تصاعد أعمدة الدخان من منشأة أرامكو للنفط في بقيق، المملكة العربية السّعودية، في 14 أيلول/ سبتمبر

ترجمة وتحرير نون بوست

في حين لا تزال الجهة المسؤولة عن الهجمات الجوية التي استهدفت منشأتين من مرافق أرامكو السعودية، وهما البقيق وخريص، قيد المناقشة مع توجيه اتهامات للحوثيين في اليمن وإيران، هناك حقيقة واحدة واضحة ألا وهي أن إمدادات النفط في الشرق الأوسط قد تم تسليحها.

بدأت إدارة ترامب هذه الحرب الاقتصادية عن طريق اعتبار نفط إيران بمثابة سلاح من خلال العقوبات التي فرضتها على هذا القطاع وحرمان الجمهورية الإسلامية من إيراداتها الأولية. ولكن سواء كانت إيران مسؤولة عن الهجمات أم لا، فقد استفادت منها لأنها كشفت عن مدى ضعف البنية التحتية السعودية وأثبتت إمكانية حدوث اضطراب وتضخّمه عبر أسواق الطاقة العالمية.

بغض النظر عن المذنب، فقد استخدم أحد الأطراف الفاعلة في الشرق الأوسط العنف لمهاجمة منشأة نفطية من أجل تحقيق أهدافه السياسية. وفي حال كان الحوثيون هم المسؤولون، فإن طرفا يمنيا غير حكومي قد أجبر العالم على التركيز على الحملة الجوية السعودية المتواصلة في تلك المنطقة. أما إذا كانت إيران هي المسؤولة، فإنها بذلك تكون قد وجّهت رسالة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قبل سنة من الانتخابات، تبين فيها مدى ضعف السوق في مواجهة التقلّبات.

تحديد المذنب

تقوم منشأة بقيق بتكرير النفط الخام من حقول مثل خريص وحقل الغوار الضخم، اللذين يعتبران من بين أكبر الحقول في العالم. ولا يعد الهجوم الأخير الأول من نوعه على هذه المنشآت، فقد حاولت القاعدة في سنة 2006 شنّ هجوم انتحاري فاشل على بقيق باستخدام سيارات مفخخة. وفي سنة 2012، تعرّضت منشأة خريص إلى هجوم سيبراني بعد عملية اختراق ناجحة، يزعم أن إيران تقف وراءها.

في الآونة الأخيرة، تم استهداف كلا المنشأتين جوًا مما أدى في تعطيل إمدادات المملكة العربية السعودية النفطية، والحد من دورها كمنتج بديل للنفط، ورفع سعر برميل النفط. في هذا السياق، هناك أربعة سيناريوهات تشمل المذنب ومصدر الهجمات. (1) إما أن الحوثيين قد تصرّفوا من تلقاء أنفسهم، أو (2) أنهم تصرّفوا بناءً على أوامر إيران، أو (3) أن إيران استخدمت الأراضي العراقية والميليشيات الشيعية المتحالفة معها للهجوم، أو (4) أن الهجوم أطلِق من الأراضي الإيرانية. في الواقع، إن حقيقة وجود أربعة سيناريوهات، يبيّن كيف أصبحت صراعات الشرق الأوسط اليوم غير منظمة.

يوم 16 تشرين الأوّل/ أكتوبر من سنة 1987، أصاب صاروخ صيني الصنع من طراز "سيلكوورم" ناقلة نفط كويتية كانت تحت حماية الولايات المتحدة. في ذلك الوقت، لم يكن هناك شكّ في أن إيران هي من أطلقت الصاروخ، لذلك لم تتردد الولايات المتحدة في الردّ. في سنة 1987، شارك في هذا النزاع أربع دول، حيث هاجمت إيران الكويت لأنها كانت تدعم العراق ماليا أثناء الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، في حين تحالفت الولايات المتحدة مع الكويت والعراق.

بشكل مؤكد، لدى الحوثيين دافع وراء الهجمات الأخيرة. وفيما يتعلّق بالقدرات التكنولوجية، أعلن الحوثيون في شهر أيار/ مايو الماضي مسؤوليتهم عن هجوم بطائرة دون طيار على خط أنابيب نفط سعودي يقع غرب الرياض، وهو ما يدلّ على التطوّر الكبير الذي شهدته قدراتهم العسكرية. وقد حلّقت الطائرة دون طيار لأكثر من 800 كيلومتر داخل الأراضي السّعودية.

توفر المملكة العربية السعودية عشرة بالمئة من إمدادات النفط العالمية، بمعدل إنتاج يصل إلى 7.4 مليون برميل في اليوم

يمكن لإيران أن تستفيد من عدد من الجهات غير الحكومية الفاعلة في نزاعها منخفض الحدة مع المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة. وفي ظل سياسة الإنكار، يمكن لإيران استخدام وكلاء مثل حزب الله أو الميليشيات الشيعية العراقية لتدريب الحوثيين، وذلك لشن هجمات متطورة وبالغة الأثر. ومن خلال استخدام هذه الجهات غير الحكومية، قد تتمكن دولة واحدة ألا وهي إيران من التأثير على السعر العالمي للنفط وسياسات منظمة البلدان المصدرة للنفط "أوبك".

سعر النفط

توفر المملكة العربية السعودية عشرة بالمئة من إمدادات النفط العالمية، بمعدل إنتاج يصل إلى 7.4 مليون برميل في اليوم، لكن الهجوم الأخير أدى إلى خفض إنتاجها إلى النصف. وقد تزامنت الهجمات مع استعداد شركة النفط الوطنية "أرامكو" السعودية لطرح أسهمها للاكتتاب عام. وفي حين أن إدارة ترامب لا تتهم إيران باستهداف المملكة العربية السعودية فحسب، وإنما باستهداف إمدادات النفط العالمية أيضا، من المتوقع أن تستفيد شركات النفط الأمريكية من ارتفاع سعر برميل النفط. وستستفيد روسيا أيضا من ذلك بعد أن عانى اقتصادها لفترة من انخفاض اسعار النفط.

صورة لمضخة نفط في موقع لاستخراج النفط في ولاية تكساس الأمريكية في 12 آذار/ مارس.

في أعقاب الهجمات، سجل سعر النفط ارتفاعا بأكثر من 10 بالمئة ليصل سعر البرميل الواحد إلى 68 دولارا. لكن هذا الارتفاع سيؤثر سلبا على الصين التي تستورد معظم نفطها من الخليج، والتي ستخسر 1.1 مليار دولار مع كل دولار ينضاف إلى سعر البرميل الواحد. ورغم تأثر البنية التحتية السعودية بالهجمات الأخيرة، إلا أن صادراتها المتبقية ستدر عليها المزيد من الأموال نتيجة زيادة الأسعار.

قد يبدو للوهلة الأولى أن تهدئة الموقف ليس من أولويات الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة السعودية على حد سواء، خاصة أن لديهما فرصة لتحقيق مكاسب مالية هامة. وبينما يمكن للشركات الأمريكية أن تجني أرباحا طائلة، فإن احتمال وقوع ركود في الاقتصاد بسبب ارتفاع سعر النفط سيؤثر سلبا على فرص ترامب لإعادة انتخابه. 

على الرغم من ارتفاع أسعار النفط بنسبة 10 بالمئة اعتبارا من يوم الإثنين، إلا أنه من غير المرجح حدوث اضطراب طويل الأمد

الدمار المتبادل المؤكد

طوال فترة الحرب الباردة طويلة المدى بين إيران والسعودية، لم تهاجم أي من الدولتين منشآت نفط الأخرى خوفا من التدمير المتبادل للبنية التحتية المرتبطة بالأصول التصديرية الرئيسية. ولكن تقليص العقوبات الأمريكية من قدرة إيران على التصدير، ساعد طهران في التخلص من هذا الخوف. وإذا كانت الولايات المتحدة ستضرب إيران، فإن الجمهورية الإسلامية لن تخسر إلا القليل من خلال شن ضربة شاملة على البنية التحتية للنفط السعودي.

بغض النظر عن المذنب وراء الهجمات الجوية الأخيرة، فقد تم إثبات مدى ضعف البنية التحتية النفطية السعودية للرياض وللعالم بأسره. في هذا الصدد، لابد من دراسة "الأدلة" التي تتّبعها إدارة ترامب لتحديد المذنب بدقة، خاصة أن هذه التوترات تأججت في أيار/ مايو عندما تم إرسال قوة عسكرية ضخمة باتجاه الخليج لتهديد إيران. وقد استند نشر القوات العسكرية إلى ذريعة واهية، تمثلت في الرد على تهديدات غير محددة وجهتها إيران إلى القوات الأمريكية في المنطقة، وهو ما وصفه مسؤول إيراني بأنه "استخبارات مزيفة".

مع ذلك، إن ما اتضح هو تمكن أحد الأطراف الفاعلة في الشرق الأوسط من جعل النفط بمثابة سلاح. وعلى الرغم من ارتفاع أسعار النفط بنسبة 10 بالمئة اعتبارا من يوم الإثنين، إلا أنه من غير المرجح حدوث اضطراب طويل الأمد - لكن أظهرت الأحداث الأخيرة احتمال توجيه ضربة أكبر للبنية التحتية النفطية السعودية، في حال  ارتكبت الولايات المتحدة حماقة كافية لتصعيد الصراع مع إيران.

المصدر: ميدل إيست آي​