تراجع الأحزاب التقليدية في تونس

أفرزت انتخابات الرئاسة في تونس، مرور أستاذ القانون الدستوري والمرشّح المستقل قيس سعيّد (61 عاما) ورجل الأعمال الموقوف نبيل القروي (56 عاما) إلى الدورة الثانية، وذلك وفق ما كشفت عنه استطلاعات رأي أعلن عنها فور الانتهاء من عملية الاقتراع مساء أمس الأحد.

نتيجة اعتبرها العديد من التونسيين إعلانًا رسميًا لنهاية منظومة الحكم القديمة واللوبيات التي عملت معها لعقود عدّة، فيما رآها آخرون بداية صعود "الشعبويين" في تونس وتمكّنهم من السلطة على غرار ما حصل في دول كثيرة مثل الولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا وأوكرانيا.

قيس سعيد.. المفاجأة الكبرى

نجاح قيس سعيد في حصد المرتبة الأولى والوصول إلى الدور الثاني من الانتخابات، يعتبره الصحفي التونسي هشام بن أحمد "مفاجأة حيث لم يكن أحد ليتوقع أن يصل مرشح مستقل دون حزب يدعمه ولا تيار سياسي وليس له أي تجربة في عالم السياسة ولا في الدولة إلى ما وصل إليه الرجل".

وعلى عكس منافسيه، لم يظهر المرشح المستقل الذي اختص بالقانون الدستوري في تجمعات انتخابية كبيرة، حيث اكتفى فقط بالتجوّل في عدد من المدن التونسية للقاء المواطنين في المقاهي والأسواق والساحات العامة، كما لم يكثف من ظهوره الإعلامي.

وكان قيس سعيد الذي يخوض الانتخابات المبكرة كمستقل، قد اختار عبارة "الشعب يريد" شعارًا لحملته الانتخابية، لتلخص تمسكه بأهداف ثورة يناير/كانون الثاني 2011، التي قامت أساسًا ضد منظومة سياسية حكمت تونس لعقود عدّة وكان من نتائجها انتشار الفساد والفاسدين في البلاد.

بدورها تقول سوسن برينيس إن "قيس سعيد هو حسب مريديه تجسيد لصورة الرجل المثقف نظيف اليد الذي يخاطب هموم الشعب والقادر على الإتيان بمعجزة اقتصادية قائمة خاصة على استرداد الأموال المنهوبة من رجال الأعمال المقربين من نظام بن علي."

يستغل نبيل القروي مؤسسته الإعلامية الخاصة التي حصلت على حقوق البث زمن نظام الرئيس المخلوع بن علي، نتيجة الخدمات التي قدمه له ولنظامه، للترويج لخطابه الشعبوي

سبق أن اختار "سعيد"، عبارة "الشعب يريد" شعارًا لحملته الانتخابية، لتلخص تمسكه بأهداف ثورة يناير/كانون الثاني 2011، التي قامت أساسًا ضد منظومة سياسية حكمت تونس لعقود عدّة وكان من نتائجها انتشار الفساد والفاسدين في البلاد.

ويرى سعيد عطية أن، "قيس سعيد لم يقدم وعودا زائفة وإنما خاطب الثوار بلغتهم وأستحضر كل مفردات ثورة 17 ديسمبر/كانون الأول، 14 يناير/كانون الثاني وحتى في لحظة إعلانه الفوز اكتفى بتقبيل علم تونس على وقع أوفياء أوفياء لدماء الشهداء".

وأعتمد قيس سعيد، وفق سعيد عطية، "خطابًا دغدغ الشباب الذي عرف بنسبة مقاطعته العالية للاستحقاقات الانتخابية السابقة"، كما أنه، وفق محدّثنا، كان ذكيًا جدا حيث تجنب الحضور في جميع القنوات الإعلامية حتى يتفادى الفخاخ التي تنصب عادة للمتقدمين لهكذا مناصب."

ويعرف عن قيس سعيد استخدامه المتقن للغة العربية الفصحى في كل مقابلاته وتصريحاته للصحافة، لا تسمعه أو تراه يتكلم في حواراته الإعلامية إلا لغة الضاد ولا تراه يبتسم أبدًا، إذ تنضح من ملامحه جدية رجل القانون الأكاديمي المغرق في المعرفة والعلم، إلى درجة أن البعض يتندر بوصفه بـ"الرجل الآلي".

نبيل القروي.. المتخصّص في المتاجرة بمعاناة الناس

استثمر نبيل القروي، وفق الصحفي التونسي كريم البوعلي، في معاناة الناس ما مكّنه من سلب عقولهم، "القروي طرح نفسه كبديل عن المنظومة الحاكمة وأستغل فشلها في تحقيق الانتعاش الاقتصادي وتردي أوضاع، فقدّم خطابًا شعبويًا وفضفاضًا وعاطفيًا يستثمر صورة الكادحين والكادحات والفئات الهشة."

بهذا الخطاب، تمكن نبيل القروي من الظفر بتعاطف فئات واسعة، فقد برع في توظيف العمل الخيري والإعلامي بمجال العمل السياسي، فهو يستخدم منذ سنوات برنامجًا خيريًا يبث يوميًا على قناته، لتقديم مساعدات للفقراء بغية الوصول إلى كرسي الرئاسة.

ويرى هشام بن أحمد، أن الذين صوتوا لنبيل القروي غالبيتهم غير متيقنين أنه مدان في قضية الفساد التي سجن من أجلها بل بالعكس فإن منسوب التعاطف معه ارتفع أكثر منذ إيداعه في السجن خصوصها وأن القرار تزامن مع انطلاق الحملة الانتخابية مما يبعث على التشكيك في مقاصد الواقعة حتى وإن كانت إجراءات إيقافه سليمة."

يضيف بن أحمد "القروي شخص ذكي وحصد ثقة البعض بفضل بروزه في الأعمال الخيرية الإغاثية التي انطلق فيها منذ 3 سنوات والتي واكبتها هالة إعلامية  دعائية من قناته التلفزيونية الخاصة التي تقوم بالتسويق لأنشطته وتنقلاته للجهات وتوزيعه بعض المعونات على الفقراء."

يؤكّد سعيد عطية أن نبيل القروي أحسن توظيف المسألة الاجتماعية، فقد استغل غياب الدولة في عديد المناطق، فوصل لقلب المرأة المسنة التي كثيرا ما تعاني "البهدلة" من أعوان المعتمدية أو الولاية أو من شاوش العمدة أصلا؛ كما استغلّ القروي غياب الخدمات الصحية والتربوية في جهات عديدة بالبلاد ونصب نفسه نصيرًا للمظلومين ومساعدًا للفقراء والمضطهدين اجتماعيًا من طرف الدولة.

ويستغل نبيل القروي مؤسسته الإعلامية الخاصة التي حصلت على حقوق البث زمن نظام الرئيس المخلوع بن علي، نتيجة الخدمات التي قدمه له ولنظامه، للترويج لخطابه الشعبوي القائم على نصرة المستضعفين والفقراء، يذكر أن القروي يرفض تجديد رخصة البث لقناته لأسباب عدة.

ويختم عطية بإشارة إلى أن نسبة مهمة من ناخبي القروي لا يهمهم سجنه بل يرون سجنه كان في إطار تصفية حسابات سياسية، أما النسبة المتبقية فهي تريد أن ترى من سجنوه مكانه بالسجن، فالناخب التونسي الذي كفر بهذه الطبقة السياسية مستعد لانتخاب سجين أو حتى فاسد بتهم ثابتة فقط انتقامًا وتشفيًا.

سقوط مدوي للطبقة السياسية

"رغم أن النتائج المعلنة ما زالت غير رسمية وتقتصر على سبر آراء، إلا أنه من الواضح أن فشل الطبقة السياسية ما بعد الثورة في تحقيق أي تحسين لمستوى المعيشة الطبقات المتوسطة والفقيرة جعلت نسبة هامة من الشعب تدير ظهرها لهذه الطبقة وتتجه نحو تيارات شعبوية حالمة ذات برامج هلامية"، تقول الكاتبة الصحفية التونسية سوسن برينيس.

وترى برنيس أن، "ظاهرة صعود التيارات الشعبوية ليست خاصة بتونس، نتذكر جميعًا كيف قدم دونالد ترامب من خارج السياسة والحزب الجمهوري ليزيح كل منافسيه ويكون مرشح الحزب ثم يفوز على كلينتون، نفس الظاهرة تكررت في ايطاليا من خلال اكتساح حركة الخمس نجوم التي أسسها الممثل الكوميدي الإيطالي غريلو لانتخابات 2018 البرلمانية، الأمر الذي تكرر مؤخرا في اوكرانيا."

وختمت الكاتبة التونسية حديثها لنون بوست بقولها، "ربما علينا تحمل تجربة خمس سنوات من حكم الشعبوية لإثبات أنها ظواهر صوتية لا تحمل مشاريع حكم حقيقية، لها أن تخرج تونس من الأزمات التي تعيشها في العديد من القطاعات.

يعتقد كريم البوعلي أن الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية ستكون حساباته معقدة أكثر لأنه سيأتي بعد الانتخابات التشريعية التي لن ينافس فيها قيس سعيد

بدوره، اعتبر هشام بن أحمد، أن "غالبية الناخبين الذي صوتوا لقيس سعيد أرادوا معاقبة التيارات والأحزاب السياسية التي برزت في خضم التعددية الحزبية التي أفرزتها الثورة وانتهت بتشكل قرابة 220 حزب سياسي في تونس".

وأضاف، "انتخاب قيس سعيد هو امتداد لخيار انحياز التونسيين للمستقلين الذي رصد إثر فوز القائمات المستقلة على غالبية المقاعد في الانتخابات البلدية السنة الماضية وذلك نتاجًا لانعدام ثقة الناخبين في الأحزاب وصراعاتها وبرامجها ووعودها".

من جانبه، يقول الصحفي كريم البوعلي، "تصدر أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد النتائج هو تعبير عن توجهات شبابية كبرى تقطع مع المنظومات الحزبية العاجزة عن الاستقطاب والفاشلة في الحكم والمعبرة عن فئوية وتمركز للعمل السياسي الأمر الذي لم يعد مستساغًا من فئات واسعة غاضبة ومحبطة".

 ويعتقد البوعلي أن "هذه الفئة بحثت عن بديل غير متحزب، كفء وجدّي ذو صرامة بادية ولم يمارس السياسة لا في الحكم ولا في المعارضة، يحمل أفكارًا قانونية لمسائل متشعبة فشل فيها السياسيون كالهيئات المستقلة والمحكمة الدستورية لينجح في إقناع شريحة كبيرة من المجتمع التونسي، فوجدوها في قيس سعيد.

في نفس السياق، يرى الناشط السياسي سعيد عطية أن نتيجة الانتخابات صدمت منظومة الحكم القائمة لكنها كانت نتيجة طبيعية لفشل سياساته الاقتصادية و الاجتماعية. ويقول عطية في هذا الشأن، "نجح كلّ من سعيد والقروي في بناء قاعدة انتخابية خارج القواعد الانتخابية الكلاسيكية، أي خارج منظومة الصراع الإسلامي التجمعي الحداثي."

وأضاف محدّثنا: "نجاح كلاهما في الوصول لفئة كبيرة من الشعب كفرت بالإعلام وبالطبقة السياسية الحالية، فقد سوّقا بأنهما بديلان لمنظومة الحكم بجناحيها القديم والجديد، فقيس سعيد هو البديل عن منظومة الحكم التابعة للثورة ونبيل القروي هو بديل لمنظومة الحكم بصيغتها القديمة".

سيناريوهات منتظرة

"بالنسبة للدور الثاني لهذه الانتخابات، يرى هشام بن أحمد أن القوى الثورية سوف تصطف كلها لدعم قيس سعيد خصوصًا وأنها خسرت كل أوراقها ولم يبقَ لها سوى هذا الخيار، أما نبيل القروي فمن المنتظر أن يلقى دعمًا من القوى الحداثية وأنصار الثورة المضادة بحكم دوره السابق في بروز حزب نداء تونس وصعود الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي لقرطاج إضافة إلى أن علاقته مع رموز النظام السابق حميمة ومتقاطعة.

ويشير كريم البوعلي إلى أن القروي، "كان داعمًا للرئيس المخلوع بن علي ثم بعد الثورة قفز من القارب وكان أول من خصص قناته لدعم حكومة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي بعد ثورة 2011 ليتخندق بعد انتخابات 2011 مع المعارضة ضد الترويكا، وفي 2014 كان مساندًا لحزب نداء تونس ثم اختلف معهما ومع رئيس الحكومة يوسف الشاهد ليقرر الانتصاب لحسابه الخاص".

من جهته، يعتقد كريم البوعلي أن الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية ستكون حساباته معقدة أكثر لأنه سيأتي بعد الانتخابات التشريعية التي لن ينافس فيها قيس سعيد بل نبيل القروي مؤسس حزب قلب تونس، وإذا ما تحصل ذاك الحزب على عدد مقاعد كبير فالأحزاب السياسية الكبرى قد تتوخى سياسة مسالمة مع القروي -مع عدم إعلان ذلك لأنه كان خصمها لوقت قريب- لتحافظ على إمكانية مخاطبة ود كتلته البرلمانية في مشهد برلماني فسيفسائي مزركش.

هذه الفرضية إن صحّت ستعزز في اعتقاد البوعلي من حظوظ قيس سعيّد لأن الناخبين المتحررين سواء من ضغوطات أحزابهم أو الذين صوتوا لمرشحين محسوبين عما يسمى الصف الثوري، سيصوتون له ما سيمكّنه من الفوز، وفق قوله.