مشجعة إيرانية

في التاسع من سبتمبر/أيلول الجاري، توفيت مشجعة كرة القدم الإيرانية، سحر خضيري، المُسماة بـ "الفتاة الزرقاء" نسبة لألوان قميص فريقها المفضل "الاستقلال"، في إحدى المستشفيات بعد أن أشعلت بنفسها النيران خارج المحكمة التي أمرت بسجنها لمدة 6 شهور بتهمة "الظهور علنًا دون حجاب"، إثر محاولتها دخول ملعب "آزادي" -تعني الحرية باللغة العربية- لمشاهدة فريقها المفضل في أزياء رجالية، في شهر مارس/آذار الماضي.

تسببت وفاتها في حالة حزن وغضب شديدين، داخل إيران وخارجها، ونتيجة لذلك، بعث العديد من الناشطين في مجال الحقوق رسائل إلى الأمين العام ورئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" للتعامل مع هذه القضية وتحدياتها بجدية تامة، إيمانًا منهم بأن الفيفا تتحمل هذه المسؤولية لأنها لم تطبق قوانين حقوق الإنسان الخاصة بهم في إيران ولو كانت فعلت ذلك، لكانت خضيري على قيد الحياة اليوم.

ذكرتنا هذه الحادثة بتاريخ الفيفا التمييزي ضد النساء، رغم جميع المحاولات الأخيرة، إلا أنها خيبت آمال النساء لسنوات طويلة، إذ تنص المادة 3 من أنظمة الفيفا على أن "أي تمييز من أي نوع... ممنوع منعًا باتًا ويعاقب عليه بتعليق العضوية أو الطرد"، ولكن هذه القواعد المكتوبة لم تنصف المرأة على أرض الواقع.

الملاعب للرجال فقط

بعد وفاة خضيري، توالت المطالبات التي تخاطب الفيفا بالتدخل لإيجاد حل سريع ومُرضي لإنهاء الحظر وتوفير الأمان للنساء، ما دفع الفيفا إلى الدخول في نقاش دام أسبوعًا مع الاتحاد الإيراني لكرة القدم على أمل حضور النساء في الملاعب في الألعاب المستقبلية، وبالفعل، صرح الاتحاد بمقدرة المشجعات الإيرانيات في حضور مباريات كرة القدم بدءًا من تصفيات كأس العالم  2022 في شهر أكتوبر/تشرين الأول المقبل. وذلك بعد 40 عامًا من الانتظار والمنع، مع بعض الاستثناءات المعدودة.

ورغم هذه الانفراجة، إلا أن الإيرانيات وجدن هذه الخطوة غير كافية ولا تعترف بحقهن الكامل في حضور جميع المباريات كما يحلو لهن، فجميع قرارات السماح تكون مؤقتة ومحددة بأعداد معينة من المشجعات، ولا تحمي النساء بشكل تام من الاعتقال والعقوبات الأخرى، مما فتح باب من الاتهامات والتساؤلات حول دور الفيفا في تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة على أرض الملعب.

ولا سيما أن الحظر لا ينطبق على النساء غير الإيرانيات اللاتي يأتين لدعم فرقهن مما يجعل القانون الإيراني غير منطقي ومحاولات الاتحاد في الضغط على السلطات الإيرانية ليست جدية، ولا سيما أنها امتنعت عن تعليق أو حظر اتحاد كرة القدم الإيراني.

منعت السلطات الإيرانية النساء من  مشاهدة كرة القدم في الملاعب العامة منذ عام 1981. استنادًا إلى  المرجع الديني الذي قال إن "  الاختلاط بين الشباب والشابات وحريتهم في هذا المجال يتسبب بمشاكل كثيرة أخلاقيًا واجتماعيًا".

ففي العام الماضي، جاء رئيس الفيفا جياني انفانتينو، إلى إيران في زيارة لمباراة بين فريقي الاستقلال وبرسيبوليس، ورغم أن الملعب كان يتسع لـ 100 ألف شخص، إلا أن النساء استبعدت تمامًا من المشاركة ولم يكن لدى انفانتينو أدنى مانع من الاستمتاع في المباراة في ملعب يمتلئ بالرجال حصرًا، بينما كانت مشجعات كرة القدم الإيرانيات يتعرضن للاعتقال في الخارج، وذلك بحسب ما كتبته حركة "الملاعب المفتوحة" النسائية على تويتر.

وتعود قصة منع السلطات الإيرانية النساء من ممارسة كرة القدم أو مشاهدتها في الملاعب العامة إلى عام 1981. استنادًا إلى  المرجع الديني آية الله مكارم شيرازي، واحد من أبرز المعارضين لحضور النساء المباريات، الذي قال إن "أجواء الملاعب لا تتناسب مع حضور النساء، ولا شك أن الاختلاط بين الشباب والشابات وحريتهم في هذا المجال يتسبب بمشاكل كثيرة أخلاقيًا واجتماعيًا".

ونتيجة لذلك، تتنكر بعض النساء بملابس الرجال وتضع لحى اصطناعية لمشاهدة المباريات وتنشر صورهن على مواقع التواصل الاجتماعي احتجاجًا على هذه القوانين، كما تتظاهر أخريات أمام بوابات الملاعب الرياضية كجزء من حركة "الملاعب المفتوحة" أو "أوبن ستاديومز"، التي تصف نفسها على موقع تويتر على أنها "حركة نساء إيرانيات اللواتي تسعى إلى إنهاء التمييز والسماح للنساء بحضور الملاعب"، وهي منظمة نشطة منذ 15 عامًا تقريبًا.

 "الملاعب المفتوحة" أصبحت وسيلة للتأكيد على حقوق النساء الأساسية وتوضيح موقفهن تجاه جميع السياسات والأيديولوجيات القمعية التي شكلت حياتهن، وتدريجيًا باتت الملاعب رمزًا لحرية المرأة

وتعود الفكرة إلى عام 2005 أثناء مباراة بين الفريق الإيراني والبحريني، حين كانت النساء تتظاهر خارج ملعب آزادي كمجموعة صغيرة للمطالبة بحقهن في دخول الملعب إلا أنهن تعرضن للضرب على أيدي قوات الأمن، ولكن في نهاية المطاف سُمح لهن بالدخول، وهي المرة الأولى التي تحضر فيه النساء مباراة تحت حكم الجمهورية الإسلامية، ثم تحولت هذه المجموعة إلى حركة نسوية رسمية.

 

بالرغم من جميع الانتقادات والأصوات المضادة التي كانت تقول بأن هناك قضايا أكثر أهمية بالنسبة لحقوق المرأة في إيران من حضور المباريات، إضافة إلى الصمت والإهمال الذي تلقته من الفيفا والاتحاد الآسيوي والمنافذ الإخبارية المحلية والدولية، وذلك حتى عام 2013، عندما تابعت منظمة "هيومن رايتس ووتش" هذه القضية وقدمت دعمها، ولحقتها بعد حين الكثير من منظمات حقوق الإنسان الأخرى.

ومنذ ذاك الوقت، لم تكن حركة "الملاعب المفتوحة" عبارة عن منظمة تطالب بحق النساء في حضور المباريات فحسب، وإنما أصبحت وسيلة للتأكيد على حقوق النساء الأساسية وتوضيح موقفهن تجاه جميع السياسات والأيديولوجيات القمعية التي شكلت حياتهن، وتدريجيًا باتت الملاعب رمزًا لحرية المرأة، فإذا تمكنت المرأة الإيرانية من كسر هذا الحاجز والدخول إلى الملعب، فيعني أنها قادرة على كسر جميع الجدران الأخرى.

ما مشكلة المرأة مع الفيفا؟

في مؤتمر صحفي قبل كأس العالم، سأل أحد الصحفيين، ميغان رابينو، لاعبة كرة قدم أمريكية تلعب حاليًا مع نادي سياتل رين الأمريكي، عن كيفية تطوير كرة القدم للسيدات، وردت قائلةً: "القيام بنفس الشيء الذي يتم تقديمه لرجال"، مشيرةً إلى أن تكرر شكل الأنظمة التي تدار بها كرة القدم النسائية اليوم لن يخدم اللاعبات أو النساء الرياضيات، فلقد خذلت المرأة مرارًا.

كما ترى مؤلفة كتاب "سلوك غير رياضي: كلية كرة القدم وسياسة الاغتصاب"، جيسيكا لوثر، أنه على كرة القدم النسائية الابتعاد عن الفيفا وجميع الاتحادات الدولية الأخرى، والاستعانة عنها بنظام أفضل ومنفصل عن الرجال رفضًا لسياسات الانحياز التي تتبعه هذه المؤسسات.

قرر الفيفا زيادة قيمة جوائز مونديال السيدات من 15 إلى 30 مليون دولار، لكن قالت رابطة اللاعبين المحترفين إن هذه التغييرات "غير كافية" لإصلاح عدم المساواة بين منافسات الرجال والسيدات في اللعبة

فبحسب قولها، حددت اثنتان من الاتحادات القارية نهائيات بطولة الرجال يوم الأحد، وهو نفس اليوم لنهائيات كأس العالم للسيدات ، وعلى الرغم من أن اللعبة النسائية قد تم جدولتها أولًا، إلا أنهم قالوا بأنهم أخطأوا في تحديد التواريخ، ما يعني أنهم تناسوا أكبر حدث رياضي نسائي في العالم، يضاف إلى ذلك، فشل الفيفا في التعامل مع قضايا الاعتداء الجنسي داخل هذه الرياضة، فلقد اتهمت 5 لاعبات أفغانيات الرئيس السابق لاتحاد كرة القدم الأفغاني، كرم الدين كريم، بالتحرش بهن في الفترة ما بين عامي 2013 و2018.

أما فيما يتعلق بالجانب المادي، تمتلك الفيفا احتياطات تزيد قيمتها عن ملياري دولار وجلبت إيرادات بلغت 6.4 مليار دولار بين عامي 2015 و2018، وفقًا لوكالة أسوشيتيد برس، إلا أنها حافظت على سياسة تقليل التمويل في ألعاب النساء، فحين ضاعف المسؤولون المبلغ الإجمالي لجائزة كأس العالم للسيدات من 15 مليون دولار إلى 30 مليون دولار، جمعوا في نفس الوقت أموال لجائزة الرجال من 400 مليون دولار إلى 440 مليون دولار.

إنفانتينو برر عدم المساواة في الحزمة المالية بعدم التكافؤ بين الجنسين، وهي الحجة التي تزيد الوضع تعقيدًا وسوءًا لأن ظروف العمل غير العادلة واتساع فجوة الأجور بين الطرفين سوف يُبقي اللعبة النسائية في مكانها

وقالت رابطة اللاعبين المحترفين إن هذه التغييرات "غير كافية" لإصلاح عدم المساواة بين منافسات الرجال والسيدات في اللعبة. وذلك ما يفسر اتخاذ النساء مواقف احتجاجية ضد الفيفا مثل الإضراب والاعتصام ورفع دعاوى قضائية، مثل قضية ماكارينا سانشيز في الأرجنتين، التي رفعت دعوى قضائية ضد ناديها واتحاد كرة القدم الأرجنتيني بسبب افتقارهم إلى الدعم.

الخلاصة، فشل الفيفا في الوفاء بالتزاماته القانونية تجاه المساواة بين الجنسين، إذ يرى البعض أن ذلك نابعًا من وجهة نظر مفادها أن النخبة النسائية لا تتطلب مستوى التحضير نفسه الذي يحتاجه اللاعبون الرجال، أو أنهم يعتبرون النساء أقل استحقاقًا، وخاصةً أن إنفانتينو برر عدم المساواة في الحزمة المالية المعتمدة بعدم التكافؤ بين الجنسين، وهي الحجة التي تزيد الوضع تعقيدًا وسوءًا لأن ظروف العمل غير العادلة واتساع فجوة الأجور بين الطرفين سوف يُبقي اللعبة النسائية في مكانها، ما لم تتقاضى نفس الدعم المالي الذي يحصل عليه الرجال.