وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان في زيارته لرئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك

قبل أيام، أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان، تقديم 60 مليون يورو، مساعدات للسلطات الانتقالية في السودان، بجانب حزمة من العروض الأخرى على رأسها مساعدة الديمقراطية الوليدة على إعادة بناء علاقاتها مع مؤسسات الإقراض الدولية وتسوية ديونها الخارجية والضغط من أجل حذف السودان من القائمة الأمريكية للدول التي تعتبرها راعية للإرهاب، تزامن ذلك مع زيارة الوزير لقطر، ما فسرها على أنها دعم واضح من الدوحة للخرطوم، بجانب لعب فرنسا من اتجاه آخر، على تطبيع العلاقات مع الإدارة الجديدة، ربما تدعمها في طموحاتها الجامحة نحو التمدد في إفريقيا بطريقة أخرى، وترميم سمعتها التي تطعن فيها العديد من الدول، ويتهمونها باستغلال الأفارقة بلا مقابل.

ماذا جرى في السودان؟ 

الطريقة التي تحدث بها دريان للصحافيين خلال المؤتمر الصحفي المشترك، أكد من خلالها وعي فرنسا أن الغرب بات يعرف جيدًا أن هناك سودانًا جديدًا يكتب تاريخًا مختلفًا للمنطقة مع الديمقراطية، بجانب تونس، وبما أنها معادلة غربية خالصة، فلن يكون هناك غضاضة في احتواء السودان الجديد وإقامة علاقات متحضرة معه، تعيشها الديمقراطيات دائمًا على أساس المصالح المتبادلة.

 الدعم الفرنسي يحتاجه السودان بشده لتنظيف سمعته من قائمة الدول الراعية للإرهاب التي ظل فيها طويلاً، وكان يحول دون تلقيه مساعدات مالية، من جهات الإقراض الدولية طوال فترة حكم البشير التي استمرت ثلاثة عقود

الـ60 مليون يورو التي منحتها فرنسا للسودان، منها 15 مليونًا كبند أول للمساعدة في الانتقال الآمن للديمقراطية ودعم بناء مؤسسات الدولة، حتى تستطيع العودة للاندماج الكامل في مصاف الدول العالمية، بعد رحلة طويلة من الغياب، بما يساعد ذلك السودان على التوصل سريعًا لاتفاق سلام مع كل حركات التمرد، بما يمكن شركاءه الأوروبيين من حذفه من القائمة الأمريكية للدول التي تعتبرها راعية للإرهاب.

بالتاكيد الدعم الفرنسي يحتاجه السودان بشده لتنظيف سمعته من قائمة الدول الراعية للإرهاب التي ظل فيها طويلاً، وكان يحول دون تلقيه مساعدات مالية من جهات الإقراض الدولية طوال فترة حكم البشير التي استمرت ثلاثة عقود، بجانب أنها خطوة ناجحة لتسوية ديونه الخارجية، ولكن ماذا عن الرد الذي تريده فرنسا مقابل ذلك، وهل تسعى بذلك بمفردها أم هناك مصالح أخرى من تقدم العلاقات بين البلدين؟

لماذا ظهرت قطر في الصورة بين فرنسا والسودان؟

في الخلفية لزيارة لودريان إلى السودان، التي جاءت ضمن استعدادات زيارة مرتقبة، لرئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك إلى باريس، للقاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، جاءت الزيارة في توقيت متزامن مع زيارة أمير دولة قطر تميم بن حمد، وهنا يمكن القول إن فرنسا تلعب دورًا مهمًا، لإعادة دفء العلاقات بين الدوحة والخرطوم، بعد فترة من توتر العلاقات الثنائية بين البلدين، انتهت إلى صدامية كاملة، بعد عزل عمر البشير وتولي المجلس العسكري الانتقالي حكم البلاد، الذي أبدى غضبًا شديدًا من تغطية شبكة الجزيرة ومؤسسات الإعلام المدعومة قطريًا للأحداث في السودان، وعلى إثره استدعى سفيره لدى قطر، في يونيو الماضي.

ساركوزي مع أمير قطر تميم بن حمد

بتولي حمدوك، تعتبر الأجواء أصبحت مهيأة تمامًا لإعادة العلاقات بين الدوحة والخرطوم، بعد تولي حكومة مدنية، تدين ببعض الفضل للإعلام القطري في كشف الكثير من الانتهاكات التي جرت بالبلاد خلال فترة حكم المجلس العسكري، فضلاً عن الإمكانات التي تملكها الدوحة ومتانة علاقاتها بفرنسا، ما ينعكس على الدول الثلاثة في مستقبل العلاقات بينهم، خاصة أن ماكرون لديه هو الآخر طموحات كبيرة في القارة الإفريقية، ويمكن استخدام السودان الجديد لتمرير رغباته بطريقة تتفق مع الواقع الجديد للمنطقة.

هذه الرغبة الفرنسية في الاستفادة الشديدة من كل دقيقة من وقت حمدوك في باريس، جعل السفارة الفرنسية في الخرطوم، تعلن تأجيل زيارة رئيس الوزراء السوداني التي كانت مُقّررة الخميس الماضي، بسبب ضيق بجدول أعمال الرئيس إيمانويل ماكرون، ولا تزال المشاورات جارية بين البلدين لتحديد موعد آخر، يكون فيه متسع مع الوقت للحديث في كل شيء، بعد أن فشلت محاولات توحيد وقت واحد للقاء حمدوك مع أمير قطر ورئيس فرنسا.

إضافة إلى الأزمة الخليجية التي تتخذ فيها فرنسا مواقف أقرب إلى قطر من التحالف المعادي لها، وهي علاقة تبررها لغة الأرقام والصفقات الموقّعة بين البلدين في مجال التسليح

كان ماكرون يأمل في الاستفادة من اللقاء الثلاثي، في تشكيل تحالف جديد بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية، في ظل التطورات الأخيرة التي تشهدها المنطقة، ربما يشكل ذلك إطارًا أوسع للتحالف في ملفات عدة، منها الأزمتان الليبية والسورية والقضية الفلسطينية، إضافة إلى الأزمة الخليجية التي تتخذ فيها فرنسا مواقف أقرب إلى قطر من التحالف المعادي لها، وهي علاقة تبررها لغة الأرقام والصفقات الموقّعة بين البلدين في مجال التسليح، وتبادل الخبرات والمعارف لتطوير المنظومة الدفاعية لدولة قطر بخبرات فرنسية.

بجانب ذلك يمكن ملاحظة تدفق الأسلحة الفرنسية على قطر بعد إتمام صفقة شراء طائرات الرافال القتالية، وتسلم 10 بالفعل، فضلاً عن 14 طائرة أخرى من نفس النوع، ستتسلمها خلال الفترة المقبلة، وتنتهي الصفقة منتصف يناير 2020، بجانب 50 طائرة "إير باص" طراز "A321"، إضافة إلى الاتفاق على شراء 490 عربة مدرعة، فضلاً عن العديد من المناورات العسكرية والتدريبات العسكرية المشتركة، في المقابل كانت قطر تتعاون مع فرنسا بجانب أمريكا وعدد من الدول الأوربية لحل الأزمة الأفغانية، باحتضان مفاوضات طالبان والولايات المتحدة، والترتيب مع القاعدة، للمؤتمر الأفغاني للسلام بالتعاون مع ألمانيا، وغيرها من الملفات الدولية التي أصبحت قطر فيها، على رأس تفضلات الشراكة في المنطقة، مع القوى الأوروبية. 

السودان .. طريق فرنسا لإزالة شوائب الماضي في إفريقيا

تواجه فرنسا دائمًا اتهامات باستغلال القارة الإفريقية، سواء بسبب الماضي الاستعماري للدولة الأوروبية الكبيرة في القارة السمراء أم لكثرة تدخلاتها العسكرية في العديد من النزاعات التي تجري في بلدانها، ولم تقف الاتهامات على بعض الدول الإفريقية المتضررة من السياسات الفرنسية، ولكن بعض الدول الأوربية أكدت النهم الفرنسي بالقارة، وآخرها إيطاليا، التي أطلق نائب رئيس وزرائها، دي مايو، تصريحات غير مسبوقة، انتقد فيها فرنسا، محملاً إياها مسؤولية هجرة الشباب الإفريقي إلى أوروبا.

الاحتواء الفرنسي للسودان الجديد، ودعم النظام الديمقراطي فيه على جميع المستويات، هو عنوان السياسة الجديدة لفرنسا في التعامل مع القارة السمراء

الصراع بين الحكومة الشعبوية وماكرون، أصبح ياخذ طريقة الردح العربي عندما يختلف الحكام العرب مع بعضهم البعض، وهي طريقة جديدة نسبيًا على الفكر الأوروبي الذي يعاني بشدة منذ صعود الشعبوية في الغرب، لذا طالب المسؤول الأول في إيطاليا، بمعاقبة فرنسا من الاتحاد الأوروبي، على سياساتها التي تدفع الأفارقة إلى الفقر، بسبب استعبادها بشكل متواصل، ويدلل على ذلك بارتباط العملة النقدية لـ14 بلدًا في غرب إفريقيا ووسطها، من السنغال عبر تشاد إلى جمهورية الكونغو، وهي مستعمرات سابقة لفرنسا، بطريقة أو بأخرى بالفرنك الفرنسي، ما يصب في صالح الخزينة الفرنسية.

تأمل فرنسا في استمرار اتفاقيات التجارة القديمة مع مستعمراتها السابقة

الاحتواء الفرنسي للسودان الجديد، ودعم النظام الديمقراطي فيه على جميع المستويات، هو عنوان السياسة الجديدة لفرنسا في التعامل مع القارة السمراء، بعد أن استشعرت أن هناك ترحيبًا في بعض دولها بالتصريحات الإيطالية التي أثارت أزمة دبلوماسية كبرى بين البلدين الأوربيين، بسبب ما تعتبره إيطاليا عجرفة فرنسية تجاه سياسة الهجرة الأوروبية التي تخضع لضغوط فرنسا دائمًا، لذا أرادت إيطاليا توجيه ضربة علنية لسمعة باريس.

وتأمل فرنسا في استمرار اتفاقيات التجارة القديمة مع مستعمراتها السابقة، التي تضمن لها علاقة خاصة في منطقة اليورو، فضلاً عن إيجاد سوق لمنتجاتها ومنفذ لمواد أولية رخيصة إضافة إلى التأثير السياسي والعسكري، في الوقت الذي لا يجد فيه الأفارقة مقابل هذه العلاقة مع فرنسا إلا أسعار فوائد مرتفعة وكميات كبيرة من الديون وعقبات تجارية ونمو اقتصادي ضعيف، وإن كانت فرنسا لها هي الأخرى تأويلات في هذه الأزمات، ودائمًا ما تشتكي من انعدام التطور في تلك البلدان، بسبب سوء التدبير الحكومي والفساد، وهو سر الدعم الفرنسي في البند الأول لتطوير مؤسسات الدولة السودانية وتحفيزها على نحر الفساد وإرساء قواعد الديمقراطية من القمة للقاع، ما يعني ضرورة سن سياسات جديدة للتعامل الفرنسي في القارة، تبدأ من دعم السودان في مساره الديمقراطي الصعب.