رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي رفقة الرئيس الصيني شي جين بينغ

في زيارة هي الأكبر لوفد عراقي حكومي إلى الصين، جاءت زيارة رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي إلى الصين في الـ19 من سبتمبر/أيلول الحاليّ لتستمر لـ5 أيام، وتفضي إلى توقيع ثماني اتفاقيات ومذكرات تفاهم.

ومع تعدد الانتقادات والإشادات بزيارة عبد المهدي، يفتح "نون بوست" ملف الاستثمارات الصينية في العراق وحجم التبادل التجاري بين البلدين وجدوى الزيارة التي تأمل منها الحكومة العراقية تعزيز الوضع الاقتصادي المتردي في البلاد.

متى بدأت العلاقات الاقتصادية بين البلدين؟

تعد الاستثمارات الصينية في العراق الأكبر عالميًا من حيث القيمة السوقية، إذ قال السفير الصيني لدى بغداد تشانغ تاو في شهر يوليو/تموز الماضي، إن استثمارات بلاده في العراق تجاوزت الـ20 مليار دولار دون احتساب بقية الصادرات الصينية غير النفطية إلى العراق.

خلال الحرب العراقية الإيرانية، شهدت العلاقات بين العراق والصين تحسنًا كبيرًا، يعزى ذلك إلى الاستيراد العراقي الكبير للأسلحة الصينية وأسلحة الدفاع الجوي والذخيرة الحربية

وكشف تاو أن حجم التبادل التجاري بين العراق والصين في العام الماضي 2018 بلغ 30 مليار دولار، إذ يميل الميزان التجاري بين البلدين لصالح الصين في تصدير مختلف أنواع البضائع والسيارات، مقابل تصدير العراق للنفط، حيث تحظى الصين بما يقدر بنحو 800 ألف برميل يوميًا.

الشركات الصينية العاملة في العراق تعتمد في تشغيلها على اليد العاملة الصينية

تعود أولى العلاقات الاقتصادية بين العراق والصين إلى عام 1958 في عهد الرئيس العراقي الراحل عبد الكريم قاسم، إلا أنه وعلى الرغم من الانفتاح العراقي على الصين، فإن قوة العلاقات العراقية مع الاتحاد السوفييتي وتشنج العلاقات السوفييتة الصينية آنذاك أدى إلى عدم تطور العلاقة بين البلدين إلى ما كانت تطمح إليه الصين، ومع ثورة عام 1968 ومجيء البعثيين للحكم في العراق، تعززت العلاقات بين البلدين من خلال مشاريع البنية التحتية التي شرعت الصين بتنفيذها في العراق.

خلال الحرب العراقية الإيرانية، شهدت العلاقات بين العراق والصين تحسنًا كبيرًا، يعزى ذلك إلى الاستيراد العراقي الكبير للأسلحة الصينية وأسلحة الدفاع الجوي والذخيرة الحربية.

وتوسعت العلاقات التجارية بين العراق والصين بعد الغزو عام 2003، لتشهد في كل عام قفزة في حجم الاستثمار الصيني في البلاد، فبعد أن كان مجموع الاستثمار الصيني لا يتعدى 7% عام 2002، قفز هذا الرقم خلال الأعوام الماضية إلى ما يقرب من 30 مليار دولار عام 2018.

خسارة العراق من الاستثمارات الصينية

"الاستثمارات الصينية في العراق ليست مربحة للعراقيين"، بهذه الكلمات يصف الصحفي الاقتصادي أحمد العبيدي ملف الاستثمارات الصينية في العراق، إذ يؤكد في حديثه لـ"نون بوست" أن الشركات الصينية العاملة في العراق تعتمد في تشغيلها على اليد العاملة الصينية التي غالبًا ما تكون زهيدة الثمن، وهذا ينافي المصلحة العامة في العراق الذي تسجل فيه معدلات البطالة نسبًا مرتفعة بلغت 22.6% بحسب وزارة التخطيط العراقية، في الوقت الذي تشير فيه المنظمات الدولية إلى نسب أعلى بكثير.

الشركات الصينية لا تشارك أحدًا في الأرباح، ولا حتى بعلبة مياه غازية، والكثير من هذه الشركات تعتمد على تشغيل سجناء صينيين مجانًا، مقابل تقليص فترات محكومياتهم

وعن الاتفاقيات التي وقعها العراق مع الصين، أوضح العبيدي أن العراق وقع أكثر من 7 اتفاقيات سابقة، في زيارات رئيس الجمهورية الراحل جلال الطالباني عامي 2004 و2007 ورئيسي الوزراء السابقين نوري المالكي وحيدر العبادي اللذين زارا الصين في فترات بين عامي 2008 و2015، مشيرًا إلى أن الاتفاقيات الأخيرة لا تعني دخول الشركات الصينية للاستثمار في العراق، إذ إنها غير ملزمة ولا تعني بالضرورة الاستثمار بقدر ما هي ترتيبات اقتصادية قد تؤدي فيما بعد إلى استثمارات في حال توافر الظروف الملائمة.

مختتمًا حديثه بالاشارة إلى أن العراق ما زال يعاني من ضعف استقطابه للاستثمارات الأجنبية، بسبب البيروقراطية الإدارية في مختلف الوزارات، فضلاً عن تضارب التشريعات والقوانين العراقية مع بعضها البعض، ما يجعل المستثمر يتخبط في بحر من الإجراءات الروتينية التي تستغرق أشهر وربما سنوات، وهذا ما يبتعد عنه المستثمرون عادة.

وصل رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، الخميس (19 أيلول 2019)، إلى الصين على رأس وفد حكومي كبير

ويؤكد هذا الطرح عضو لجنة الاستثمار والاقتصاد النيابية عبد الله الخربيط الذي حذّر من الوقوع فيما سماه "فخ الشراكة مع الصين وفق الصيغ المطروحة"، ويشير الخربيط إلى طريقة عمل الشركات الصينية التي تأتي مدعومة من حكومتها، لتشغيل أكبر عدد ممكن من الصينيين خارج الدولة، فالشركات الصينية لا تشارك أحدًا في الأرباح، ولا حتى بعلبة مياه غازية، والكثير من هذه الشركات تعتمد على تشغيل سجناء صينيين مجانًا، مقابل تقليص فترات محكومياتهم، لافتًا إلى أن العراق ليس بحاجة إلى يد عاملة، فالعراقيون العاطلون عن العمل ينتظرون توافر فرص العمل ويتظاهرون لأجل ذلك.

كثافة الاستثمارات الصينية في مجال الطاقة

تسعى الصين منذ سنوات إلى توسيع استثماراتها في مجالات الطاقة بالعراق، إذ أفاد تقرير لموقع "بيرت بارت" البريطاني أن الصين تسعى للاستثمار بمليارات الدولارات في البنية التحتية للطاقة في العراق وخاصة في مجال حقول النفط العراقية بوسط وجنوب البلاد.

تعد الصين أكبر مستورد للنفط وموارد الطاقة في العالم، وأي نقص في إمدادته قد يؤدي إلى ركود اقتصادي كبير وتراجع معدلات النمو

الموقع أشار إلى أن العراق يمثل أهمية إستراتيجية وعسكرية بالنسبة للحكومة الصينية، وذلك من أجل ضمان إستراتيجيتها الكبرى المسماة (حزام واحد - طريق واحد) التي من المفترض أن تربط كلاً من أوروبا وآسيا بالصين بحلول عام 2050، لذلك فان أي علاقة مع دول الشرق الأوسط تعد في غاية الأهمية بالنسبة للصين بسبب تعطشها الكبير لواردات النفط والغاز.

إذ تعد الصين أكبر مستورد للنفط وموارد الطاقة في العالم، وأي نقص في إمدادته قد يؤدي إلى ركود اقتصادي كبير وتراجع معدلات النمو، في الوقت الذي يمثل فيه العراق فرصة كبيرة للصين لتدفق واردات النفط، بحسب الموقع.

الشركات الصينية ما زالت المستثمر الأكبر في مجال الطاقة على أرض العراق

وتعد الصين الشريك التجاري الأكبر للعراق في الميزان التجاري الذي وصل في الأشهر الأخيرة إلى 30 مليار دولار، إذ تظهر الاستثمارات الصينية في مجال الطاقة بمشروعات تطوير الصناعة النفطية وبنيتها التحتية خاصة في مناطق وسط وجنوب البلاد، فقد بدأت الصين في الاستثمار بحقل الأحدب النفطي الكبير في محافظة واسط عام 2008، فضلاً عن تطوير حقول أخرى في البزركان والفكة وحلفاية في محافظة ميسان جنوب شرق البلاد.

تتوسع الاستثمارات الصينية في العراق بمجال الطاقة، إلا أن العراق لا يزال يعاني من نقص شديد في الاستثمار بمجالات البنى التحتية الخدمية والتعليم والنقل

يضاف لكل ذلك مشروع مصفاة النفط في ميناء الفاو بالبصرة، الذي تتفاوض شركتان صينيتان هما: الصين للطاقة China Power ونيركو Nerco، من أجل تنفيذه وهذا يعني أن الشركات الصينية ما زالت المستثمر الأكبر في العراق في هذا المجال.

تتوسع الاستثمارات الصينية في العراق بمجال الطاقة، إلا أن العراق لا يزال يعاني من نقص شديد في الاستثمار في مجالات البنى التحتية الخدمية والتعليم والنقل، في ظل تجاذبات سياسية داخل العراق لا تشجع المستثمرين على دخول سوق العمل بهذه القطاعات في المدى المنظور.