لا حديث في الأوساط الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني بالمغرب، إلا عن الارتفاع الكبير في ميزانية التسليح العسكري، على حساب توفير متطلبات الحياة للمواطنين من فرص عمل وسكن وخدمات صحية، الأمر الذي دعاهم لإعلان الاستنكار الشديد والرفض القاطع لاستمرار الدولة في رفع ميزانية الجيش بعدما وصلت إلى 4% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، في الوقت الذي يعد المواطن وحقوقه ورفاهيته الأولى بهذه الاستقطاعات التي تصرف على معدات ستأخذ وقتها وستضيع دون استفادة في قبور المخازن.

الغضب الحقوقي والاجتماعي، كان الخطاب الأكثر وضوحًا في التعبير عنه، الجمعية المغربية لحقوق الإنسان للتعبير، التي لفتت نظر بلادها، بمناسبة اليوم الدولي للسلام، إلى الأولويات التي تطرحها الأمم المتحدة لخطة طويلة المدى حتى عام 2050، لوضعها على جدول أولوليات الميزانية المغربية، على رأسها الحد من الانبعاث الكربوني الذي يهدد سلم وأمن العالم، وتعميم التعليم الديمقراطي الجيد باعتباره أحد أهم حقوق الإنسان في العصر الجديد وأساس للتنمية المستدامة على الأصعدة كافة، ومن خلاله لن يكون هناك حاجة للسلاح بهذا الشكل، لما يشكله من قوة باترة في وجه التطرف، فضلاً عن زرع قيم الاحترام والتسامح في أبناء الأوطان جميعًا منذ الصغر.

ويهرول المغرب لتجديد عدته وعتاده العسكريين، بأقوى وسائل ومعدات تكنولوجيا الحروب، خلال السنوات الأخيرة، وكانت آخر صفقاته منتصف الشهر الحاليّ، بعد موافقة الولايات المتحدة الأمريكية على بيع ترسانة من الأسلحة الحديثة والذكية بتكلفة تقدر بنحو مليار دولار، أي ما يعادل 9.5 مليار درهم، بحسب الموقع الإلكتروني لوكالة التعاون الأمني الدفاعي التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية.

الصفقة الأمريكية للمغرب عبارة عن 400 قاذف صواريخ مضاد للدروع من طراز "M220A2" وقاذفات "TOW" وأكثر من 2400 من صواريخ التردد اللاسلكي "TOW2A"، بالإضافة إلى 28 من صواريخ تردد الراديو "TOW2A" بجانب 400 صاروخ قاذفات نظام لاستهداف المحسن "ITAS، أما الصفقة الثانية فهي عبارة عن مجموعة ذخائر وقنابل وقنابل ذكية خاصة بطائرات "F16" بقيمة إجمالية تناهز 209 ملايين دولار، من أبرزها 5810 قنبلة من نوع "MK82-1"، و300 قنبلة من نوع "MK84-4" و2000 قنبلة مليئة بالمتفجرات من نوع "IB".

اللافت للنظر أن الجيش المغربي يطور نفسه بهذه السرعة رغم تراجع سباق التسلح مع الجزائر التي تعيش حالة خاصة من الصراع السياسي، وتغيرت لديها الأولويات بعد تعقد الحلول كافة واستمرار الشارع الجزائري في الحراك للمطالبة بإسقاط النظام كاملًا على عكس رغبة الجيش، وهو ما أسفر عن تراجع البلدين العام الماضي في التصنيفات العسكرية المعتبرة، وترك المغرب المرتبة الـ55 في تصنيف العام الماضي إلى المرتبة الـ60 في بداية العام الحاليّ، فضلاً عن ترتيبه السادس عربيًا.

ما التحديات الأمنية للمغرب؟

التحديثات الكبيرة في الجيش المغربي، تطرح الكثير من الأسئلة وتدفع الباحثين للتنقيب خلف التحديات التي تحياها البلاد وتراها دافعًا قويًا لاقتناء مثل هذه المعدات العسكرية باهظة الثمن، على أنه يمكن الكشف على الفور أن القيادات العسكرية تتخوف من منظومة الصواريخ الروسية S300 وS400 التي أصبحت بحوزة الجزائر، الخصم العنيد للمملكة على بوابة البلاد الشرقية، ما يعني ضرورة التركيز على اقتناء أكثر الآليات تطورًا في جميع المجالات، بما في ذلك الأقمار الاصطناعية، ولم يتوقف التفكير في امتلاك الردع المناسب للقوة العسكرية الجزائرية، بل أصبح هناك مناقشات كبيرة، لأهمية الحصول على غواصات متعددة المهام ترجح كفة الأسطول البحري المغربي.

القراءة السياسية للمخاطر التي تحيط بالمغرب، تؤكد أن المملكة تستقر على ثلاثة تحديات أساسية: الخصم الجزائري والصراع مع الإسبان في الشمال الذي لم ينزع فتيله كل محاولات التقارب على مدار السنوات الماضية والمصالح الاقتصادية المشتركة، وهي حساسيات سياسية وعسكرية، تجعل المغرب دائمًا تحت المنظار الإسباني، خاصة فيما يتعلق بصفقات التسليح العسكري، فضلاً عن التطرف والإرهاب الذي يهدد أمن المملكة، والقادم من دول الساحل الذي يصطحب معه الاتجار في البشر والتهريب.

كانت المملكة قد تمكنت من تفكيك 53 خلية إرهابية، منها 48 خلية مرتبطة مباشرة بتنظيم داعش، بداية من عام 2015، ومع تعقد الأزمة الليبية وتصاعد الصراع فيها، أصبحت أرض عمر المختار مركزًا لاستقطاب الإرهابيين المنحدرين من المنطقة المغاربية التي أصبحت أهم بديل جغرافي لتنظيم الدولة من أجل استمرار أنشطته الإرهابية، وبالتالي لا يمكن محاربة إرهاب بهذا التوحش إلا عبر تملك تكنولوجيا عسكرية متطورة لرصد أي تحرك محتمل للتنظيمات الإرهابية، وهو ما يشكل تهديدًا صريحًا للمغرب والمنطقة المتوسطية عمومًا.

وفي وسط هذه التحديات الصعبة، يعرف المغرب جيدًا كيفية اللعب على صراعات القوى الدولية في المنطقة ويعرف كيف يستفيد منها، لذا يعطي الكعكة الكبرى في تطوير إمكانات القوات المسلحة الملكية للولايات المتحدة الأمريكية التي تتحالف معه بشكل وثيق، في الوقت الذي تعد الجزائر، حليفًا إستراتيجيًا لروسيا والصين، وتحصل منهما على تكنولوجيا عسكرية متطورة، مما يخلق العديد من الدوافع للمغرب للسعي لترجيح كفته العسكرية، ليس فقط على مستوى التسليح، بل على مستوى التدريب أيضًا، وهو ما يفسر تزايد المناورات الثنائية التي تجريها أمريكا مع المغرب، لتدريبه بشكل دوري على الأسلحة المتطورة، ما يزيد من عبء فاتورة التحديثات المستمرة للجيش، على حجم ما يتحمله كل مغربي من نفقات عسكرية سنوية، تأتي على حساب ضرورات الحياة .

التحديات المحيطة بالدائرة المغربية، ليست وحدها التي تستدعي تحديث الجيش بأفضل المعدات العسكرية في العالم، بل أصبحت الحروب الساخنة المشتعلة في ليبيا وسوريا واليمن، بجانب التوترات في لبنان والعراق، أسبابًا كافية للدخول في سباق للتسلح في المنطقة

تشير التحليلات إلى أن معدل نفقات الفرد المغربي في المجال العسكري سترتفع من 98 دولارًا سنويًا حاليًّا، إلى قرابة 110 دولارات سنويا بحلول عام 2022، في ظل ثوابت الأمن القومي التي تعطي للأمن الأولوية على حساب الخبز، المهم أن يكون هناك جيش ملكي محترف جاهز للدفاع عن البلاد، وأمام كل التحديات التي يمكن أن تجابه المغرب وتشكل خطرًا على سيادته وأمنه القومي وتفوقه العسكري.

التحديات المحيطة بالدائرة المغربية ليست وحدها التي تستدعي تحديث الجيش بأفضل المعدات العسكرية في العالم، بل أصبحت الحروب الساخنة المشتعلة في ليبيا وسوريا واليمن، بجانب التوترات في لبنان والعراق، أسبابًا كافية للدخول في سباق للتسلح في المنطقة والدفع بها لتصبح صفقاتها العسكرية هي الأعلى في العالم، حيث وصل الحال ببعض البلدان الخليجية إلى زيادة الإنفاق العسكري لأكثر من 6% من إجمالي ناتجها المحلي، مقارنة بالمعدل العالمي الذي يبلغ 2.2% فقط، وهي هيستيريا غير مسبوقة عالميًا. 

يحدث ذلك في الوقت الذي رصد فيه "الباروميتر العربي"، أشهر أداة لتحليل البيانات وأكثرها مصداقية، تراجع الثقة في الحكومات والمؤسسات المدنية التي تدور في فلكها، من قضاء ومجلس نواب وأجهزة أمنية وأحزاب سياسية ومجتمع مدني، وخاصة في البلدان التي حافظت على مستوى مناسب من الأمن، وابتعدت به عن الصراعات الطاحنة، وأصبحت في هذه البلدان التي تنعم باستقرار نسبي على حساب الحرية والمكتسبات الأخرى التي منحتها ثورات الربيع العربي لأبنائها، قبل أن يتعثر ويفتر الحماس العام في المنطقة، للخروج من جديد لتغيير هذه الأنظمة التي تأبى الانصياع لرياح التغيير، وإن كانت الأحداث في مصر والجزائر تشي باستفاقة جديدة، لا أحد يعلم بعد، هل ستكمل ثورتها أم سيتكفل الرد الأمني بوأدها في المهد!