الرئيس الإيراني ووزير خارجيته خلال تفقده لمعامل التخصيب النووي

أعلن المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية بهروز كمالوندي، أمس السبت، عزم بلاده تنفيذ المرحلة الثالثة من خفض تعهدات طهران النووية إزاء عدم وفاء الأطراف الأوروبية بالتزاماتها في إطار الاتفاق النووي، لافتًا إلى أن الوكالة سترفع تقارير عما اتخذته إيران من خطوات وأن جميع الدول ستعلم بها، موضحًا: "طالما أن الأطراف الأخرى لا تفي بالتزاماتها فلا تتوقعوا أن تفعل إيران ذلك".

وكان الرئيس الإيراني حسن روحاني قد أعلن في ختام اجتماع رؤساء السلطات الثلاثة، مساء الأربعاء، أن بلاده ستبدأ الجمعة الخطوة الثالثة لخفض التزاماتها النووية إزاء عدم تنفيذ الأوروبيين التزاماتهم في إطار الاتفاق، إضافة إلى 11 التزامًا آخر وعدت بتنفيذها بعد خروج أمريكا من الاتفاق.

تأتي هذه الخطوة بعد انتهاء المهلة التي منحتها طهران بشكل رسمي لأطراف الاتفاق في الـ7 من يوليو الماضي حين أعلنت رسميًا بدء تنفيذ المرحلة الثانية من تقليص تعهداتها، وذلك بتخطيها نسبة تخصيب اليورانيوم إلى أكثر من 3.67%، وهو الحدّ المسموح به في الاتفاق، حيث منحت الأوروبيين مهلة جديدة مدتها 60 يومًا إضافية، قبل أن تقدم على تنفيذ المرحلة الثالثة، معربة حينها عن أملها أن "تتوصل إلى حل حتى لا تضطر إلى تنفيذ هذه المرحلة".

تحركات تأتي في إطار التصعيد الإيراني لحرب الوجود التي تخوضها ضد واشنطن، حفاظًا على استقلالها وسيادتها، فيما يذهب آخرون إلى أنها مناورة سياسية تهدف إلى مزيد من الضغط على شركاء الاتفاق الأوروبيين، لدفع الجانب الأمريكي لإعادة النظر في قرار الانسحاب الأحادي والتحايل لتخفيف تبعات العقوبات الاقتصادية المفروضة على الإيرانيين.

تصعيد إيراني

المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، في مؤتمر صحافي له، لإعلان تفاصيل الخطوة الثالثة لخفض إيران التزاماتها النووية اليوم السبت، قال "الصناعة النووية لدينا حتى ضمن الاتفاق النووي ستصل إلى الأهداف المرسومة لها، وهناك 82 بندًا في الاتفاق النووي تتعلق بالرقابة على البرنامج النووي"، مؤكّدًا أن ليس لدى بلاده أي التزام بالنسبة إلى مستوى تخصيب اليورانيوم.

وأضاف أن موقف بلاده جاء ردًا على انتهاكات واشنطن للاتفاق النووي، معتبرًا أن هذه الإجراءات تأتي في إطار سعي طهران لإيجاد توازن بين حقوقها والتزامات الطرف المقابل في الاتفاق، وأنه لم يعد أمام بلاده الآن أيّ التزام بشأن مستوى تخصيب اليورانيوم.

كما كشف بعض التفاصيل المتعلقة بالمرحلة الثالثة لا سيما فيما يتعلق بأجيال أجهزة الطرد المركزي التي من المتوقع أن تدخل حيز التشغيل الشهر المقبل على حد قوله، مؤكدًا أن طهران لديها القدرة على تخصيب اليورانيوم بنسبة تتجاوز 20%.

فيما ذهب إلى أن وكالة الطاقة الذرية الإيرانية بدأت تشغيل عشرين جهازًا من نوع "IR4" وعشرين جهازًا آخر من نوع "IR6"، بينما لا يسمح الاتفاق النووي الموقع في 2015، لإيران في هذه المرحلة بإنتاج اليورانيوم المخصب إلا بأجهزة للطرد المركزي من الجيل الأول (IR1).

وأضاف "لقد قمنا يوم أمس بأربعة إجراءات أحدها بشأن البند 39 وأجهزة الطرد المركزي التي مثلما تستخدم بعملية البحث والتطوير فإنها تساعدنا في مراكمة المخزون، ولو أخذنا بنظر الاعتبار أن طاقة هذه الأجهزة تبلغ عدة مرات الأجهزة العاملة حاليّا فذلك يعني أن المئات وربما الآلاف من هذه الأجهزة قيد التركيب ستساعدنا في زيادة المخزون، وهو أمر أنجز يوم أمس وأطلعنا الوكالة الدولية للطاقة الذرية عليه اليوم.

وتابع: "أجهزة الطرد المركزي "IR6" التي كان من المفروض ضخ الغاز فيها في العام الـ11 من الاتفاق النووي (بعد 7 أعوام تقريبًا)، قد بدأنا بضخ الغاز فيها فضلاً عن "IR6" ساب التي كان من المقرر ضخ الغاز فيها في ذلك الوقت"، مشيرًا إلى أنه كان من المقرر أيضًا تدشين سلسلة عشرينية من أجهزة الطرد المركزي "IR4" حسب الملحق 1 من البند 35 من الاتفاق النووي بداية العام الـ11 منه، وأنه قد أنجز الآن.

يأتي هذا التصعيد بالتزامن مع الزيارة المرتقبة التي من المقرر أن يقوم بها القائم بأعمال مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية لطهران، غدًا الأحد، حيث سيجتمع مع مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى، فيما أوضحت الوكالة أن الزيارة تندرج في إطار التواصل القائم بينها وإيران، مضيفة أن هذا التواصل يشمل عملية "التحقق والمراقبة التي تقوم بها الوكالة في إيران بموجب اتفاق فيينا بشأن برنامج طهران النووي".

طهران تهدد بتشغيل أجهز الطرد المركزي

رفض أمريكي

الجانب الأمريكي وعلى لسان وزير الخارجية مايك بومبيو، اعتبر أن قرار إيران تنفيذ المرحلة الثالثة من تقليص التزاماتها الواردة في الاتفاق النووي هو أمر "مرفوض"، مطالبًا الأوروبيين بـ"إنهاء الابتزاز" الذي تمارسه طهران.

الوزير في تصريحات أدلى بها لإذاعة محلية خلال زيارة إلى ولاية كنساس، قال: "أعلنوا للتو أنهم سيواصلون القيام بمزيد من الأبحاث والتطوير لأنظمتهم العسكرية النووية. هذا أمر مرفوض"، كما أضاف، في تغريدة أخرى عبر "تويتر": "احتفاظ إيران بقدرة كبيرة على تخصيب اليورانيوم يؤكد ضعفًا بنيويًا في الاتفاق الإيراني".

علاوة على ذلك فقد أعرب عن أمله في أن تنجح جهود الوساطة في التوصل إلى حل مرضي، ومن دون أن يشير مباشرة إلى المبادرة الفرنسية التي يبدو أنها لا تزال تصطدم برفض أمريكي، أبدى "ثقته" بإمكان التوصل إلى حل دبلوماسي، مضيفًا: "نحن واثقون بأن المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، وهي أمم متحضرة، ستتخذ إجراءات حاسمة لوضع حد للابتزاز النووي الذي تمارسه إيران".

وقال: "منذ أشهر، يقول الرئيس دونالد ترامب إنه مستعد للقاء القادة الإيرانيين من دون شروط مسبقة"، وأضاف "نحن واضحون جدًا بالنسبة إلى النتيجة التي نسعى إليها في حال إجراء مباحثات"، مكررًا تنديده بـ"حملات الإرهاب" التي تقوم بها إيران في العالم، وببرنامجها "المرفوض" للصواريخ البالستية.

قلق أوروبي

حالة من القلق خيمت على الأجواء الأوروبية بعد إعلان طهران بدء المرحلة الثالثة، حيث أعربت وزارة الخارجية البريطانية، عما وصفته "خيبة أملها" من خطة إيران لاتخاذ خطوة أخرى تخالف التزاماتها في الاتفاق الموقع عام 2015 بالبدء في تطوير وحدات للطرد المركزي بهدف تسريع وتيرة تخصيب اليورانيوم.

الوزارة في بيان لها، الخميس الماضي، قالت: "خطة إيران لوقف العمل بموجب الحدود المفروضة على البحث والتطوير النووي مقلقة للغاية"، مضيفة "تلك الخطوة الثالثة المخالفة لالتزاماتها في الاتفاق النووي مخيبة للآمال بشكل خاص إذ تأتي في وقت نعمل فيه نحن وشركاؤنا الدوليون بقوة لخفض تصعيد التوتر مع إيران".

وفي الإطار ذاته دعت وزارة الخارجية الفرنسية إلى الامتناع عن أي عمل ملموس لا يتوافق مع التزامات طهران بالاتفاق النووي بعد أن قالت إنها ستطور أجهزة طرد مركزي لتخصيب اليورانيوم بشكل أسرع، حيث قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية أغنيس فون دير مول للصحفيين في مؤتمر صحفي عقدته عبر الشبكة العنكبوتية: "يجب على إيران الامتناع عن أي عمل ملموس لا يتماشى مع التزاماتها وقد يعوق جهود التصعيد"، مضيفة أن باريس ستدرس الإعلان الإيراني مع شركائها والوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وساطة فرنسية للتوصل إلى صيغة مشتركة بشأن الاتفاق النووي

لا حوار قبل احترام التعهدات

وفي المقابل أرجع محمد كاظم سجاد بور، مساعد وزير الخارجية الإيراني، أزمة بلاده مع الولايات المتحدة إلى قرار دونالد ترامب بالانسحاب من الاتفاق المبرم في 2015 ووقعته أطراف متعددة بإشراف الأمم المتحدة، مشددًا في الوقت ذاته على ما قاله الرئيس حسن روحاني، الأربعاء الماضي، حين قال: "إذا عاد الطرف الآخر للوفاء بتعهداته فسنعود إلى الالتزام بتعهداتنا".

وأضاف في تصريحات أدلى بها لبرنامج "بلا حدود" المقدم على شاشة "الجزيرة" أن طهران لن تتفاوض مع دولة لم تحترم ما تعهدت به، مشيرًا بذلك إلى أمريكا، واستبعد أن يكون هناك لقاء قريب بين رئيسي البلدين قبل عودة واشنطن إلى الالتزام بشروط الاتفاق النووي، وإذا حصل مثل هذا اللقاء فإنه لن يكون "من أجل التقاط الصور".

وفي الإطار ذاته كشف أنه من المبكر الحديث عن نجاح الوساطة الفرنسية لأن المحادثات ما زالت جارية، ولأن إيران لا يمكنها أن تخضع للعقوبات بينما يُطلب منها - في ذات الوقت - الالتزام بتعهداتها ضمن الاتفاق الذي نقضته أمريكا، واصفًا ما يحدث الآن بأنه "إرهاب اقتصادي يمارس ضد الشعب الإيراني".

وفي سياق التصعيد، حذر القائد العام للجيش الايراني اللواء عبد الرحيم موسوي" القوى الأجنبية من أنها ستكون في وضع غير آمن للغاية في حالة إيجاد أي توتر وزعزعة للأمن في المنطقة، وذلك في إشارة لما يثار بشأن احتمالية توجيه ضربة عسكرية لطهران عن طريق التحالف الذي تدعو أمريكا و"إسرائيل" لتدشينه في المنطقة لتقويض النفوذ الإيراني.

الكاتب المتخصص في الشأن الإيراني، أسامة الهتيمي يعتبر أن ما تقوم به طهران خطوة في سياق الضغط على أمريكا وأوروبا، لافتًا في تصريحات له أن الرفض الإيراني للمقترح الفرنسي يأتي في إطار التكتيك الإيراني في التعاطي مع الغرب وانتزاع أكبر قدر ممكن من الامتيازات المفترضة، والتي لا يمكن للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بطبيعة الحال أن يعلنها جملة واحدة، كون أنه نفسه أحد المنتمين للطرف المنافس لإيران الذي يسعى هو الآخر إلى التقليل من سقف الطموحات الإيرانية ومكاسبها، لأن ذلك في نهاية الأمر يضر بمصالح الغرب ومن بينها فرنسا في المنطقة.

وأضاف الهتيمي لـ"نون بوست" أن الغرب الذي يعاني من القلق والتوتر بعد إعلان المرحلة الثالثة من تقليص الالتزامات بات أمام خيارين لا ثالث لهما، إما تقديم المزيد من التنازلات للجانب الإيراني، أو التماهي مع التصعيد الذي ستكون نهايته مؤلمة للجميع، الأمر الذي يرجح أن يضطر الرئيس الفرنسي أو غيره ممن يتحملون عبء الوساطة في نهاية الأمر إلى تقديم تنازلات جديدة، ربما تكون مرضية إلى حد كبير للطرف الإيراني.