بكثير من الأمل والإصرار، خرج المعلمون الأردنيون إلى شوارع العاصمة عمان ومحافظات أخرى في أنحاء المملكة، للمطالبة بالعلاوة التي يبلغ قدرها 50% من الراتب الأساسي، بدعوة من نقابة المعلمين التي عجزت عن التوصل إلى حل مع الحكومة الأردنية بشأن هذا المطلب. إذ كانت النقابة قد طالبت بما سمي بـ "علاوة الطبشورة" منذ 5 أعوام، على اعتبار أنه "مطلب حق ومستحق، وقد تم الاتفاق عليه، لكن الحكومة نكثت اتفاقها"، بحسب تصريحها.

لم تكن هذه المرة الأولى التي تقف بها النقابة وجهًا لوجه مع الحكومة الأردنية، ولكنها الحادثة الأولى التي تلجأ فيها الأجهزة الامنية إلى استخدام العنف والقوة مع المعلمين المعتصمين في عهد حكومة عمر الرزاز، ما خيب آمال المواطنين الذين شاركوا في الاحتجاجات التي أسقطت حكومة هاني الملقي، الأمر الذي صاعد مطالب الاحتجاجات بإسقاط الرزاز واستقالة وزير الداخلية سلامة حماد السحيم ومحاسبته، وذلك على خلفية تعامل الأجهزة الأمنية مع الاحتجاجات التي نظمها المعلمون.

وعود مهملة.. كيف علقت الحكومة آمال المعلمين؟

في عام 2014، أعلن آلاف المعلمين الأردنيين إضرابًا مفتوحًا عن العمل بسبب مماطلة الحكومة وتسويفها في تحقيق مطالبهم وحقوقهم التي شملت تعديل نظام الخدمة المدنية، وتحسين خدمات التأمين الصحي، وإحالة صندوق الضمان لهيئة مكافحة الفساد، وإصدار تشريعات رادعة بشأن الاعتداء على المعلم، وإقرار زيادة علاوة المهنة من 100% إلى 150%، وسن قوانين لحماية المعلم ونظام المؤسسات التعليمية الخاصة.

وبعد أسبوعين من تعليق الدراسة، تم الاتفاق مع الحكومة على بعض المطالب، ولم تكن "علاوة الطبشورة" إحداها. علل وزير التربية والتعليم السابق، محمد الذنيبات هذا الاستثناء المحبط، كالتالي: "لا نستطيع النظر في العلاوة أو الالتزام بأي مبلغ حاليًا أو مستقبليًا نظرًا لعجز الموازنة المتراكم وصعوبة قراءة المستقبل، وفي حال تحسن الوضع المالي للموازنة ستكون الأولوية للمعلم". ولكن أشار نقيب المعلمين آنذاك، حسام المشة، إلى موافقة الحكومة على جدولة العلاوة وفق مدد زمنية محددة تصل وبنسبة تبلغ 50%. وعلى هذا الأساس تم استئناف انتظام التدريس وعودة جميع المعلمين للعمل.

بدأت النقابة بتوجيه مطالبها للحكومة بعد عام واحد فقط من إنشائها، فلقد نظمت أولى اعتصامتها على الإطلاق في عام 2012 بعد إقرار الحكومة هيكلة جديدة لرواتب المعلمين، حيث ضمت الخطة تخفيض علاوة التعليم

جدير بالذكر أن نقابة المعلمين تأسست عام 2011 على إثر احتجاجات واعتصامات طويلة للمعلمين فجرها تصريح لوزير التربية والتعليم الأسبق، إبراهيم بدران، الذي قال: "على المعلمين حلاقة ذقونهم والاهتمام بملابسهم بدلًا من المطالبة بنقابة لهم"، ما أثار سخط المعلمين وزاد من حدة ضغطهم على الحكومة لتأسيسها، الأمر الذي انتهى بإنشاء النقابة بعد غياب دام نحو 6 عقود، فلقد تأسست أول نقابة للمعلمين في مطلع الخمسينيات وألغيت عام 1956، ومع ذلك لم تتوقف محاولات التأسيس منذ ذاك الوقت.

وحين نجحت في نيل حقها، سرعان ما تسلمت النقابة مهامها وتحملت مسؤولياتها المهنية، إذ بدأت بتوجيه مطالبها للحكومة بعد عام واحد فقط من إنشائها، فلقد نظمت أولى اعتصامتها على الإطلاق في عام 2012 بعد إقرار الحكومة هيكلة جديدة لرواتب المعلمين، حيث ضمت الخطة تخفيض علاوة التعليم من 100% إلى ما بين 60% و70%، وهو ما استفز المعلمين الذين رؤوا بأنها سياسة جديدة لزيادتهم فقرًا.

"لا حق للتعبير"

في كل مرة، اعتادت الحكومة الأردنية تجييش الرأي العام ضد نقابة المعلمين وشن هجمات إعلامية شرسة ضد المعلمين لدرجة تصل إلى التشكيك في دوافعهم، كما حاولت السلطات مرارًا تسييس هذه احتجاجاتهم وتحميلهم مسؤولية تعطل نظام التدريس، كجزء من حملة التشويه والتلاعب بالحقائق التي تتبعها منذ تأسيس النقابة.

وعلى الرغم من إدراك المعلمين المحتجين لهذه التبعات، لم يتراجعوا عن المطالبة في حقوقهم، لكنهم صُدموا هذه المرة بمعاملة الأجهزة الأمنية لهم، ولا سيما أن احتجاجات الدوار الرابع عام 2018، بثت الكثير من الأمل في نفس المواطنين الذين ظنوا بأنهم استطاعوا من خلال احتجاجاتهم السلمية امتصاص أجواء العنف والقمع في المملكة، فلقد تداولت وسائل الإعلام حينها صور وفيديوهات يظهر فيها المحتجين وقوات الأمن والدرك وهما يوزعون المياه قبل أذان الفجر ويتناولون وجبة السحور من طبق واحد.

حدثت احتكاكات بين الأجهزة الأمنية والمعلمين الذين يحاولون الوصول إلى دوار الرابع، وتصديًا لهذه المحاولات أطلقت قوات الأمن قنابل غاز مسيلة للدموع لتفريقهم واعتقلت أكثر من 50 معلم، كما اعتدت بالضرب المبرح على آخرين

ولكن، اختفى الطابع السلمي عن هذه الاحتجاجات، فبعد أن أعلنت النقابة عن نيتها في الإضراب والاعتصام على الدوار الرابع، منعت وزارة الداخلية تدفق المعلمين إلى الدوار وسمحت لهم بالوقوف في الساحة المقابلة لمجلس النواب في منطقة العبدلي. كما منعت بعض الحافلات التي استأجرتها نقابة المعلمين للتوجه إلى العاصمة والمشاركة بالوقفة الاحتجاجية وأغلقت طرق وشوارع، وتوسط هذه الإجراءات تكثيف مخيف للحواجز الأمنية لإعاقة المعلمين من الوصول إلى منطقة التجمع.

في هذه الأثناء، حدثت احتكاكات بين الأجهزة الأمنية والمعلمين الذين يحاولون الوصول إلى دوار الرابع، وتصديًا لهذه المحاولات أطلقت قوات الأمن قنابل غاز مسيلة للدموع لتفريقهم واعتقلت أكثر من 50 معلم، كما اعتدت بالضرب المبرح على آخرين وتسببت بجروح وكدمات واضحة على أجسادهم، بالرغم من التزام المحتجين بالسلمية والقانونية.

في هذا الخصوص، قال أحد المعلمين خلال المؤتمر الصحفي للنقابة عن انتهاكات تعرض لها هو وزملاؤه المعلمون لحظة اعتقالهم من قبل الأجهزة الأمنية، إذ قال إنه تم نقله وباقي المعلمين الموقوفين بمركبة لا تليق بنقل المواشي إلى المركز الأمني، وأخذت هواتفهم والساعات قبل أن يتم تجريدهم من ملابسهم وتعريتهم هناك لأكثر من عشرين دقيقة. الأمر الذي أخذ الاحتجاجات إلى منعطف أكثر حدة ولا سيما بعد إعلان نقابة المعلمين التي قالت بأن "مجلس النقابة لن يسمح بعودة المعلمين وقد هُدرت كرامتهم بهذا الشكل".

وعلى ذلك، تم الإعلان عن إضراب مفتوح عن العمل وحتى الحصول على علاوة مالية مطلوبة ومحاسبة المسؤول عن الاعتداءات والإهانات التي تعرض لها المعلمون خلال الاحتجاجات، وخاصةً وزير الداخلية سلامة حماد السحيم، وذلك وسط تأييد الشارع الأردني الواقعي والافتراضي لحقوقهم، فلقد تصدر وسم "مع المعلم" و"إضراب المعلمين" مواقع التواصل الاجتماعي في الأردن، كجزء من مناصرة قضيتهم.