أموال المقاصة هي كلمة السر الجديدة في الأزمة الحالية بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، يتضرر منها الطرفان بشكل واضح، فالسلطة الفلسطينية التي تعاني أزمة مالية حادة بعد رفض تسلمها إيرادات المقاصة منقوصة بعد اقتطاع الاحتلال الإسرائيلي أجزاء منها تحت ذرائع مختلفة، بدأت تعالج أزمتها المالية بأزمات جديدة دفعتها للاستدانة من البنوك الفلسطينية مما راكم الدين الإجمالي المحلي عليها، في حين تشوب تخوفات في المستوى الأمني والسياسي داخل الاحتلال الإسرائيلي من انهيار السلطة والأوضاع الأمنية في الضفة الغربية نتيجة الأزمة المالية الحادة للسلطة.

تساؤلات كبيرة تطرح في سياق تعنت الاحتلال الإسرائيلي صرف إيرادات المقاصة للسلطة الفلسطينية كاملة دون اقتطاع. هل فعلاً يفكر الاحتلال في حل السلطة الفلسطينية؟ وهل ستنجح السلطة بالانفكاك تدريجيًا عن اقتصاد الاحتلال الإسرائيلي وسيطرته؟ ومن سيقبل أنصاف الحلول المالية الجديدة التي يطرحها الاحتلال الإسرائيلي على السلطة الفلسطينية لفرض سيطرته على إيرادات السلطة خصوصاً المقاصة التي تمثل قرابة 65٪ من موازنة السلطة؟

أقر الاحتلال الإسرائيلي إعفاء السلطة الفلسطينية من دفع ضريبة الوقود الذي تشتريه منها، وتطبيق الاتفاق بأثر رجعي على الأشهر السبعة الماضية ابتداء من يناير 2019، لتفرض السلطة الفلسطينية ضرائب على المستهلكين الفلسطينيين، خوفاً من انهيارها مالياً.

كشف شلومو إلدار أن الاحتلال الإسرائيلي حوّل قرابة 570 مليون دولار ضمن ضريبة "البلو" على الوقود بناء على مشورة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية لمنع انهيار السلطة، وقد حذر مسؤولون أمنيون المستوي السياسي في الاحتلال الإسرائيلي من أن التنسيق مع أجهزة المخابرات والشرطة التابعة للسلطة الفلسطينية تحت التهديد.

وأضاف إلدار أن "نمو الاقتصاد الفلسطيني مصلحة إسرائيلية، فالسلطة الفلسطينية مرتبطة اقتصاديًا في "إسرائيل"، وللأخيرة مصلحة اقتصادية وأمنية في استقرار ونمو الاقتصاد الفلسطيني". محذرًا من انهيار السلطة، وعلى ما يبدو أن هناك توجه في المستوى السياسي داخل الاحتلال الإسرائيلي في الفترة التي ستلي الانتخابات الحالية الداخلية في سبتمبر الحالي لإعادة فتح ملف بروتوكول باريس الاقتصادي للنقاش والإعفاءات الضريبية المختلفة للسلطة الفلسطينية.

وقد أقر الاحتلال الإسرائيلي إعفاء السلطة الفلسطينية من دفع ضريبة الوقود الذي تشتريه منها، وتطبيق الاتفاق بأثر رجعي على الأشهر السبعة الماضية ابتداء من يناير 2019، لتفرض السلطة الفلسطينية ضرائب على المستهلكين الفلسطينيين، خوفاً من انهيارها ماليًا.

الاحتلال يسعى للتحكم في مسار إيرادات السلطة المالية وقرارها

قد يبدو قبول الاحتلال الإسرائيلي في تطبيق التفاهمات التي لم يلتزم بها وفق اتفاق باريس الاقتصادي، أو النقاش حولها مع السلطة الفلسطينية وفق تسهيلات مالية واقتصادية جديدة في ظاهره مدخلًا جيدًا لتحسين إيرادات السلطة المالية، لكن في حقيقته يزيد ربط الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي، وجعل الموارد المالية تحت سيادة الاحتلال الإسرائيلي بشكل أكبر في الوقت الذي تدعو فيه السلطة الفلسطينية لانفكاك الاقتصاد هروباً من حالة التبعية التي خلفت التشوه الكبير في الاقتصاد الفلسطيني وموارده المالية منذ نشأتها.

لم يتوقف ابتزاز الاحتلال الإسرائيلي للسلطة الفلسطينية في اقتطاع مبالغ مالية من أموال المقاصة التي تحولها السلطة لعوائل الشهداء والأسرى الفلسطينيين بل اقتطع الاحتلال الإسرائيلي بقرار من المحكمة الإسرائيلية

إن الحل الأمثل للسلطة الفلسطينية عدم القبول بأنصاف الحلول، أو التحسينات المؤقتة التي تعزز تبعيتها المالية أكثر للاحتلال الإسرائيلي، بعد إيقاف المساعدات الأمريكية للسلطة الفلسطينية، وتخفيض المساعدات الدولية لها، وعلى ما يبدو أن الخطة الأمريكية والإسرائيلية القادمة هي إرهاق السلطة الفلسطينية ماليًا إما برفع الدين العام والخاص عليها بشكل لا تستطيع منه الانفكاك عن الاقتصاد الإسرائيلي، أو ربط مواردها المالية تمامًا بما يقدمه لها الاحتلال الإسرائيلي دون سيادة السلطة على الأرض أو المعابر، وهذا قد يدخل السلطة في أزمة تبعية أكثر تعقيدًا من شكلها الحالي، ولعل شبكة الأمان المالي العربية التي دعت إليها السلطة الفلسطينية تشكل جدار أمان مؤقت أمام ابتزاز الاحتلال الإسرائيلي للسلطة الفلسطينية، لكنها لم تتحقق بعد.

ولم يتوقف ابتزاز الاحتلال الإسرائيلي للسلطة الفلسطينية في اقتطاع مبالغ مالية من أموال المقاصة التي تحولها السلطة لعوائل الشهداء والأسرى الفلسطينيين بل اقتطع الاحتلال الإسرائيلي بقرار من المحكمة الإسرائيلية في تاريخ 15-8-2019 ما يعادل 3.6 مليون دولار  لصالح 51 شخص فلسطيني هربوا للاحتلال الإسرائيلي تتهمهم السلطة الفلسطينية بالتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي كـ "عملاء" منذ بداية التسعينات ومطلع الألفينات، وكانوا فروا إلى داخل الاحتلال الإسرائيلي من سجون السلطة الفلسطينية خلال عملية السور الواقي عام 2002، وهو ما أثار غضب السلطة الفلسطينية، وشكل ابتزازًا أكبر للفلسطينيين كرسالة جديدة للسلطة من قبل الاحتلال "نحن من يتحكم في مسار أموال المقاصة، والثوار أو عائلاتهم، وكل من يتجه نحو الكفاح المسلح أو يخل بالأمن الإسرائيلي ليس له حصة من الإيرادات".

أمام موقف الرئيس الفلسطيني محمود عباس والسلطة الفلسطينية رفض استلام إيرادات المقاصة مقطوعاً منها أي مبالغ هناك تخوفات من بلورة أنصاف حلول يقبل بها فاعلون جدد في السلطة بعد مرحلة الرئيس عباس

تجدر الإشارة أن إيرادات المقاصة هي حق للسلطة الفلسطينية يجبيها الاحتلال الإسرائيلي نيابة عنها، كضريبة على الصادرات والواردات الفلسطينية نظرًا لسيطرة الاحتلال على المعابر البحرية والبرية الفلسطينية، وفق اتفاق باريس الاقتصادي، لكن ليس من حق الاحتلال اقتطاع أي مبالغ مالية منها لاعتبارات سياسية دون الرجوع للسلطة.

من يستعد للقبول بالصفقة الجديدة؟

أمام موقف الرئيس الفلسطيني محمود عباس والسلطة الفلسطينية رفض استلام إيرادات المقاصة مقطوعاً منها أي مبالغ هناك تخوفات من بلورة أنصاف حلول يقبل بها فاعلون جدد في السلطة بعد مرحلة الرئيس عباس، تتضمن إغراءات مالية وتسهيلات جديدة أو تعديلات على اتفاق باريس الاقتصادي، وهو ما يجعل موازنة السلطة ونفقاتها العامة خصوصاً رواتب الموظفين العموميين مرتبطة تماماً بقرار الاحتلال الإسرائيلي من حيث الكم أو الكيف ومواعيد الصرف ونسبها، قد يدفع الاحتلال الإسرائيلي مستقبلاً مطالبة السلطة بإعادة هيكلة مؤسساتها المالية وموازنتها كشرط للإفراج عن إيرادات المقاصة، وهو ما يعني التحكم في القرار المالي أيضاً للسلطة الفلسطينية، ومسار تنمية الاقتصاد الفلسطيني بالكامل، وهنا تصبح السلطة الفلسطينية تؤدي دوراً وظيفياً إدارياً دون أي محتوى سياسي.

وفق اتفاق باريس الناظم للعلاقة الاقتصادية بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي فإنه "من حق كل طرف أن يلجأ لهذه المحكمة لحل الخلافات المالية"

وفي الوقت الذي قال فيه الناطق باسم الحكومة الفلسطينية إبراهيم ملحم إن "السلطة الفلسطينية قرّرت التوجه إلى المحكمة العليا للتحكيم الدولي، من أجل استرداد أموال المقاصة التي قرصنتها إسرائيل، وتحتجزها منذ أكثر من 4 أشهر"، كشف وزير المالية الفلسطينية شكري بشارة أن الحكومة الفلسطينية وصلت إلى حد الاقتراض الأقصى من البنوك العاملة في السوق المحلية لإدارة أزمة المقاصة الحالية، وهو ما خلق أزمة سيولة لدى تلك المصارف، وقد وصل حد الاقتراض وفق اتفاق بين وزارة المالية الفلسطينية وسلطة النقد سقف 500 مليون دولار، لتوفير النفقات العامة وفاتورة رواتب الموظفين العموميين.

وأضاف ملحم: "حاولنا من خلال وسطاء التواصل مع إسرائيل من أجل الإفراج عن أموال المقاصة، لكنها رفضت، وعندما تطورت المواجهة المالية، قررنا البدء جديًا بالمواجهة القانونية مع الجانب الإسرائيلي، لذلك سنتوجه للمحكمة خلال أيّام".

ووفق اتفاق باريس الناظم للعلاقة الاقتصادية بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي فإنه "من حق كل طرف أن يلجأ لهذه المحكمة لحل الخلافات المالية".

وتسعى السلطة الفلسطينية حالياً للانفكاك تدريجياً عن الاقتصاد الإسرائيلي، فقد أوقفت التحويلات الطبية للمرضى الفلسطينيين إلى المستشفيات الإسرائيلية واستبدلتها بالمستشفيات الأردنية والمصرية والعربية، إضافة لتصريحات رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتيه أن الحكومة الفلسطينية: " لن تسمح لأي بضاعة منافسة أن تدخل الأراضي الفلسطينية، وخصوصًا البضاعة الإسرائيلية"

ويبلغ المعدل الشهري لإيرادات أموال المقاصة الفلسطينية من الاحتلال الإسرائيلي ما بين 193.7 -199.4 مليون دولار.

ما يحصل حالياً يتضمن الإذابة الناعمة للموارد المالية للسلطة الفلسطينية من الداخل، من خلال إيرادات المقاصة أو رفع إيرادات الجباية المحلية، ما يرهق السلطة الفلسطينية

وقد ورد في التقرير المالي لوزارة المالية الفلسطينية خلال العام 2019 (على أساس الالتزام) أنه بسبب القرصنة الإسرائيلية والاختلال من الأموال والحقوق الفلسطينية، رفضت السلطة الفلسطينية استلام أموالها المستحقة وحقوقها غير المكتملة عن الشهور من فبراير 2019 حتى الآن.

وتجدر الإشارة إلى أن إجمالي الدين المحلي (نتيجة الاقتراض من البنوك) حتى نهاية يوليو الماضي بلغ قرابة مليار و700 مليون دولار، مقارنة مع مليار و280 مليون دولار في فبراير الماضي، في حين بلغ إجمالي الدين الخارجي على الحكومة الفلسطينية قرابة 1.07 مليار دولار حتى نهاية يوليو الماضي، مقارنة مع 1.05 مليار دولار في فبراير الماضي.

 وأمام هذا العجز الكبير لا تجد السلطة أي إيرادات مالية مع وقف المساعدات الأمريكية وتقنين المساعدات الدولية، إضافة لاستحالة رفع ضريبة الجباية المحلية في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون ما يدفع السلطة لإعلان إفلاسها.

إن ما يحصل حاليًا يتضمن الإذابة الناعمة للموارد المالية للسلطة الفلسطينية من الداخل، من خلال إيرادات المقاصة أو رفع إيرادات الجباية المحلية، ما يرهق السلطة الفلسطينية للقبول بحلول تمنع انهيارها، أو تمرير "صفقة القرن".

هناك سيناريوهان يسعى الاحتلال الإسرائيلي لفرضهما على السلطة: أولهما قبول الأخيرة بالتحسينات الاقتصادية والتسهيلات بما يشمل تعديل اتفاق باريس الاقتصادي والموافقة على اقتطاع إيرادات المقاصة لاعتبارات سياسية وهو ما يمنع انهيار السلطة، ويدمجها وفق "صفقة القرن" وهنا قد يوافق فاعلون سياسيون يصدّرهم الاحتلال الإسرائيلي لمراكز صناعة القرار الفلسطينية بعد مرحلة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ما يعني أن تصبح السلطة الفلسطينية "إدارة مدنية" تؤدي دورًا إداريًا منزوع السياسي، يتحكم الاحتلال الإسرائيلي بكل تفاصيله السياسية والاقتصادية، وهو ما يرفضه المستوى الرسمي الفلسطيني.

والسيناريو الآخر إعادة احتلال الضفة الغربية بالكامل بعد الدخول في حالة أمنية معقدة، يثور خلالها الفلسطينيون تبتدأ من حراك اجتماعي بسبب الأزمة المالية للسلطة، وتتجه نحو حراك مسلح، ولا أعتقد أن السلطة وفق اتفاقياتها الأمنية مع الاحتلال الإسرائيلي قادرة على اتخاذ المناورة التي سار بها الرئيس الفلسطيني الراحل  ياسر عرفات في الانتفاضة الثانية عبر المواجهة العسكرية التي شاركت فيها الأجهزة الأمنية الفلسطينية، مما يفجر حراكًا شعبويًا سيكون أكثر تعقيدًا من شكله السابق في انتفاضة الأقصى الثانية قد يتسارع نحو التسلح.