يُحكى أنه في قديم الزمان وحين كان فساد السلطات الغاشمة يستبد بالجماهير تاركًا إياهم يضيقون ذرعًا بالأوضاع الداخلية المتجسدة في الظلم والفقر، كان الناس يلجأون إلى الحكايات والمواويل الشعبية لتسكين أوجاعهم ومن هنا خلقوا من مخيلتهم الشعبية أبطال السير الملحمية الذين جسدت شخصياتهم دور المقاومة لفساد السلطة، وقد اندرجت تلك السير الملحمية تحت بند الأدب الشعبي، والحقيقة أن أبطال تلك السير لم يكونوا خيالين ولكن الشعب هو من خلع عليهم صفاتهم البطولية حتى لو كانوا لا يستحقونها.

يجادل كثيرون بأن الأدب الشعبي هو الذي يجسد التاريخ الحقيقي للشعوب، حكايات ومواويل، طقوس وارتجال، أشعار وأهازيج، فجميعها فنون تتكامل جنبًا إلى جنب لتشكل لوحة شديدة الثراء لتعكس هوية المجتمع، إذ يستهل الشاعر غناءه بتناول سيرة البطل الشعبي حتى تدخل الربابة على استحياء على خط المتلقي إلى الجمهور المتلهف لاستقاء قصة البطل الشعبي التي يتغنى بها الشاعر منذ مطلع الفجر وحتى نهاية الليل.

الأدب الشعبي والسلطة السياسية

يقول الأديب الألماني برتولد بريخت: "لا يمكن للسلطة السياسية أن تستولي على الأعمال الإبداعية، كما تستولي على المصانع، كذلك لا يمكن الاستيلاء على أشكال التعبير الأدبي، كما يتم الاستيلاء على الرخص والتصاريح"، في إشارة إلى أن الأدب يستمد سلطته من صعوبة السيطرة عليه.

انبثقت دومًا سيرة البطل الشعبي بصفة خاصة من تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية

فرغم القيود التي تفرضها السلطات السياسية على حرية التعبير كان الأدب دون غيره يملك القدرة على تطويق تلك القيود من خلال اللجوء إلى الرمز والحيلة وإضفاء جزء من الخيال على الأحداث وذلك عبر صناعة بطل منقذ يقفز فوق الواقع المتردي، ففي الساحات الشعبية المفتوحة كان الجميع يقبل من كل حدب وصوب على مغني الموال الشعبي الذي يقص على الحاضرين الحكايات الشعبية التي تعج بقصص الأبطال الذين طالما سحروهم؛ لأنهم كانوا دومًا يشبعون حاجتهم في الانتقام من الظلم ويعيدون إليهم إيمانهم بأن الخير من الممكن أن ينتصر على الشر، في تلك الحكايات الشعبية وقصص الأبطال كان الجمهور يجد استراحة ومتنفسًا من آلام الحياة.

ولهذا، فقد انبثقت دومًا سيرة البطل الشعبي بصفة خاصة من تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية، ففي كتابه "السينما المصرية والفلكلور" الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة يقول الناقد السينمائي زياد فايد إن شخصية البطل في التراث الشعبي لا ترتبط بالتفوق الجسدي أو المهارة وإنما ترتبط عادة بالفعل الجمعي من أجل تحقيق الهدف العام، البطل إذًا يصنعه المجتمع من احتياجه للثورة على السلطة الظالمة أو ربما من حاجته للانتقام من تلك السلطة.

أشهر أبطال السير الشعبية المصرية

ثمة إجماع على أن السير الشعبية تنتشر كرد فعل على الهزائم الجسيمة، فالسيرة الهلالية انتشرت في مصر بعد الثورة العرابية والاحتلال الإنجليزي، أما شخصية ذات الهمة فقد انتشرت في القرن الثاني الهجري في أثناء فترة الحكم العباسي وهي الحقبة التي شهدت تغيرات اجتماعية عديدة سببها الاختلاط مع الأجناس غير العربية والازدهار المادي والثقافي وتضاؤل دور العربي أمام غير العربي، ومن هنا كان مبعث البحث الجمعي عن بطل عربي يربط بين القديم والجديد ويتمحور دوره في الحفاظ على جوهر الذات العربية، وبالنسبة لمصر فقد فرض سياقها السياسي والاجتماعي ظهور نوعية أخرى من الأبطال الشعبيين أهمهم: علي الزيبق وأدهم الشرقاوي.

علي الزيبق: اللص الذي يحارب لصوصًا

علي الزيبق أو كما يُطلق عليه في السير الشعبية هو أشطر الشطار، وتعد سيرته من أشهر النصوص الشعبية التي استقرت في وجدان المصريين كونها تجسد سيرة بطل نجح في مواجهة الاستبداد وظلم الحكام رغم أنه كان لصًا، ففي تقديمه للكتاب النادر "سيرة علي الزيبق" يقول الكاتب محمد سيد عبد التواب إن الزيبق كان عضوًا في جماعة العيارين في بغداد وهي جماعات سرية ذات تكتلات اجتماعية لها قواعد سلوكية خاصة وكان هدفها السرقة من الأغنياء وإعطاء الفقراء.

يقول عبد التواب إن الزيبق عاش في أزقة الحواري القاهرية ولهذا فإن سيرته تقدم صورة حية من حياة الناس وظروفهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية

وتدور أحداث السيرة الشعبية حول دائرة فساد السلطة التي استشرت بشدة لتبدأ من الوالي وحتى أصغر مسؤول في القلعة، وعليه يقرر حسن رأس الغول والد علي إطلاق شرارة الثورة ضد الظلم المتجسد في عسكر الوالي وخاصة المقدم سنقر الكلبي، ولكن الغول يُقتل في النهاية على يد العسكر ليقرر علي الزيبق استكمال مسيرة والده في مشوار الكفاح ضد الاستبداد ولكن بالحيلة وليس بالتمرد المباشر.

يقول عبد التواب إن الزيبق عاش في أزقة الحواري القاهرية ولهذا فإن سيرته تقدم صورة حية من حياة الناس وظروفهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، عاش الزيبق في وقت حرج من حياة الدولة المملوكية المصرية حين كانت موارد الدولة تنهب من كل حدب وصوب، ويضيف عبد التواب في قراءته التحليلية لسيرة الزيبق بأن ما كانت تردده المواويل الشعبية في المقاهي والموالد عن الزيبق يعد وثيقة فنية بالغة الدلالة تنم عن أن الوجدان الشعبي غاص في أعماق الحياة المصرية وبنيتها التحتية والفوقية وكشف في أثناء ذلك التناقضات الاجتماعية الصارخة التي عانى منها المجتمع المصري وبالتالي كانت سيرة الزيبق بمثابة تعرية لجهاز الحكم في الدولة الذي انهار وجن جنونه من ألاعيب وحيل أشطر الشطار الذي لم يكن بالمناسبة يملك قدرات خارقة.

تحولت شخصية علي الزيبق إلى مسلسل درامي حمل الاسم نفسه في أواسط الثمانينيات، إذ تم إنتاجه خلال عام 1985 وقام ببطولته كل من فاروق الفيشاوي وليلى فوزي وأبو بكر عزت وهدى سلطان وكتب السيناريو والمعالجة التليفزيونية يسري الجندي وكتب كلمات الأغاني الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبندوي وأخرج العمل إبراهيم الشقنقيري.

أدهم الشرقاوي: اللص الذي تحول إلى بطل مقاوم للاحتلال

"الواد كان رفيع الوسط سبحان خلاقه، انتنى وانفرد في الزنزانة هد أركانها، ونط من السجن حتى الصول ما شافه" (موال أدهم الشرقاوي).

كثرت الحكايات عن أدهم الشرقاوي ذلك الطفل النابغة الذي كان يملك جرأة نادرة ألهمت الشعراء الذين صاغوا حكايته في مواويل شعبية وحكايات أحياها الشعب المصري طوال أزمان مديدة، تبدأ الحكاية حين كان أدهم صبيًا صغيرًا يرتاد المدرسة ثم جاءه خبر وفاه عمه الشرقاوي فبكاه كثيرًا وقرر الانتقام له مهما كان الثمن، وتكتمل القصة باشتباه أدهم في أحدهم وقتله بعدها تقبض عليه الشرطة لتنتظره المفاجأة في السجن إذ يعترف له أحدهم بأنه قتل عمه الشرقاوي وهنا يقتله أدهم.

بعد ذلك تتغير حياة أدهم للأبد، فمع انطلاق ثورة 1919 يتمكن الشرقاوي من الهرب من السجن بصحبة عدد من المساجين حيث يقنعه أحدهم بضرورة الانضمام للثورة ومقاومة الإنجليز وبالفعل ينخرط الشرقاوي في مقاومة الاحتلال ويأخذ من ثروات الإقطاعيين ويعطي الفقراء، ورغم محاباة السيرة الشعبية المصرية للشرقاوي، فإن الدولة كان لها رأي آخر، فالرواية الرسمية التي أصدرتها الصحف القومية في تلك الفترة مثل جريدة "الأهرام" و"اللطائف المصورة" ذكرت أن الشرقاوي مارس أعمال السرقة والإجرام وأشاع الرعب في أرجاء إيتاي البارود بمحافظة البحيرة، وفي يوم مقتل الشرقاوي احتفلت الدولة المصرية احتفالًا عظيمًا، إذ قالت إنه أشاع الفوضى في أنحاء البلاد وزعزع أمنها.

لكن المواويل الشعبية كان لها رأي آخر، فبعد وفاته صورت مشهد موته بدراما مهيبة ربما هي الأشهر والأكثر شعبية عبر تاريخ المواويل: "وقعت يادهم ولو كان الرصاص له قلب مكنش صابك مكنش صابك وكان اترد ع الأندال، ياخسارة ياخسارة ياخسارة يادهم، الصبر طيب يا راية الظلم ما تعليش، لادهم بطل والبطل جوا القلوب بيعيش، من بعد الادهم هتطرح أرضنا ثوار ثوار يردوا المظالم كلها في النار".

وإلى ذلك، فنحن شهودٌ اليوم على كيف تخلق الشعوب رموزًا وأيقونات تمجدها وتعلي مكانتها، بسبب أفعال تراها بطولية، فيما تراها الأنظمة شخصيات "إرهابية" أو خارجة عن القانون، ويعود هذا بالدرجة الأولى لكون بوصلة الحكومات مختلفة تمامًا عن احتياجات الشعوب وأحلامها، ما يخلق الثورات التي نعايشها اليوم.