"عبث الغرام بنا فروّعنا.. أنا بالغرام وأنت بالهجر" نقولها غزلاً بديمقراطية تسير بسرعتها الخاصة ولا تستجيب لرغبتنا في الانتقال البرقي من دولة فاشلة إلى حالة سويسرية باهرة. فقد استوفى السياسيون حملتهم الدعائية ودخلوا الصمت الانتخابي فيما بدأ الانتخاب في الخارج، ونذهب اليوم الأحد إلى الصناديق، والسؤال هل سنتقدم على طريق الديمقراطية أم سنتراجع عما اكتسب بشقاء كبير منذ 2011؟

التونسيون مضطربون ومتوجسون من النتيجة، فقبل ساعات من دخول الخلوة لا أحد لديه علمًا يقينيًا بالنتيجة، ويعتبر البعض ذلك أكبر دليل على الديمقراطية بصفتها خضوعًا لرأي الناخب، بينما يرى آخرون أن ذلك نتيجة لفقدان مشروع سياسي جامع يدفع الناس إلى تفويض شخصية قادرة على الحكم بما يبقي الوضع على ما هو عليه قبل الانتخابات. سنعرض هنا لبعض المعطيات التي تشتت التصويت.

القروي علامة على فشل النخبة الكلاسيكية

نبيل القروي شخصية خرقت مألوف العمل السياسي الكلاسيكي الذي دأبت عليه النخب ذات المرجعيات الأيديولوجية، فوضع الجميع في مأزق وجودي. إنه أكثر من متحيل عابر في المشهد، وإن كان تحيل على الجميع، فقد خرج من عدم السياسة بعد الثورة واتخذ من قناته التلفزية وسيلة للتأثير على المشهد حتى اعتبر نفسه صانع الرؤساء.

لقد حارب خلف خطوط النخبة فركز على إبراز فشل الحكومات في إدارة الشأن الاجتماعي وقدم في ذات الوقت المساعدات لمن نسيتهم النخبة رغم خطابها الاجتماعي (كان يأخذ المساعدات من جهات كثيرة ثم يوزعها باسم جمعية خيرية تحمل اسم ولده الشاب الصغير الذي توفي في حادث سير).

هجوم ودفاع بين تيار الحداثة والإسلاميين وإعلام يصب الزيت على نار الخلاف (بما في ذلك قناة القروي) ونبيل القروي في صمت ذكي يحدث الفقراء عن همومهم ويساعدهم

هذه نقطة كشفت نباهته مثلما كشفت خيانة النخبة للفقراء، فالفقراء الذين اتجه إليهم هم من نسيتهم النخبة الحزبية الإسلامية واليسارية. هم من كانوا وقود الثورة في الأرياف والأحياء الشعبية وهم في أغلبهم لا يملكون وسائل التواصل الاجتماعي التي تستعملها النخب المتعلمة، وكان ذلك مثل طاقية إخفاء لعمله الذي ظهرت نتيجته فجأة أمام الصندوق، فتصدر الرجل استطلاعات الرأي منذ البداية وحتى اللحظة وتحول إلى كابوس أقض مضجع الجميع وأربك تقديراتهم ولم يسقط بعد احتمال أن يكون رئيس تونس يوم الإثنين.

ألم يكن له الحق في فعل ذلك؟ بلى لقد تخلت النخبة عن حاضنة الثورة وانشغلت بصراعاتها الكلاسيكية التي تتقنها منذ ما قبل الثورة. هجوم ودفاع بين تيار الحداثة والإسلاميين وإعلام يصب الزيت على نار الخلاف (بما في ذلك قناة القروي) ونبيل القروي في صمت ذكي يحدث الفقراء عن همومهم ويساعدهم، لذلك نقول أمام الصندوق إذا كان القروي الشخص والنموذج موجودًا في المشهد فلأن النخبة تخلت عن مواقعها وخاضت حربًا أخرى لا ناقة للفقراء فيها ولا جمل، وها هي تحصد نتائجها تراجعًا في الصندوق وبعضها سيتحول إلى ذكرى باهتة في المشهد بعد 2019.

الخطاب يراوح مكانه

الفخر التونسي بإجراء مناظرات علنية بين المتقدمين للمنصب لم يخف أن خطاب "الرؤساء" لم يتجدد إلا قليلاً، بل إن بعضه تراجع عن مكتسبات حصلت فسمعنا خطاب الدولة الحازمة التي ستقضي على الفوضى بقوة الأجهزة، وفي بعض الخطابات أطلت الفاشية برأسها مثلما عاد خطاب الاستئصال الذي يريد ديمقراطية تونس بلا أحد مكوناتها الأساسية أي الإسلاميين، وعاد خطاب الشريعة المنكر لمكتسبات الديمقراطية.

انتقلت النخبة الحداثية إلى جانب الزبيدي كأنما تلقت أمرًا بذلك في اللحظات الأخيرة، وبررت ذلك بمقاومة التيار الديني. بنفس المفردات ونفس الخلفية الفكرية

فاتنا أن نسمع خطاب القروي الذي سجن قبل ذلك لذلك لم نخرج من خطاب النخبة القديمة التي كانت تتنافس على مربعات متقاربة ومتشابهة، ولأننا وجدنا هؤلاء غير قابلين للتجدد الذي تتطلبه المرحلة فإننا رأيناهم في اللحظات الأخيرة يعيدون تنظيم معسكرات المعارك القديمة. معسكر الحداثة في مواجهة معسكر الإسلاميين، فقد انتقلت النخبة الحداثية إلى جانب الزبيدي كأنما تلقت أمرًا بذلك في اللحظات الأخيرة، وبررت ذلك بمقاومة التيار الديني. بنفس المفردات ونفس الخلفية الفكرية.

هذا لا يسمح بالخروج إلى أفق بناء الديمقراطية المنتظرة، بل يحشرها في زاوية ميتة فتعجز عن التقدم وتحقيق انتظارات شعب أرهقته الحكومات المترددة ويفسح المجال واسعًا لمغامر بلا أفق فكري أو سياسي مثل القروي.

هل ستراجع النخبة خطابها ومواقفها

هذه النتيجة الوحيدة التي سننتظرها من انتخابات 2019، فالمنظومة ستعود بحجم يسمح لها بالبقاء والتوسع سواء عبر موقع الرئيس الذي لم يحسم بعد أم عبر مجلس تشريعي تشكل من خلاله حكومة مشابهة لحكوماتها تحت ظل الباجي.

إذا كان لهذه الانتخابات من فضل فهي إتمام غربلة النخب القديمة وتصفيتها عسى أن يولد من غيابها جيل جديد مختلف في فكره ووسائله السياسية

أما النخبة وخاصة منها من أعلن الانتماء للثورة فقدت حشرت نفسها في زاروب أخير يقتضي منها التجديد للبقاء أو يدفعها إلى الموت تعنتًا وجهلاً بأخطائها، فهل ستكون هذه الانتخابات غربالاً فعالاً؟ إننا نرى مصير نجيب الشابي يتكرر في زعامات أخرى قريبًا، تخرج من الباب الصغير للسياسة وتتحول إلى رموز باهتة حتى ينسي الناس نضالاتها زمن الدكتاتورية لأنها بكل بساطة لم تحسن تدبير مواقعها ضمن الثورة الذي كان يمر ضرورة عبر التخلي عن الاعتقاد أنها الوحيدة القادرة على القيادة، فجوهر هذه النرجسية احتقار للشعب الذي لا ينضج ولا ينتج زعامات غيرها، وهو جوهر تفكير بورقيبة وبن علي قبلها.

إذا كان لهذه الانتخابات من فضل، فهو إتمام غربلة النخب القديمة وتصفيتها عسى أن يولد من غيابها جيل جديد مختلف في فكره ووسائله السياسية، لعلنا نكتب لاحقًا: لقد كانت انتخابات 2019 مرحلة ضرورية لتنظيف الحوض وإطلاق ماء جديد صافٍ لمستقبل بلا شحناء أيديولوجية.

هل كل هذا الشقاء ضروريًا لتبدأ الديمقراطية الدائمة والثابتة؟ سنتعزى بأننا كنا مستعجلين على الإنجاز، لكن الأميرة الديمقراطية تأتي متمهلة فتفرض علينا أن نتغزل بها أملاً.. عبث الغرام بنا.. فروّعنا.