقد تم رفض طلبات السراح المقدمة للجميع من دفاعهم، وأحيلوا جميعهم إلى جلسة يوم الإثنين القادم، مع إيداعهم السجن.

تضامن وتنديد كبير

هذه الحادثة، خلفت ردود فعل منددة انتشرت على نطاق واسع، حيث عبرت الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، عن تضامنها مع الريسوني، منددة بحملات التشهير التي تستهدفها والعاملين بمؤسسة "أخبار اليوم" و"اليوم 24"، بعد حملات التشهير التي مستهم من جهات مجهولة تريد ربط الجريدة والموقع بالفضائح الجنسية، ضاربين بقرينة البراءة ومبادئ المحاكمة العادلة عرض الحائط.

وعبرت الشبكة الوطنية لحقوق الإنسان عن تضامنها مع هاجر الرسيوني، وقالت المنسقة الوطنية للإعلام داخل الشبكة فاطمة الزهراء كريم الله لـ"نون بوست": "اعتقال هاجر تم بطريقة تعسفية، وفيه ضرب للحريات الفردية في البلاد وضرب لحرية الصحافة والتعبير مما يعطي صورة سلبية عن الحريات بالمغرب داخليًا وخارجيًا".

التناول غير المهني لعدد من المؤسسات الإعلامية لخبر اعتقال الريسوني دفع عشرات الصحافيين، إلى إطلاق حملة إعلامية لمواجهة ما يسمونه بصحافة التشهير في البلاد

من جهته، ندد المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية للصحافة المغربية في بلاغ بهذا الخصوص، بما وصفه بحملة التشهير المغرضة وغير الأخلاقية التي تعرضت لها هاجر الرسيوني من طرف بعض المنابر الإعلامية، التي قال إنها اختارت عدم احترام مبادئ أخلاقيات المهنة في تناول هذا الملف.

بدوره، أدان الأمير هشام العلوي ابن عم العاهل المغربي الملك محمد السادس ما وصفه "حالة خطيرة" تمثل اعتداءً على الحقوق الدستورية"، واعتبر الأمير المعروف بآرائه النقدية أن "الدولة تناقضت وشعاراتها باحترام حرية الفرد والترويج للإسلام المتنور".

وقال الأمير هشام العلوي: "تعرضت مواطنة مغربية وهي السيدة هاجر الريسوني إلى اعتداء فاضح، فقد جرى اتهامها بالإجهاض بينما تقرير طبي طالب به القضاء برأها رسميًا"، وأضاف: "بالتالي، فنحن أمام حالة خطيرة وهي اعتداء على الحقوق الدستورية لهذه السيدة في بلد يرفع شعار دولة الحق والقانون". 

"صحافيون ضد التشهير وخرق قرينة البراءة"

التناول غير المهني لعدد من المؤسسات الإعلامية لخبر اعتقال الصحافية هاجر الريسوني واتهامها بالفساد والإجهاض، دفع عشرات الصحافيين المغاربة، إلى إطلاق حملة إعلامية لمواجهة ما يسمونه بصحافة التشهير في البلاد.

وانطلقت الحملة أمس الأربعاء تحت عنوان "صحافيون ضد التشهير وخرق قرينة البراءة"، مؤكدة رفض الموقعين عليها التدخل في الحياة الخاصة لعموم المواطنين، كما دعت إلى مقاطعة الصحافة التي تقتات من التشهير بالناس، وحملت توقيع عشرات الصحافيين. 

تراجع حرية الصحافة في المغرب

قالت العريضة: "تعمد عدد من المواقع الإلكترونية ووسائل الإعلام المكتوبة إلى ممارسة حملات تشهير ممنهجة ضد عدد من الأشخاص، كما لا تتوانى في خرق قرينة البراءة خلال متابعتها لعدد من القضايا المعروضة أمام القضاء، التي كان آخرها قضية الزميلة هاجر الريسوني، الصحافية بيومية (أخبار اليوم)".

وتابعت: "هذه الممارسات تمثل خرقًا لكل المواثيق الدولية ذات الصلة، فضلاً عن التشريع الوطني، ومن ذلك الفقرة الثانية من المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تنص على أنه "من حق كل متهم بارتكاب جريمة أن يعتبر بريئًا إلى أن يثبت عليه الجرم قانونيًا"، والمادة 17 من نفس العهد التي تنص على أنه "لا يجوز تعريض أي شخص، على نحو تعسفي أو غير قانوني، لتدخل في خصوصياته أو شؤون أسرته أو بيته أو مراسلاته، ولا لأي حملات غير قانونية تمس شرفه أو سمعته".

مواقع التواصل الاجتماعي تتفاعل

إلى جانب ذلك، غصت مواقع التواصل الاجتماعي بتدوينات مساندة للصحفية المغربية هاجر الرسيوني، حيث دشن العديد من النشطاء هاشتاغ "الحرية لهاجر" وأيضًا "الصحافة ليست جريمة" وكذلك "لا لإجهاض الصحافة"، للتعبير عن تضامنهم مع الرسيوني.

تحت هشتاغ "الحرية لهاجر" كتب المدون المغربي أنس السبطي تدوينة على حسابه في توتير جاء فيها: "مسلسل قمع الصحافة في المغرب مستمر عبر الاعتقال مع حملات مكثفة من التشهير والتشويه وفبركة الملفات، الضحية هذه المرة الصحفية هاجر الريسوني".

من جهتها كتبت مغربية تضع اسم خديجة معلقة على حادثة اعتقال الرسيوني: "ثم في وقت متأخرٍ جدًا تشعر أنك في مغرب الشعارات، مغرب المشروع الحداثي، مغرب حقوق الإنسان، بل مغرب كل شيء، سوى الإنسان.. أن يكون هذا المغرب كله كذبة!

واعتبر منير الجوري أن ما وقع لهاجر دليل تغول سلطوي، حيث كتب تدوينة جاء فيها: "ما وقع مع الإعلامية هاجر الريسوني دليل تغول  سلطوي، عناصره تلفيق التهمة والتشهير الكاذب على يد "إعلام السلطة" من أجل إسكات الأحرار".