أدت حكومة عبدالله حمدوك، أول حكومة سودانية بعد الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير في إبريل الماضي، اليمين الدستورية، أمام رئيس المجلس السيادي، الفريق عبدالفتاح البرهان، أمس الأحد، في القصر الرئاسي بالخرطوم.

الحكومة المؤلفة من 18 وزيرًا من بينهم 4 نساء من المقرر أن تحكم البلاد بموجب اتفاق لتقاسم السلطة بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، وذلك لفترة انتقالية تقدر بـ 39 شهرًا، يودع من خلالها السودانيون حكم العسكر الذي جثم على صدورهم أخر 3 عقود.

حالة من التفاؤل تخيم على الكثيرين مع التصريحات الأولى التي أدلى بها رئيس الوزراء السوداني، مساء الخميس، بأن بلاده ستبدأ مرحلة جديدة عبر حكومة تعمل بشكل متناغم ومتكامل، مُحددًا أولوياتها في وقف الحرب وإرساء السلام في السودان، غير أن حزمة من التحديات المتوقعة لا شك وأنها ستجعل السنوات الثلاث القادمة ليست مجرد نزهة سياسية.

حكومة المرحلة

بعد تشارو استمر لأكثر من أسبوعين بين حمدوك وقوى الحربة والتغيير، تم التوصل إلى التشكيلة المتوقعة التي من المفترض أن يخوض بها السودان الماراثون السياسي خلال المرحلة المقبلة، وذلك بعدما التزم رئيس الحكومة بأربعة معايير أساسية في الاختيار، على حد قوله.

المعايير تعلقت بالكفاءة كشرط أول، وتمثيل أقاليم السودان كشرط ثان، والتمثيل العادل للنساء ثالثاً، وأخيراً معيار تمثيل الشباب، إلا أنه وفي المقابل فإن اثنين من الوزراء تم اختيارهم بعيدًا عن رئيس الحكومة، هما الجنرال جمال عمر للدفاع، والفريق شرطة الطريفي إدريس للداخلية، وذلك طبقاً للوثيقة الدستورية التي تمنح أعضاء المجلس السيادي من العسكريين حق ترشيحهما، ويشكل وجودهما مخاوف من عدم انسجامهما مع بقية أعضاء الحكومة.

سعى حمدوك من خلال الأسماء المختارة إلى تجنب الوقوع في فخ "المحاصصة" إلا أنه ورغم توخيه الحذر اضطر بعد ماراثون من السجال والمفاوضات مع قوى الحرية إلى إسناد عدد من الحقائب لأسماء تم ترشيحها تمثيلًا لقوى حزبية وسياسية كان لها ثقلها في الحراك، حتى وإن لم تجد قبولًا لدى الشارع السوداني.

كثير من الأسماء المختارة تتميز بخبرات طويلة في العمل العام، فيما جاءت الأخرى خاوية الوفاض تمامًا، وهو ما أثار جدلًا خلال الأيام القليلة الماضية، وكان السبب الرئيسي وراء تأجيل الإعلان عن القائمة النهائية لتشكيلة الحكومة حتى اللحظات الأخيرة من الفترة المسموح بها وفق الوثيقة الدستورية.

البداية كانت مع اختيار عمر مانيس، وزيرًا لرئاسة مجلس الوزراء، وهو الذي ينحدر من ولاية شمال دارفور، ويمتلك خبرة في العلم الدبلوماسي في وزارة الخارجية السوادنية تقدر بنحو 34 عامًا (1979-2013)، هذا بخلاف عمله سفيرًا ومندوب بلاده الدائم ا لدى الأمم المتحدة بنيويورك (2001-2007).

ثم وقع الخيار على أسماء محمد عبد الله، لحقيبة الخارجية، وهي تعد أول سيدة تلتحق بوزارة الخارجية السودانية عام 1971، وقد أحالها نظام الرئيس المعزول عمر البشير للصالح العام بعد أشهر من انقلاب يونيو/حزيران 1989.

كذلك إبراهيم البدوي، كوزير للمالية، عمل مديرًا لمركز السياسات والبحوث الاقتصادية بمجلس دبي الاقتصادي وخبيرًا اقتصاديًّا بمجموعة بحوث التنمية بالبنك الدولي، فيما جاء نصر الدين عبد البارئ لحقيبة العدل، وهو  أكاديمي ومستشار مستقل في القانون الدولي والقانون الدستوري وقوانين وسياسات الهجرة والمواطنة والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

"لو قدرنا نوقع السلام في الفترة من شهر إلى 6 شهور، هذا سيخلق مناخا جيدا، لأن الحرب تصرف من 70 إلى 80% من ميزانيتنا.. يمكننا بعدها أن نصرف على التعليم والبنية الأساسية ونعيد عجلة الإنتاج عبر اقتصاد قوى ومستدام، وننزل خلاله بالأسعار".. عبدالله حمدوك

كما وقع الاختيار على أكرم علي التوم، إبن ولاية الخرطوم، لوزارة الصحة، فيما تقلد ياسر عباس، وزارة الريّ والموارد المائية، وقد عمل خبيرًا بالأمم المتحدة في أديس أبابا، وجاءت لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، انتصار صغيرون، من ولاية الجزيرة، وحاصلة على الدكتوراة في الآثار بجامعة الخرطوم.

أما فيصل محمد صالح، فتم اختياره وزيرًا للثقافة والإعلام، وهو الحاصل على بكالوريوس الصحافة والإعلام من جامعة الأزهر بمصر، وقد منح جائزة بيتر ماكلر الأميركية للنزاهة والشجاعة الصحافية عام 2013، فيما جاء عادل علي إبراهيم، لوزارة الطاقة والتعدين، وولاء عصام البوشي، لحقيبة الشباب والرياضة.

فيما رشّح مدني عباس مدني، لوزارة التجارة والصناعة، وهو الذي كان مرشحًا لوزارة رئاسة مجلس الوزراء رغم الاعتراض عليه بسبب كونه أحد المفاوضين من قبل قوى الحرية والتغيير، فيما جاء نصر الدين مفرح، وزير للشؤون الدينية والأوقاف، والبروفيسور محمد الأمين التوم، لمنصب وزير التربية والتعليم، ويوسف آدم الضي، كوزير الحكم الاتحادي، ولينا الشيخ لوزارة التنمية الاجتماعية، علاوة على اختيار عيسى عثمان شريف كوزير للزراعة والموارد الطبيعية

وفي الجهة الأخرى فقد اختار عضوا المجلس السيادي من العسكريين الفريق أول ركن جمال عمر لمنصب وزير الدفاع، وهو الذي شغل في وقت سابق منصب رئيس اللجنة الأمنية بالمجلس العسكري المحلول، وقد تمت ترقيته لرتبة فريق بعد سقوط نظام البشير، تم تعيينه عضوا بالمجلس العسكري الانتقالي خلفًا للفريق أول مصطفى محمد مصطفى الذي استقال من عضوية المجلس.

أما الفريق شرطة الطريفي إدريس، المنحدر من ولاية الجزيرة، فوقع عليه الاختيار لتولي حقيبة الداخلية، كان يشغل منصب نائب مدير قوات الشرطة والمفتش العام.

عبدالله حمدوك رئيس الحكومة الجديدة

3 سنوات من التحديات

العديد من التحديات من المتوقع ان تواجه الحكومة السودانية الجديدة خلال الفترة الانتقالية، غير أن رئيس الوزراء كشف عن قائمة أولويات حكومته مع الساعات الأولى لأداء القسم الدستوري، حين أوضح أن هناك حاجة لإعادة النظر في مسألة الموازنة العامة، وأضاف قائلًا: "لو قدرنا نوقع السلام في الفترة من شهر إلى 6 شهور، هذا سيخلق مناخًا جيدًا، لأن الحرب تصرف من 70 إلى 80% من ميزانيتنا.. يمكننا بعدها أن نصرف على التعليم والبنية الأساسية ونعيد عجلة الإنتاج عبر اقتصاد قوى ومستدام، وننزل خلاله بالأسعار".

فيما ذهب وزير الثقافة والإعلام فيصل محمد صالح خلال لقاء له مع بعض الصحفيين إلى ضرورة قيام الحكومة بدورها ومسئولياتها كاملة خلال المرحلة القادمة، والتي تمثل تحديًا كبيرًا للوزراء الـ 18 قائلا: "أمامنا ثلاث سنوات من الجهد والعمل لتحقيق آمال شعبنا". وأضاف صالح "العالم يراقبنا وينتظرنا كيف سنحل مشكلاتنا".

عن مسألة احتمالية إقامة أي علاقات مع إسرائيل، قالت وزيرة الخارجية السودانية إن الوقت الراهن لا يسمح بإقامة تلك العلاقات لأن السودان ليس بحاجة إلى مشاكل جديدة

كان التأزم الاقتصادي والوضع المتردي الذي وصلت إليه البلاد المحرك الأول لإشعال الثورة السودانية بجانب الفساد السياسي المتراكم على مر سنوات طويلة مضت، ومن ثم باتت تلك الوضعية شبحًا يهدد استقرار المجتمع الذي كاد أن يصل إلى مرحلة المجاعة في كثير من مناطقه المتطرفة.

وعليه كان الاقتصاد حاضرًا وبقوة على أجندة الحكومة الجديدة، إذ أعلن وزير المالية إبراهيم البدوي عن تنفيذ برنامج إنقاذ لمدة 200 يوم لتحقيق خمسة محاور رئيسية، أبرزها تثبيت الاقتصاد الكلي وإعادة هيكلة الموازنة والجهد المالي، موضحًا أن هذا البرنامج يهدف إلى تحقيق الرفاه الاجتماعي والصرف على التعليم والصحة والتنمية، كاشفا عن "إجراءات إسعافية وناظمة لتثبيت الأسعار وتوفير وسائل تخفيض تكلفة المعيشة والضائقة الاقتصادية".

تحديات جسيمة في مواجهة الحكومة الجديدة

وفي خضم التحديات الداخلية وغياب ملامح السياسة الخارجية للبلاد، والتي وقعت أسيرة أهواء ومصالح شخصية من قبل رأس النظام السابق، ما تسبب في تعرض السودان للابتزاز هنا وهناك، كان إعادة النظر في خارطة الدولة الخارجية ضرورة قومية في قائمة أولويات المرحلة.

وزيرة الخارجية أسماء محمد عبد الله عقب أدائها اليمين قالت إن بلادها تنتظر الدعم المعنوي من الدول العربية، ورحبت بأي دعم مالي عربي غير مشروط، دون التدخل في شؤون بلادها الداخلية، مشيرة في مقابلة لها مع قناة "الجزيرة مباشر" إلى أن رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب سيكون أولى مهام وزارة الخارجية، معتبرة أن هذا الأمر إن تم فإنه سيفتح الباب أمام نهضة اقتصادية ومشاريع جديدة في السودان.

أما عن مسألة احتمالية إقامة أي علاقات مع "إسرائيل"، قالت وزيرة الخارجية السودانية إن الوقت الراهن لا يسمح بإقامة تلك العلاقات لأن السودان ليس بحاجة إلى مشاكل جديدة، على حد وصفها، معبرة عن امتنانها الكامل للدول العربية التي ساندت بلادها خلال الفترة الماضية.

تحديات أمنية واقتصادية وسياسية، داخلية وخارجية، ستقف بلا شك حجر عثرة أمام حكومة حمدوك، لتبقى السنوات الثلاث المقبلة، وهي الفترة المحددة للمرحلة الانتقالية، محط تقييم واختبار لأداء الحكومة من جهة، ومن جهة أخرى مدى قدرة الاتفاق المبرم بين المجلس العسكري وقوى الحرية على الصمود أمام تلك التحديات، التي بلا شك ستفرض على الجميع مسئوليات جسام للعبور بالبلاد من مأزقها التاريخي الراهن، وصولا إلى أفاق حكم مدني يأمله السودانيون.