أحد قطارات روفوس خلال مروره أمام شلالات فيكتوريا.

ترجمة وتحرير: نون بوست

فشلت كل من الإمبراطورية البريطانية والفرنسية خلال القرن التاسع عشر في مد خطوط سكة حديدية تربط شرق القارة الأفريقية بغربها والشمال بالجنوب. الآن، سمح المشروع الصيني بإمكانية السفر من المحيط الهندي إلى المحيط الأطلسي على متن قافلة فاخرة في رحلة تدوم 15 يوما.

اصطدمت مشاريع البعثات الاستعمارية الفرنسية والبريطانية سنة 1898 في نقطة ضائعة على الخريطة الأفريقية، حيث كانت باريس تنوي ربط المحيط الأطلسي بالمحيط الهندي من الشرق إلى الغرب. وقد وحدّت باريس بالفعل الأراضي الممتدة من السنغال إلى جيبوتي، واختارت لهذه المهمة أفضل المستكشفين وشاركت أكبر الصحف الفرنسية في رواية هذا الحدث الوطني. أما لندن، فقد أرادت توحيد مستعمراتها انطلاقا من القاهرة ووصولا إلى كيب تاون في جنوب أفريقيا، وذلك من خلال ربط  البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي من الشمال إلى الجنوب.

خوفا من اندلاع حرب بين الإمبراطوريتين، انسحب الفرنسيون من الموقع ليبرهن الواقع فيما بعد على فشل البريطانيين في ربط  طرفي سواحل البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي سواء عبر إنشاء الطرق أو مد خطوط السكك الحديدية

تلاقى الخطان الفرنسي والبريطاني في فشودة، وهي قرية لا تبعد كثيرا عن جنوب السودان تقع على بعد بضعة أمتار عن النيل الأبيض. وقد وصل الفرنسيون أولا ونصبوا العلم الفرنسي معلنين أن فشودة مستعمرة تخضع لسيطرتهم. بعد ذلك، وصل البريطانيون الذين جاؤوا لهزيمة قبائل المهدي في السودان فاعتقدوا أن لهم الحق في امتلاك تلك الأراضي.

خوفا من اندلاع حرب بين الإمبراطوريتين، انسحب الفرنسيون من الموقع ليبرهن الواقع فيما بعد على فشل البريطانيين في ربط  طرفي سواحل البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي سواء عبر إنشاء الطرق أو مد خطوط السكك الحديدية. وفي القرن 21، تمكّن الصينيون من تحقيق الحلم القديم للمستوطنين الأوروبيين في القارة الأفريقية.

في شهر تموز/ يوليو الماضي، أنهت شركة السكك الحديدية الصينية القسم الأخير من شبكة السكة الحديدية غير المكتملة من أجل السفر من دار السلام، العاصمة التنزانية المطلة على المحيط الهندي، إلى ميناء لوبيتو المطل على المحيط الأطلسي في أنغولا. وتنتمي القطارات التي تسافر عبر هذا الطريق إلى شركة في جنوب أفريقيا.

قال روهان فوس، صاحب ومدير شركة السكك الحديدية، إن التزامه بتوفير رحلة تصل بين دار السلام وميناء لوبيتو استغرق الكثير من الوقت لكي يتطور

صرّحت جهات تابعة لشركة "روفوس"، التي اختارت هذه الرحلة الرابطة بين المحيطات للاحتفال بعيد ميلادها الثلاثين، بأنه "منذ الرحلة الليلية الأولى التي أجراها قطار يضم سبع عربات حتى إنشاء خط ترانسفال الشرقية في جنوب أفريقيا، توسّعت أعمال "روفوس" بشكل كبير لتصبح قادرة على توفير ثماني رحلات حول جنوب إفريقيا مع المزيد من القطارات التي يمكنها استيعاب 72 راكبا".

حيال هذا الشأن، قال روهان فوس، صاحب ومدير شركة السكك الحديدية، إن التزامه بتوفير رحلة تصل بين دار السلام وميناء لوبيتو استغرق الكثير من الوقت لكي يتطور. وقد أفاد فوس "لقد فقدنا الكثير من المال في المراحل المبكرة ولم نكن نعرف شيئا عن كيفية التعامل مع عملائنا واحتياجاتهم. لقد اعتقدت بسذاجة أن ما نقدمه كان فريدا من نوعه وأننا سنتمكن من بيع التذاكر بسهولة، ولكنني كنت مخطئا فقد كان علينا أن نتعلم من الخبراء".

يشارك الصينيون بشكل فعّال في بناء طرق سريعة تعرف باسم "شبكة الطرق السريعة عبر أفريقيا" لربط العواصم الرئيسية للقارة الأفريقية، انطلاقا من داكار إلى مومباسا ومن لاغوس إلى الجزائر ومن طرابلس إلى كيب تاون. ويعتبر هذا المشروع بمثابة شبكة طرقات كاملة من شأنها أن تعزز تبادل السلع بالنسبة للعديد من الاقتصادات الناشئة. وتجدر الإشارة إلى أن الرحلة عبر القطار الذي يربط بين المحيطين تستغرق 15 يومًا، يعبر خلالها القطار تنزانيا وزامبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وأنغولا، ويزور المحميات الحيوانية والمواقع التاريخية وحتى منجم النحاس في الكونغو التي تعيش أوضاعا غير مستقرة. بعد انتهاء الزيارة، يتناول جميع الركاب العشاء في القطار.

كما يوفر القطار خدمة الغرف على مدار اليوم ومغسلة ومقصفا مفتوحا وطبيبا إلى جانب مؤرخ متواجد باستمرار ليجيب على الأسئلة التي يمكن أن يطرحها المسافرون أثناء الرحلة

في شأن ذي صلة، أورد روهان فوس أن "تحضيرات المشروع قد استغرقت أكثر من عامين للحصول على جميع التصاريح من قبل السلطات المعنية. لقد سافرت أنا وفريقي الكثير من المرات للاجتماع مع المسؤولين المعنيين حتى نعمل على تسهيل تسيير الأمور قدر الإمكان أمام فريقنا من المسافرين الجريئين". وقد نظمت الشركة الرحلة الافتتاحية بتاريخ 16 تموز/ يوليو الماضي، التي يمكن القيام بها بشكل معاكس أيضا، أي من ميناء لوبيتو إلى دار السلام. وتبلغ تكلفة الرحلة 5600 دولار للشخص الواحد وقد تصل إلى 22190 يورو في الجناح الملكي.

كما يوفر القطار خدمة الغرف على مدار اليوم ومغسلة ومقصفا مفتوحا وطبيبا إلى جانب مؤرخ متواجد باستمرار ليجيب على الأسئلة التي يمكن أن يطرحها المسافرون أثناء الرحلة. ويعتبر الطريق الرابط بين دار السلام وميناء لوبيتو واحدا من مئات خطوط السكك الحديدة التي تخطط الصين لتشييدها في القارة الأفريقية.

تنوي بكين مواصلة استثمار مبالغ كبيرة من الأموال في إفريقيا. فعلى سبيل المثال، موّلت الصين بالفعل أكثر من ثلاثة آلاف مشروع يعنى بالبنية التحتية الاستراتيجية في إفريقيا، وأنفقت عشرات المليارات من الدولارات في شكل قروض. وقبل عقد من الزمن، تجاوزت الصين منافسها الولايات المتحدة لتصبح أكبر شريك تجاري في كل أفريقيا. بالإضافة إلى ذلك، يعتبر خط السكك الحديدية الرابط بين مومباسا ونيروبي باستخدام قاطرات الديزل من أبرز المشاريع التي موّلها العملاق الصيني، إلى جانب خط سكة حديد بين أديس أبابا وجيبوتي الذي يعد أول خط سكة حديد كهربائي من هذا النوع في القارة الأفريقية.

لا يقدم هذا الخط رحلات من النوع الفاخر وإنما رحلات تستقطب المسافرين ذوي المستوى الاجتماعي العادي الذين عادة ما يسافرون على متن حافلات قديمة عبر طرق خطيرة

لقد موّلت الصين هذين المشروعين بالكامل بتكلفة بلغت 3.4 مليار دولار بالنسبة لإثيوبيا و3.2 مليار دولار لكينيا، وهي مبالغ منحتها على شكل قروض، وتشمل إنشاء محطات حديثة تقدم كافة الخدمات. من ناحية أخرى، يطمح الاتحاد الأفريقي أيضا إلى تشييد مشروع يلبي أحلامه، حيث يرغب في ربط المحيطين الهندي والأطلسي ولكن من جانبه الأوسع، أي من داكار إلى القرن الأفريقي.

تضمن هذه الرحلة الساحلية للمسافر المرور عبر عشر دول، من بينها الدول الأفقر في العالم. ولا يقدم هذا الخط رحلات من النوع الفاخر وإنما رحلات تستقطب المسافرين ذوي المستوى الاجتماعي العادي الذين عادة ما يسافرون على متن حافلات قديمة عبر طرق خطيرة. ومن المتوقع أن تبلغ تكلفة هذا المشروع حوالي 30 مليون دولار وبطبيعة الحال ستقف الصين وراء تمويل المشروع بالكامل. بناء عليه، ينبغي التخلّص من كافة خطوط السكك الحديدية التابعة للمستعمرات القديمة التي لا تزال تعمل في أجزاء كثيرة من القارة، ومد شبكة كاملة جديدة محلها.

المصدر: الموندو