قيس سعيد

بعد ترقب كبير، أسدلت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس يوم الثلاثاء 17 من سبتمبر الحاليّ، الستار عن نتائج الدور الأول من الانتخابات الرئاسية المبكرة التي شهدتها البلاد يوم 15 من نفس الشهر، التي أسفرت عن صعود المرشحين قيس سعيد ونبيل القروي إلى الدور الثاني، الذي لم تُعلن تاريخه النهائي إلى حد اللحظة.

النتائج الرسمية الأولية التي أعلنتها الهيئة التونسية المعنية بتنظيم الانتخابات بعد ثورة 14 يناير، كانت متقاربة مع تلك التي نشرتها مؤسسات سبر الآراء ساعتين بعد غلق صناديق الاقتراع، حيث حل المرشح المستقل قيس سعيد أولاً بنسبة 18.4% من الأصوات، يليه نبيل القروي ثانيًا بـ15.5%، ليحدث الرجلان بذلك مفاجئة غير متوقعة لكثير من التونسيين ممن كانوا يكذبون ما فتئت تنشره مؤسسات سبر الآراء المحلية والغربية عن الرجلين خلال الأشهر الأخيرة.

في قراءة تحليلية سريعة لنتائج الانتخابات الرئاسية التونسية التي انتهت جولتها الأولى، يتأكد المتابع للمشهد السياسي التونسي، وجود تغير راديكالي في مسار الأحداث التي تستدعي من الباحثين والمتخصصين في دراسة التحولات الاجتماعية وعلم الاجتماع السياسي الانكباب على محاولة تفكيك شيفرات ما حدث، تغير يبدو أن القوى المتصارعة على السلطة في تونس لم تستسغه بعد، حتى وصفه البعض بـ"الزلزال السياسي".

أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد، ورجل المال والإعلام نبيل القروي هما طرفا الدور الثاني من هذه الانتخابات المثيرة للجدل، سيتنافسان فيما بينهما على كرسي قرطاج

هو "زلزال سياسي" إذن، صدع بناءات الأحزاب السياسية القوية في البلاد، وغير خريطة القوى المتصارعة على السلطة بعد ثورة 14 من يناير، قوى كانت ترى في نفسها أنها الوحيدة القادرة على المنافسة على كرسي الحكم، محتقرة بذلك كل من حاول نصحها أو منافستها، بفعل الأنا المتضخمة التي ضربت الثوريين والديمقراطيين في مقتل، ولم يتفطنوا لآثارها السلبية إلا ليل 15 من سبتمبر 2019 الساعة الثامنة ليلاً، عندما نُشرت النتائج التقريبية.

أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد، ورجل المال والإعلام نبيل القروي هما طرفا الدور الثاني من هذه الانتخابات المثيرة للجدل، سيتنافسان فيما بينهما على كرسي قرطاج، تنافس يقول أنصار القروي إنه غير عادل بسبب وجود زعيمهم في السجن بسبب قضية تهرب ضريبي وتبييض أموال، بينما يؤكد أنصار سعيد جاهزيتهم لنصرة رجل القانون أمام مخالفه، والدفع بأحد أكبر المؤمنين بالثورة والداعين لتحقيق أهدافها منذ سنوات، لحكم البلاد وإرساء العدل فيها.

ليس من السهل التنبؤ بنتائج الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية في تونس، رغم أن الكفة تميل لقيس سعيد مرشح التيار الثوري، الذي أعلن عدد من رموزه مساندتهم له، مقابل تفتت وتشرذم وتفكك العائلة الديمقراطية التي باتت بين خيارين أحلاهما علقم، فإما أن تعلن صراحة مساندتها لمترشح فاسد أدانه القضاء التونسي فتراها بذلك ناقضت نفسها خاصة بعد ادعاءاتها الوقوف إلى جانب الحكومة في حربها على الفساد، أو ترك المجال لسعيد لدخول قصر قرطاج بفضل صندوق الانتخابات الديمقراطية.

"السيستام "يتخبط والدولة العميقة تصرخ بقوة بعد أن كانت تئن بهدوء خلال الأعوام الأخيرة، ويبدو أن صراخها الذي سمعه السواد الأعظم من التونسيين في وسائل الإعلام المعروفة بولاءاتها وعلاقاتها المشبوهة، قد يزيد طين المتآمرين على البلاد بلة

لا أحد منا يعلم ما قد يحدث خلال الأيام المقبلة، لكننا صرنا متأكدين من أن الدولة العميقة في تونس أو ما يعرف بـ"السيستام" يتخبط ويجد صعوبة في التنفس منذ ليل 15 من سبتمبر الحاليّ، فرموزه المتناحرون فيما بينهم عجزوا فرادى عن الوصول للدور الثاني من الانتخابات، سانحين بذلك المجال لرجلين دخيلين عنه، وإن كان القروي أحد أبنائه السابقين، ولكن لا أمل في أن يعود مجددًا إليه بعد أن تأذى أذى شديدًا من "السيستام" الذي لم يرقب فيه إلاً ولا ذمة وصادر أمواله وأذله على رؤوس الأشهاد يوم أن قبض عليه بطريقة مهينة في أثناء عودته من نشاط سياسي كان يشارك فيه.

"السيستام "يتخبط والدولة العميقة تصرخ بقوة بعد أن كانت تئن بهدوء خلال الأعوام الأخيرة، ويبدو أن صراخها الذي سمعه السواد الأعظم من التونسيين في وسائل الإعلام المعروفة بولاءاتها وعلاقاتها المشبوهة، قد يزيد طين المتآمرين على البلاد بلة، ويعجل بدمارهم، خاصة أن رجلها الأول كمال اللطيف، صار محاصرًا من كل حدب وصوب، ولم يعد ماسكًا بزمام الأمور والمبادرة مثلما كان، لا سيما بعد فشل رجله عبد الكريم الزبيدي في الوصول إلى خط النهاية منتصرًا.

صحيح أن التيار الثوري الذي عانى الويلات بعد وصول الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي وحزب نداء تونس إلى السلطة نهاية العام 2014، لا يزال منتشيًا بفرحة الانتصار إلى حد اللحظة بعد أن رأى "السيستام" يتداعى ويتهاوى أمام أعينه، لكن هل تساءل الثوريون في تونس عن المستقبل الغامض الذي ينتظر بلادهم إذا وصل سعيد إلى كرسي الحكم؟ بالتأكيد لا، فالسواد الأعظم من ثوريي تونس يتحدثون بالعاطفة ولا يزنون الأمور بميزان العقل والاستشراف.

عملاء الداخل ليسوا وحدهم المتحكمين في خيوط اللعبة في تونس، فالدول الغربية المتصارعة والمنقسمة إلى تيارين متضادين في إدارتهما وتعاملهما للشأن التونسي، وعلى رأسها فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، لن يكونا مرتاحي البال ولن يبقيا مكتوفي الأيدي

إن وصول أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد إلى كرسي رئاسة الجمهورية، لن يكون على الإطلاق انتصارًا للثورة ووسيلة لتحقيق كل أهدافها مثلما يقول المتعاطفون مع الرجل، بل إن الموضوع معقد جدًا والحقيقة قد تبدو مخالفة لذلك، خاصة أن الألغام التي خلفها الرئيس الراحل في قصر قرطاج لن تنفجر إلا إذا فاز سعيد بالرئاسة، كما أن الدولة العميقة لن تستسلم ولن تسلم الحكم عن طيب خاطر، فرجالها الذين حاربوا الرئيس الأسبق منصف مرزوقي من داخل أأمن مكان في البلاد، وشوهوه وكشفوا أسراره وهتكوا أستاره، لن يدخروا جهدًا في تكرار المحاولة مع رجل لم يسبق له أن مارس السياسة في حياته قط.

ليس هذا فحسب، فعملاء الداخل ليسوا وحدهم المتحكمين في خيوط اللعبة في تونس، فالدول الغربية المتصارعة والمنقسمة إلى تيارين متضادين في إدارتهما وتعاملهما للشأن التونسي، وعلى رأسها فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، لن يكونا مرتاحي البال ولن يبقيا مكتوفي الأيدي إذا وصل أستاذ القانون الدستوري إلى قصر قرطاج، فمن سبق له أن ضغط على الباجي قائد السبسي في أكثر من مسألة داخلية وهو الرجل غير المهدد لمصالحهم في تونس، لن يدخر جهدًا في إضعاف الرئيس المقبل وإظهاره في مظهر العاجز عن الإصلاح واتخاد القرار.

من حق الثوريين أن يفرحوا وينتشوا بالفوز، لكن هل تساءل أنصار ثورة 14 من يناير أيضًا عن إمكانية أن ينجح قيس سعيد إذا فاز بالرئاسة، برنامجه الانتخابي الذي لم تتضح ملامحه بعد، بمفرده، خاصة أن البرلمان المقبل سيكون صاحب القرار، وسيكون معنيًا بالتصويت على اختيار رئيس الحكومة المقبلة وأعضائها، أم أنهم تناسوا كيف حكمت النهضة وحلفائها على الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي بالإقامة الجبرية السياسية في قصر قرطاج، وعزلوه عن المشاركة في صنع السياسة الداخلية في البلاد، خاصة خلال العامين الأخيرين من حكمه.

لا نريد أن تجني على نفسها وأهلها براقش، وعلى جميع من يدعم قيس سعيد أن لا يغتر بهذا الفخ الذي ينتظر الرئيس المقبل، الرئيس الذي لا يشكك أحد في نظافة يده واستقلاليته وحبه لتونس وللثورة وأبنائها، ولكن هل حب البلاد وحده كاف لبناء "تونس الجديدة"؟ لننتظر ونرى ما يخبئه المستقبل لتونس وشعبها.