على كثرة المصادر التي تناولت الدول التي ظهرت في الأناضول، كالدولة العثمانية ومن قبلها الدولة السلجوقية، وترجمتها إلى العربية، إلا أن هناك نقصًا واضحًا في المراجع العربية التي تناولت إمارات مثل "القره قويونلو" و"الآق قويونلو" التي ظهرت في شرق الأناضول وامتدت إلى أجزاء من العراق وإيران.

إمارة "قره قويونلو" أو ذو الغنم الأسود

"قره قوينلو" هو اسم مركب من لفظتين، و"قره" بالتركية تعني الأَسْوَد، و"قويون" تعني الشاة أو الغنم، و"قوينلو" تعني "ذو الغنم" وعليه فإن "قره قويونلو" تعني ذو الغنم الأسود، وعُرفت في العربية بترجمتها الخاطئة إلى دولة "الخروف الأسود".

يذكر عدد كبير من الباحثين، من بينهم فاروق سومر، في بحث له بعنوان "قره قويونلو" أن العراق وإيران شهدا وجودًا للقبائل التركية من خلال إمارتي قره قويونلو وآق قويونلو على مدار 200 سنة، كقوة مؤثرة في الأحداث السياسية في هذه المنطقة

وتذكر بعض المصادر أن سبب تسمية هذه الدولة بهذا الاسم فكرة لها علاقة بالديانة الطوطمية، لأنهم كانوا يرسمون الغنم الأسود على أعلامهم، لكن الموسوعة الإسلامية التركية، لا ترجح ذلك، وترى أن هذه تسمية محلية أطلقها عليهم سكان أذربيجان وشرق الأناضول لاقتنائهم الغنم الأسود، وأن مثل هذه التسميات كانت عادة شرقية معروفة لتمييز مجموعة بشرية بما تملك من الحيوانات أو أي شيء آخر.

يذكر عدد كبير من الباحثين، من بينهم فاروق سومر، في بحث له بعنوان "قره قويونلو" أن العراق وإيران شهدا وجودًا للقبائل التركية من خلال إمارتي قره قويونلو وآق قويونلو على مدار 200 سنة، كقوة مؤثرة في الأحداث السياسية في هذه المنطقة، وأن سقوط الدولة الإيلخانية على إثر وفاة السلطان الإيلخاني أبي بهادر عام 1335، ساعد في ظهور إمارة قره قويونلو.

يذكر الباحث نفسه أن إمارة قره قويونلو تأسست عام 1351 على يد بيرم خوجة، وامتدت من بحيرة فان في شرق الأناضول حتى الموصل، وبعد وفاته عام 1380 تولى ابنه محمد بن توميش الذي لم يتمكن من الاحتفاظ بالموصل، حيث استعادها حسين بن أويس، سلطان الإمارة الجلائرية، التي كانت في صراع مع قره قويونلو. وقد خاضت إمارة قره قويونلو حروبًا عديدة مع جيوش تيمورلنك، حيث قاد خمس حملات ضدهم.

وتعاقب الزعماء على حكم إمارة قره قويونلو، لكن الاسم الأبرز الذي جاء بعد ذلك هو قره يوسف الذي استطاع أن يضم بغداد أيضًا إلى إمارته التي كانت تابعة للإمارة الجلائرية. 

تأثرت هذه الإمارة في بنائها العسكري ونظامها الإداري بالإمارة الجلائرية، كما تأثروا بهم من الناحية الثقافية أيضًا

وبحسب الموسوعة الإسلامية التركية، فإن علاقة قره قويونلو كانت جيدة مع العثمانيين، وأنهم حاربوا إلى جوار السلطان بيازيد الأول في معركة أنقرة ضد جيوش تيمورلنك، لأنهم كانوا في حروب دائمة معه، وشهدت الإمارة بعد ذلك صراعًا على العرش بين أبناء قرة يوسف بك بعد وفاته، وأخيرًا تولى جيهان شاه. 

وتأثرت هذه الإمارة في بنائها العسكري ونظامها الإداري بالإمارة الجلائرية، كما تأثروا بهم من الناحية الثقافية أيضًا، كما يذكر الباحث فاروق سومر الذي يرى أنهم أحدثوا العديد من التغيرات في التقسيمات الإدارية للولايات، فعلى سبيل المثال، كان العراق في العهد الإيلخاني يضم ثلاث ولايات: العراق العربي وديار بكر وبلاد الجبل، واستمرت هذه التقسيمات تحت إدارة الجلائريين، أما قره قويونلو فقد وحودوا الولايات الثلاثة تحت إدارة واحدة. 

يذكر الباحث نفسه أن تعيين حاكم الولاية كان يتم من الحكومة المركزية في تبريز، ويتم تعيين حكام المدن والموظفين من حكومة الولاية، كما كان تحصيل الموارد المالية مسؤولية الحكومة المركزية، واستمر النظام العشائري في إدارة الإمارة والولايات التابعة لها، كإرث مشترك يتوارثه أبناء العائلة الحاكمة.

ويُطلق على رئيس العشيرة "أولو باي" ويتم اختياره عن طريق كبار أبناء العشيرة، ويقيم أولو باي في تبريز مركز الإمارة، ويساعده أبناؤه في إدارة الولايات، كما كان هناك أربعة دواوين كبرى لهذه الإمارة وهي: ديوان الاستيفاء المسؤول عن ضبط الصادرات والواردات، وديوان النيشان لكتابة الفرمانات للولايات، وديوان التواجي للقضايا الإدارية والتموين، وديوان الصدر للوظائف الدينية. 

يذكر الباحث فاروق سومر أن الأولو باي قره يوسف كان ذواقًا للموسيقى، وضم بلاطه أبرع الموسيقيين في ذلك العصر

ويذكر المؤرخ حميد ألبار في كتابه "الأبحاث الإسلامية" أن الأولو باي هو الذي كان يعين قاضي القضاة، ويقوم قاضي القضاة بتعيين القضاة، كما يقوم الحاكم أيضًا بتعيين المفتي الشرعي، وكانت قيادة الجيش بيد الأولو باي، ولكل ولاية جيشها الخاص بها ويتولى قيادته حاكم الولاية.

أما عن الحياة الثقافية، فيذكر ألبار أن اللغة الرسمية في إمارة قره قويونلو هي الفارسية، حتى إن الأولو باي جهان شاه له ديوان شعر بالفارسية بعنوان "شمس العارفين"، وكان جيهان شاه معروفًا باهتمامه بالفنون، واعتنى بكثير من العلماء والكتاب والفنانين من أمثال كمال الدين البنائي والشاعر والموسيقي والخطاط جلايرلي أحمد.

وبحسب المؤرخ نفسه، فقد برز في هذه الإمارة عدد غير قليل من علماء الشريعة، وفي مقدمتهم شيخ الإسلام محب الدين أبو الفضل الحنفي، وعز الدين القزويني، واشتهرت عائلة الشمس بن يونس في الموصل بعلمي الفقه والتفسير، كما انتشرت الطرق الصوفية في ولايات إمارة قره قويونلو بدعم من حكامها.    

ويذكر الباحث فاروق سومر أن الأولو باي قره يوسف كان ذواقًا للموسيقى، وضم بلاطه أبرع الموسيقيين في ذلك العصر، كما اهتموا بالمعمار أيضًا، وكتب المؤرخ أرا ألتون كتابًا عن بعض الآثار التي تركتها إمارة قره قويونلو، لكن المعروف من هذه الآثار اليوم، هو مسجد السماء في تبريز.

إمارة "آق قويونلو" أو ذو الغنم الأبيض 

ظهرت إمارة آق قويونلو أيضًا في شرق الأناضول وإيران والعراق وأذربيجان، و"آق" تعني الأبيض، وبالتالي فإن اسم هذه الإمارة بالعربية هو ذو الغنم الأبيض. كما تُعرف أيضًا بالبايندرية لانتسابها إلى بايندر أحد أحفاد قبائل الأوغوز، كما يذكر الباحث فاروق سومر الذي يؤكد أن قبائل آق قويونلو هاجرت من تركستان بعد الغزو المغولي واستقرت في ديار بكر، في نفس الوقت مع قبائل قره قويونلو.  

بحسب حميد ألبار، فإن إمارة آق قويونلو اتسعت في عهد حسن بك، الذي ضم بغداد وشيراز وتبريز وأصفهان، حتى إنه أراد ضم الدولة العثمانية وصولاً إلى مصر

ووفق الموسوعة الإسلامية التركية فإنها إمارة آق قويونلو تأسست عام 1362، وتذكر الباحثة عائشة أتيجي في كتاب لها بعنوان "الفن والأدب في إمارتي آق قويونلو وقره قويونلو" أن الإمارتين كانتا في صراع دائم، وخصوصًا في عهد حسن بك الملقب بالطويل الذي خاض حروبًا مع إمارة قره قويونلو، وفي عام 1467 هزم جيهان شاه هزيمة ساحقة.

وبحسب حميد ألبار، فإن إمارة آق قويونلو اتسعت في عهد حسن بك الذي ضم بغداد وشيراز وتبريز وأصفهان، حتى إنه أراد ضم الدولة العثمانية وصولاً إلى مصر، وكانت هذه الدولة في صراع مع العثمانيين، على عكس إمارة قره قويونلو، حيث خاضت حربًا مع العثمانيين في عهد السلطان الفاتح، تُعرف بمعركة "أوتلوك بيلي" عام 1473، لكن السلطان الفاتح هزمهم. 

ووفقًا لفاروق سومر، فإنه إمارة آق قويونلو وخصوصًا في عهد حسن الطويل قد وجهت جهودها العسكرية غربًا من أجل الوصول إلى البحر المتوسط، وحقق مكاسب إقليمية في الأناضول ووصلت توسعاته حتى مدينة قونية، كما ضم بغداد أيضًا وعين عليها ابنه مقصود بك. واستمرت هيمنة إمارة آق قويونلو على العديد من الولايات حتى وفاة يعقوب أولو باي، وبوفاته ضعفت الإمارة بسبب صراع الأبناء على السلطة.

وبحسب الباحث نفسه، فإن إسماعيل الصفوي مؤسس الدولة الصفوية استغل هذه الصراعات، وتحرك نحو تبريز وضمها إلى دولته، وبعد ذلك ضم جميع الولايات التابعة لهم في إيران والعراق، وضعفت إمارة آق قويونلو وانقسمت إلى إمارتين لكنهما لم يستمرا كثيرًا.

يرى حميد ألبار أن هذه الإمارة قد تأثرت أيضًا بالإمارة الجلائرية، واهتموا بالمعمار وشيدوا العديد من الجوامع والمدارس وبالأخص على حدود تركيا وإيران اليوم

جدير بالذكر أنه يكاد يكون هناك إجماع بين الباحثين على أن نظام الجيش والإدارة والحياة الثقافية والاجتماعية تكاد تكون واحدة في إمارتي آق قويونلو وقره قويونلو، باستثناء بعض الفروقات الصغيرة، فنظام الجيش مثلاً كان واحدًا لكنه كان أكثر تقدمًا في إمارة آق قويونلو، حتى إن السلطان الفاتح أبدى إعجابه بتنظيم هذا الجيش، كما كانت التقسيمات الإدارية للولايات متطابقة تمامًا مثل بقية الأمور الأخرى، حتى إن اللغة الرسمية المعتمدة في الإمارتين كانت الفارسية. 

ويرى حميد ألبار أن هذه الإمارة تأثرت أيضًا بالإمارة الجلائرية، واهتموا بالمعمار وشيدوا العديد من الجوامع والمدارس وبالأخص على حدود تركيا وإيران اليوم، ومن أبرز الحكام الذين اهتموا بالفنون في إمارة آق قويونلو هو يعقوب بك الذي كتب شعرًا بالفارسية والتركية، وظهر العديد من الشعراء في هذه الدولة مثل تبريزلي أحمد وهداية وبابا فيجاني وأهلي شيرازي ومولا جامع.

وأخيرًا، فإنه من الجدير بالذكر أيضًا، أن الدولة العثمانية تأثرت في العديد من جوانب الإدارة بالنظام الإداري لإمارتي قره قويونلو وآق قويونلو، حتى إن بعض المناصب ظلت بنفس أسمائها في الدولة العثمانية، وحتى بعض التقاليد التي اتبعها سلاطين بني عثمان، جاءت بالأساس من هاتين الإمارتين، كإرسال الأمراء لإدارة الولايات ليكتسبوا خبرة في الحكم تحت إشراف المربي الخاص بهم، والمسمى بـ"لالا".