أكثر من عامين مرّا على قرصنة قناة "بي إن سبورتس" الرياضية القطرية وسرقة بثها من قناة رياضية سعودية تُدعى "بي آوت كيو"، حيث عمدت الأخيرة على نقل مختلف الأحداث الرياضية التي تمتلك حقوقها الحصرية مجموعة "بي إن سبورتس"، وظهرت القناة السارقة بعد شهر فقط من فرض الرباعي العربي (مصر والإمارات والسعودية والبحرين)، الحصار على قطر.

وكشفت قناة الجزيرة، أمس عبر برنامجها الاستقصائي الشهير "ما خفي أعظم" حلقة بعنوان "خلف الستار"، عن تفاصيل اعتبرتها القناة غير مسبوقة عن مخطط قرصنة قنوات "بي إن سبورتس" القطرية من شبكة تضم أطرافًا سعودية، وتحدث البرنامج ومن خلال الوثائق عن الشركات المساهمة بالقرصنة والمقر الذي يتم فيه سرقة المحتوى من القناة الأصلية، وكشف التحقيق أن العملية ليست نتاج أنشطة قراصنة هواة، وإنما جزء من منظومة متكاملة بغطاء رسمي ودعم مالي.

فيديوهات مسربة

يقوم هذا التحقيق على فيديوهات مسربة حصلت عليها "الجزيرة" مؤخرًا، مما قالت إنه مقر قناة "بي آوت كيو" السري، وكشف التفاصيل السرية للموقع والشخصيات المرتبطة به، كما أظهر الفيديو المعدات وأجهزة البث والاستقبال التي تستخدم بالقرصنة.

في حي القيروان بالعاصمة السعودية الرياض، تظهر المقاطع المسربة المكان الذي تبث منه "بي آوت كيو"، وتظهر اللقطات أن المكان الذي تنطلق منه القناة يحمل اسم "المدينة الإعلامية شماس"، وفي هذا المقر توجد المعدات وأجهزة البث والاستقبال المستخدمة والفرق والموظفون العاملون على القرصنة.

تظهر الفيديوهات غرفة في المقر جهزت للبث الاحتياطي في حال الخلل وانقطاع البث، وتحوي هذه الغرفة أجهزة "بي إن سبورتس" الأصلية ويظهر عليها اسم المشتركين وأرقام التسجيل الخاصة، ويذكر التحقيق أن هذه الأجهزة قد تكون مشتراة بشكل رسمي أو صودرت من الأسواق في الفترة التي مُنع السعوديون فيها من تداول هذه الأجهزة.

ومن خلال هذه الأجهزة يتم الحصول على البث الأصلي لفعاليات "بي إن سبورتس"، قبل إعادة بثه بشكل غير شرعي على القناة المُقرصِنة "بي آوت كيو"، عبر وضع شعار القناة منتهكة حقوق البث على شعار القناة الأصلي.

من جهته قال إستيبان مارتي، مدير قطاع التكنولوجيا في مجموعة "بي إن سبورتس"، إنهم شوشوا على كثير من أجهزة الاستقبال المستخدمة في "بي آوت كيو" وتشارك في القرصنة ويلعبون لعبة "القط والفأر" في ملاحقة السرقة، مضيفًا "من يقرصنون يستطيعون إكمال مهماتهم حتى لو بجهاز استقبال واحد".

عرب سات

بدوره، أشار دينكان واليكنشو، مدير البرامج في "بي إن سبورتس"، إلى أنه لاستقبال القمر الصناعي فإن الأمر يحتاج إلى قمر عرب سات، وهو يغطي مساحة واسعة، ويذكر البرنامج أن القمر كان الوسيلة الأساسية التي أمنت بث القناة السارقة "بي آوت كيو" منذ أكتوبر 2017، وعلى الرغم من مخاطبة القمر من مجموعة "بي إن" وجهات دولية أخرى، فإنها نفت علاقتها ببث القنوات المُقرصنة، الجدير بالذكر أن السعودية تمتلك النسبة الأكبر من عرب سات وتقدر بـ36%.

من جهتها قالت شيلا كاسلز مديرة تحالف مكافحة القرصنة المرئية والمسموعة، إنهم تواصلوا مع إدارة "عرب سات"، وشرحوا لهم الموقف وطالبوهم بإجراءات حيال القرصنة، إلا أن إدارة القمر أنكروا تورطهم بالقضية، واحتجت إدارة القمر أن المحكمة الفرنسية المختصة قررت أن خدمات بي آوت كيو تقدمها شركة بث فضائي سعودية.

وفي ذات البرنامج قال الخبير القانوني الدولي سعد جبار، من خلال اطلاعه على الحقائق: "لا مجال للشك بأن السعودية تعلم بالقرصنة لأنها من نظمت لها على أعلى المستويات وحددت الآليات وأمرت عرب سات بالبث لأن مدير القمر سعودي ولا يستطيع الخروج عن أوامر المسؤولين السعوديين".

شركات مساهمة

وفي سياق متصل، كشف برنامج "ما خفي أعظم" أن شركتين سعوديتين هما "سيلفيجن" و"شماس"، تورطتا في عمليات القرصنة التي قامت بها قناة "بي آوت كيو"، حيث حصلت "الجزيرة" على وثائق وعقود مسربة، تثبت تورط الشركتين بتأسيس وتشغيل قنوات "بي آوت كيو"، وتظهر الوثائق أن شركة "سيلفيجن" مرخصة في إمارة دبي، وأيضًا مرخصة بنفس الاسم في وزارة التجارة والصناعة السعودية ويديرها رجل الأعمال السعودي رائد خشيم.

أما بالنسبة لشركة "شماس" وهي مدينة إعلامية موقعها الرياض ويرأسها مقلح بن عبيد الهفتا، فقد وقعت مع "سيلفيجن" عقدًا تحت اسم "تخصيص باقة تليفزيونية عبر المدينة الإعلامية شماس" عبر قمر عرب سات، ومدة العقد سنة كاملة، وبلغت قيمة التعاقد السنوي مليونين و300 ألف دولار، وتظهر وثائق بثها البرنامج عن تحويل مدير سيلفيجن لمبلغ مالي لصالح "عرب سات" في أكتوبر 2017.

أيادٍ مصرية 

اتهمت النيابة العامة القطرية ثلاثة موظفين في مجموعة "بي إن سبورتس" بالتخابر مع السعودية ومصر للإضرار بمصالح الشبكة الرياضية، وأفاد النائب العام القطري، بأن أحد المتهمين الثلاثة سافر إلى السعودية بعد الحصار ودخلها دون تأشيرة ولا ختم جواز والتقى ضابط الاستخبارات السعودي ماهر المطرب المشارك في عملية قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية الرياض بإسطنبول، كما قدم المتهم الرئيسي في قضية التخابر معلومات سرية وحساسة ووثائق للمخابرات المصرية.

وحدد البرنامج، اسم رجل الأعمال المصري أحمد أبو هشيمة المؤسس والمالك السابق لمجموعة "إعلام المصريين" المالكة لعدد من المؤسسات الإعلامية أشهرها "أون تي في" وجريدة اليوم السابع، حيث اعترف المتهمون الثلاث في القضية (علي محمد سالم ووليد عبد العزيز المغاوري وعمر نجيب شوك) بتمويل أبو هشيمة للمشروع الإعلامي المفترض الذي كانوا جزءًا منه وتم رصد ميزانية ضخمة لإنشائه في مصر.

وكشف محمد العامري وكيل نيابة أمن الدولة أن هذه الخلية "سهلت دخول وفد مصري تابع لأحمد أبو هشيمة إلى مقر مجموعة بي إن سبورتس في أغسطس 2016"، وأوضح العامري أنه وخلال الزيارة "اطلع الوفد على الأجهزة ومرافق بي إن وغيرها من الإمكانات التي تملكها المجموعة الإعلامية"، مشيرًا أنهم تأكدوا لاحقًا أن ضابطًا في الأمن القومي المصري كان من ضمن الوفد".

يذكر أن الاتحاد الدولي لكرة "فيفا" كان قد أعلن أنه يعتزم اتخاذ إجراءات قانونية ضد شبكة قنوات "بي آوت كيو" بسبب قرصنة مقابلات كأس العالم 2016، وواصلت الشبكة بث مباريات كأس العالم في روسيا بشكل غير قانوني رغم اعتراض شبكة بي إن سبورتس القطرية، وحث الفيفا "سلطات المملكة العربية السعودية والدول المختلفة التي لوحظت فيها هذه الأنشطة غير القانونية على دعمنا في مكافحة القرصنة".