يصر الجزائريون على رحيل كل رموز نظام بوتفليقة

تتواصل سياسة الشد والجذب بين السلطات القائمة والمحتجين في الجزائر، ففي الوقت الذي تشدد فيه السلطة على ضرورة إنجاز الانتخابات الرئاسية في موعدها المحدد نهاية هذه السنة "بما وجد" مستعملة كل الآليات للوصول إلى ذلك بما فيها الاعتقالات، يصر الحراك الشعبي على تحقيق كل مطالبه وأبرزها إسقاط كل رموز السلطة قبل الذهاب إلى أي انتخابات، الأمر الذي من شأنه أن يزيد تعقيد الأوضاع في هذا البلد العربي الذي يئن تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة.

انتخابات نهاية السنة

قبل يومين، أعلن الرئيس الجزائري المؤقت عبد القادر بن صالح الأحد في كلمة بثها التليفزيون المحلي أمام الشعب أن الانتخابات الرئاسية ستجرى في 12 من ديسمبر/كانون الأول المقبل، ليتوافق مع التوقيت الذي سبق أن اقترحه رئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح الماسك بزمام الأمور في البلاد.

دعا بن صالح الذي لن يكون بإمكانه الترشح لهذه الانتخابات وفقًا للدستور، إلى "التجند لجعل هذا الموعد نقطة انطلاق لمسار تجديد دولتنا، والعمل جماعيًا وبقوة لأجل إنجاح هذا الاستحقاق كونه سيمكن شعبنا من انتخاب رئيس جديد يتمتع بكامل شروط الشرعية، رئيس يأخذ على عاتقه قيادة مصير البلاد وترجمة تطلعات شعبنا".

واعتبر أن يوم الانتخابات هذا سيكون مناسبة للجزائريين "لصناعة تاريخ بلادهم والمساهمة جماعيًا في حسن اختيار رئيسهم الجديد وتسطير مستقبل بلادهم الواعد، المستقبل الذي حلم به الأجداد والآباء، ويحلم به اليوم الأبناء".

ترى السلطات الجزائرية أن الحل الأمني المتبع وحملة الاعتقالات في صفوف أبرز الناشطين من شأنها أن تخيف الجزائريين

يأمل القائمون على الحكم في البلاد في انتخاب رئيس جديد بدلاً من الرئيس المؤقت الحاليّ عبد القادر بن صالح الذي يفتقد إلى أي شرعية، ووصل بن صالح إلى الرئاسة يوم 9 من أبريل/نيسان الماضي، إثر تعيينه من البرلمان الجزائري بغرفتيه (المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة)، رئيسًا مؤقتًا للبلاد لمدة 90 يومًا بعد استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة من منصبه، إثر الحراك الشعبي المطالب برحيله وتخلي أبرز حلفائه عنه ومنهم الجيش الذي كان أبرز حليف له وعمود حكمه الفقري طوال فترة حكمه التي امتدت لقرابة الـ20 سنة.

وحكم بوتفليقة (82 سنة) الجزائر لنحو 20 سنة بينها سبع سنوات وهو مريض بعد إصابته بجلطة في الدماغ عام 2013، لكن رغبته بالترشح لولاية خامسة في الانتخابات التي كانت مقررة في 18 من أبريل/نيسان فجرت مظاهرات حاشدة.

حملة اعتقالات واسعة

بالتزامن مع إعلان موعد الانتخابات الرئاسية، شنت السلطات الجزائرية الحاكمة حملة اعتقالات كبرى في صفوف الناشطين بالحراك الشعبي من المتمسكين برحيل رموز النظام قبل الحديث عن إجراء أي انتخابات في البلاد.

وكانت الأجهزة الأمنية قد اعتقلت، خلال هذه الأيام، عددًا من الناشطين السياسيين، بينهم الناشطين سمير بلعربي وعزيز حمدي، بتهم تتعلق بالمساس بالوحدة الوطنية ونشر منشورات على فيسبوك تضر بالمصلحة الوطنية.

كما اعتقلت السلطات الناشط السياسي كريم طابو، وأودع السجن بتهمة إضعاف معنويات الجيش، تحت طائل المادة 75 من قانون العقوبات الجزائري، على خلفية تصريحات أدلى بها طابو، انتقد فيها قائد الجيش الفريق أحمد قايد صالح، وطالب بإقالته من منصبه.

يؤكد العديد من الجزائريين تواصل عمليات الاعتقال في الأيام القادمة، وذلك حتى تعبد السلطات الحاكمة الطريق لإنجاز الانتخابات بالطريقة التي تريدها وتخدم مصالحها لا مصالح الحراك الشعبي الذي تعرفه البلاد منذ أشهر عدة.

وترى السلطات الجزائرية أن الحل الأمني المتبع وحملة الاعتقالات في صفوف أبرز الناشطين من شأنها أن تخيف الجزائريين وتضع حدًا لاحتجاجاتهم اليومية ومعارضتهم المتواصلة لإنجاز الانتخابات المقررة نهاية السنة الحاليّة.

هذه الحملة لاقت رفضًا كبيرًا من العديد من القوى السياسية والمدنية، حيث انتقدت حركة مجتمع السلم والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وجبهة القوى الاشتراكية وحزب العمال وحزب العمال الاشتراكي ورابطة حقوق الإنسان، ما اعتبروه حملة اعتقالات تطال الناشطين، وأكد جميعهم أن هذه الظروف لا تساعد على تحقيق أي استقرار سياسي.

استمرار لنظام بوتفليقة

هذه الحملة، وفق عدد من الجزائريين، لا تخرج عما كان يعتمده نظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، فنظام بوتفليقة وهو من يمسك بزمام الأمور إلى الآن، كان يلجأ إلى الحل الأمني والاعتقالات لتمرير أي مخطط له يعارض إرادة الشعب.

من خلال هذا، يرى جزائريون أن سلطات بلادهم، مصرة على الذهاب إلى الانتخابات بأي طريقة كانت، حتى ولو كلفها ذلك اعتقال كل الوجوه البارزة في الحراك الشعبي، حتى تخيف الجميع وتبث فيهم الرعب والرهبة.

وكانت السلطات المسيرة لشؤون البلاد قد وعدت نهاية شهر يوليو/تموز الماضي هيئة الحوار الوطني بإنفاذ تدابير التهدئة ووقف التضييق على الناشطين والإفراج عن الموقوفين منهم، ورفع الإكراهات عن الصحافة، إلا أن المتأمل فيما تقوم به يرى أنها أخلفت وعدها، وهي ليست المرة الأولى.

بحسب مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالنيابة في منظمة هيومن رايتس ووتش، لما فقيه، فإن "السلطات الجزائرية تسامحت في البداية مع احتجاجات الملايين التي بدأت في فبراير/شباط للمطالبة بالإصلاح السياسي، لكنها بدلت توجهها الآن".

يصر هؤلاء على إسقاط هذه الانتخابات في ظل بقاء أبرز الأسماء التي يعتبرونها "أذرع بوتفليقة في السلطة"

وفي تقريرها الصادر في 9 من سبتمبر/أيلول الحاليّ، اتهمت المنظمة الحقوقية، السلطات الجزائرية بـ"تشديد الخناق" على الحركة الاحتجاجية، منددة باعتقالات وانتهاكات لحرية التعبير والتجمع وتدابير أمنية مشددة، وذكرت المنظمة الحقوقية أن "السلطات اعتقلت أشخاصًا لحملهم سلميًا راية أو لافتة احتجاج، وسجنت أحد المحاربين القدامى في حرب الاستقلال لانتقاده الجيش، كما منعت اجتماعات لمجموعات سياسية وأخرى غير حكومية وحجبت موقعًا إخباريًا معروفًا".

إصرار على إسقاط الثالثة

تشدد السلطة الحاكمة، قابله إصرار كبير من المحتجين على تحقيق مطالبهم، حيث تظاهر الآلاف من الجزائريين أمس الثلاثاء، متوعدين بإسقاط الانتخابات التي ترتب لها السلطة كما أسقطوا الانتخابات السابقة.

رغم التضييق الذي تمارسه السلطات على الحراك، تزايد عدد المحتجين بشكل لافت خلال هذه المظاهرة الطلابية، مقارنة بالأسابيع الماضية، وقد بدأ الطلاب القادمون من مختلف الجامعات مسيرتهم الثلاثين على التوالي بمشاركة أساتذة ومواطنين.

ويصر هؤلاء على إسقاط هذه الانتخابات في ظل بقاء أبرز الأسماء التي يعتبرونها "أذرع بوتفليقة في السلطة" ومنهم نور الدين بدوي والرئيس عبد القادر بن صالح باعتبارهما جزءًا من النظام الموروث من 20 سنة من حكم بوتفليقة.

ترى السلطات الجزائرية أن الحل الأمني كفيل بتهدئة الشارع

كان الجزائريون قد أسقطوا الانتخابات التي كانت مبرمجة في 18 من أبريل/نيسان 2019، نتيجة اعتزام بوتفليقة الترشح لها، كما أسقطوا الانتخابات التي كانت مبرمجة في 4 من يوليو/تموز الماضي، وكان سبب إلغاء الانتخابات في يوليو/تموز، غياب المرشحين كما أعلن المجلس الدستوري، أعلى هيئة قضائية في البلاد.

يرى المحتجون أن السلطة الحاكمة أو ما يوصف محليًا بـ"العصابة" تريد أن تتجاوز إرادة الشعب الجزائري الذي يتظاهر كل يوم ثلاثاء وجمعة منذ 22 من فبراير/شباط الماضي، فرغم مرور ستة أشهر على انطلاق ما يعرف بـ"حراك الجزائر"، ما زال الشارع يصطدم بالسلطة الحاكمة في البلاد، ممثلة في رئيس الأركان أحمد القايد صالح ورئيس الدولة بن صالح ورئيس الحكومة بدوي الذين يرفضون الاستجابة لمطالب الحراك.