سعيد بوتفليقة (أرشيفية)

أدانت محكمة جزائرية، فجر الأربعاء، السعيد بوتفليقة شقيق الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة بـ15 سنوات سجنًا برفقة 3 من رموز نظامه البارزين، فيما وصلت عقوبة الجنرال المتقاعد الفار خالد نزار ونجله إلى 20 سنة حبسًا نافذًا.

ولم تنتظر المحكمة العسكرية كثيرًا لإثبات التهم الموجهة للمعنيين أو من يسمون بـ"العصابة" لتصدر حكمها في حقهم، الذي جاء بعد يوم من انطلاق محاكمتهم الإثنين الماضي، في قضية شدت الرأي العام الداخلي والخارجي، كونها تمثل انتصارًا بارزًا لحراك 22 فبراير الماضي.

أولى العقوبات

حسبما ذكرت وكالة الأنباء الجزائرية، أصدرت المحكمة العسكرية بالبليدة بالناحية العسكرية الأولى جنوب غرب العاصمة الجزائر ليلة الثلاثاء إلى الأربعاء حكمها حضوريًا بإدانة والحكم على كل من سعيد بوتفليقة ورئيسي المخابرات السابقين الفريق مدين محمد المعروف باسم الجنرال توفيق واللواء طرطاق عثمان المعروف ببشر وحنون لويزة الأمينة العامة لحزب العمال بعقوبة 15 سنة سجنًا من أجل الأفعال المنسوبة إليهم.

نقلت في السابق وسائل إعلام محلية أن التآمر على الجيش والدولة كان بالتنسيق مع السفارة الفرنسية بالجزائر التي لم يرد اسم مسؤوليها ضمن المتهمين في القضية

وأضاف بيان للمحكمة أن العدالة أدانت أيضًا كلاً من عاشق الانقلابات الجنرال المتقاعد نزار خالد ونجله نزار لطفي وبن حمدين فريد غيابيًا بعقوبة 20 سنة سجنًا، ومعلوم أن هؤلاء الثلاثة في حالة فرار.

وأضاف البيان أن المتهمين تمت متابعتهم "من أجل أفعال تم ارتكابها داخل بناية عسكرية تحمل طبقًا للقانون وصف جناية التآمر من أجل المساس بسلطة الجيش والتآمر ضد سلطة الدولة، وهي الأفعال المنصوص والمعاقب عليها على التوالي بالمادة 284 من قانون القضاء العسكري والمادتين 77 و7 من قانون العقوبات".

وأوضحت المحكمة أنه "بعد تلقي الدفوع الشكلية ومذكرات الدفاع، شرع الرئيس في طلب كاتب الضبط لتلاوة أمر الإحالة وأخبر المتهمين بالتهم التي تمّت على أساسها متابعتهم. وذكر بأن القانون يمنح لهم الحق في التصريح واستعمال كل الوسائل اللازمة للدفاع عن أنفسهم، وبحضور المحامين شرع رئيس المحكمة في استجواب المتهمين وسماع الشهود".

ونقلت في السابق وسائل إعلام محلية أن التآمر على الجيش والدولة كان بالتنسيق مع السفارة الفرنسية بالجزائر، التي لم يرد اسم مسؤوليها ضمن المتهمين في القضية، غير أن صحفًا فرنسية وجزائرية أكدت قبل انطلاق المحكمة في 23 من سبتمبر/أيلول الحاليّ أن أيام السفير الفرنسي كزافييه درينكورت باتت معدودة، إذ تستعد باريس لاستبداله في القريب العاجل.

وكان السعيد بوتفليقة قد رفض الإجابة عن أسئلة القاضي خلال الاستماع له، ورفض طرطاق الحضور، واقتصر الرد على أسئلة المحكمة على حنون والجنرال توفيق.

بالنظر إلى ما عاثه السعيد بوتفليقة من فساد خلال فترة حكم شقيقه، بعد أن حول البلاد ومؤسسات الدولة إلى ملكية خاصة، فإن هذا الحكم قد يكون البداية لسلسة من الإدانات في حقه

وبالنظر إلى التهم الموجهة للمعنيين، فإن عقوبتهم كان يمكن أن تتجاوز ذلك، فالوكيل العسكري للجمهورية (النيابة) التمس في طلباته إدانة المتهمين والحكم عليهم بعقوبة 20 سنة سجنًا (الحد الأقصى للعقوبة المنصوص عليها في القانون)"، ويمكن للمتهمين أو الدولة الاستئناف في الحكم أمام مجلس الاستئناف العسكري في مهلة عشرة أيام التالية للنطق بالحكم.

وللرد على أي مشكك في نزاهة القضاء، شدّد بيان المحكمة العسكرية على التأكيد أن الجلسة تمّت في إطار الاحترام التام للقواعد المنصوص عليها في قانون القضاء العسكري وقانون الإجراءات الجزائية، مع مراعاة كل الحقوق والضمانات التي تقتضيها المحاكمة العادلة والمنصفة.

وبالنظر إلى ما عاثه السعيد بوتفليقة من فساد خلال فترة حكم شقيقه، بعد أن حوّل البلاد ومؤسسات الدولة إلى ملكية خاصة، فإن هذا الحكم قد يكون البداية لسلسة من الإدانات في حقه، وكذا في حق الجنرال توفيق الذي جعل الجزائريين يلقبونه بـ"رب الجزائر" بسبب الفساد والتحكم في شؤون البلاد الصغيرة والكبيرة ولو كان بلا وجه حق.

 تفاعل واسع

رغم عدم بث المحاكمة وقراراتها على التليفزيون الجزائري الحكومي مثلما كان متوقعًا، فإن الجزائريين تابعوا تفاصيل القضية والعقوبات الصادرة ضد المتهمين عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وصف مغردون هذه المحاكمة بـ"الأسطورية"، فلا أحد كان يتصور أن يصل اليوم الذي يرون فيه نظام بوتفليقة الذي حرص على بناء السجون أكثر من إقامة المشاريع يلج رموزه هذه المؤسسات العقابية وبأحكام مشددة

وتشكّل هذه المحاكمة انتصارًا بارزًا لحراك 22 فبراير الذي يواصل حتى اليوم مظاهراته من أجل التغيير الشامل الذي يبقى التساؤل بشأنه إن كانت ستأتي به انتخابات 12 من ديسمبر/كانون الأول المقبل أو أن الأمر سيتأجل إلى موعد لاحق في ظل رفض جزء من الناشطين لهذا الاستحقاق الانتخابي.

ووصف مغرّدون هذه المحاكمة بـ"الأسطورية"، فلا أحد كان يتصور أن يصل اليوم الذي يرون فيه نظام بوتفليقة الذي حرص على بناء السجون أكثر من إقامة المشاريع يلج رموزه هذه المؤسسات العقابية وبأحكام مشددة، واعتبر البعض أن سماع أخبار في صباح هذا الأربعاء يرفع المعنويات، لأنه أحسن رد على المشككين فيما حققه الحراك وما تقوم به العدالة من متابعات للفساد.

لكن الطبقة السياسية لم تعلق هذا على الحكم، وفضل أغلبها الصمت رغم أن الجمع كان يدعي أنه تأذى من نظام بوتفليقة والبوليس السياسي الذي اعتمده شقيقه السعيد والجنرال توفيق للتضييق على الفاعلين السياسيين والتجسس عليهم، فلم تصدر الأحزاب السياسية مواقفها من حكم العدالة سواء بالإيجاب أم السلب، خاصة أن دفاع المتهمين الأربع قرر الطعن في الحكم وطلب الاستئناف.

ثقة؟

تعطي الأحكام العقابية التي صدرت ضد السعيد بوتفليقة وجماعته ثقة للجزائريين بمحاكمة رموز النظام السابق وكل من تورط في الفساد رغم أن رأس النظام عبد العزيز بوتفليقة يبقى حرًا طليقًا.

يعتبر هذا الحكم ردًا على من كانوا يطالبون بتأجيل المحاكمات إلى أن يتضح الحل السياسي للأزمة، خوفًا من عدالة تصفية الحسابات، ومن الوقوع في فح المقاضاة الصورية التي اتهمت بها السلطة الحاليّة

وتنبع هذه الثقة من كون إدانة السعيد بوتفليقة الذي كان مجرد أستاذ جامعي ونقابي، وتحوّل بعد استلام شقيقه الحكم إلى الآمر الناهي في البلاد، عبر منصب مستشار الرئيس ستكون عبرة لكل من يريد التغوّل على الشعب الجزائري.

وكانت الأحزاب والصحافة تتخوف من اتهام السعيد حتى بالاسم وتكتفي بالقول فقط "فساد محيط الرئيس"، بعد أن تغلغل عبثه في جميع مؤسسات البلاد، خاصة الاقتصادية منها. فالجميع يقول إن الخراب الذي كان سيعصف بشركة سوناطراك البترولية كان للسعيد بوتفليقة يد فيه.

ويعتبر هذا الحكم ردًا على من كانوا يطالبون بتأجيل المحاكمات إلى أن يتضح الحل السياسي للأزمة، خوفًا من عدالة تصفية الحسابات، ومن الوقوع في فخ المقاضاة الصورية التي اتهمت بها السلطة الحاليّة.

غير أنه يبدو أن العدالة أصبحت تتمع بجانب من الاستقلالية يسمح لها بالذهاب بعيدًا، ما يعني أن التحقيقات التي تجريها المحاكم المدنية في حق رئيسي الحكومية السابقين عبد المالك سلال وأحمد أويحيى وعدد من الوزراء ورجال الأعمال والمدير العام السابق للشرطة اللواء عبد الغني هامل ستسير وفق القانون دون تساهل مع أي طرف.

والأكيد أن الحكم الصادر في حق السعيد بوتفليقة وزمرته ما هو إلا خطوة أولى لتطبيق العدالة التي ظلت لسنوات إبان حكم شقيقه تصدر أحكامًا بـ"الهاتف"، بعيدًا عن تطبيق القانون الذي كان يطبق في أغلظ أحكامه على المواطن البسيط ويداس بـ"الجزمة" عندما يتعلق الأمر بمن أرادوا تحويل الجزائر إلى ملكية خاصة بيعت للقريب والبعيد.