تظاهرات في دير الزور.. تطالب برحيل قوات النظام من شرق الفرات

تظاهر المئات من أبناء محافظة دير الزور شرق الفرات خلال الأيام القليلة الماضية مطالبين برحيل قوات النظام السوري والميليشيات الإيرانية من المحافظة، وذلك على خلفية استياء أبناء محافظة دير الزور من محاولات إيران تغيير ديموغرافية المحافظة ونشر التشيّع، عبر مراكزها الدعوية التي تعرف بـ "الحسينيات".

المحافظة ذات الغالبية العشائرية التي تعتمد أسسًا اجتماعية ومعايير عشائرية، باتت مغيبة عن الأنظار مع استمرار عبث ميليشيا النظام الإيرانية في الهوية السورية عبر مروّجين محليين لها في المحافظة، هذا إلى جانب الانتهاكات المستمرة التي تحصل بحقهم، وتدهور الأوضاع المعيشية، وفرض الميليشيات سلطتها.

تظاهرات في الدير

انطلق مئات المتظاهرين من منطقة المعامل شرق الفرات الواقعة تحت سيطرة ميليشيا سوريا الديمقراطية "قسد"، الجمعة 20 سبتمبر/أيلول نحو حواجز قوات النظام السوري في بلدة الصالحية، التي تعتبر بوابة دير الزور الشمالية. في جمعة "التحرير" رفع المتظاهرون شعارات ولافتات تطالب برحيل قوات النظام من بلداتهم وقراهم الواقعة شرق الفرات، وطالبوا بإسقاط النظام، منددين بالوجود الإيراني في مدنهم.

توقف المتظاهرون قرب معبر بلدة الصالحية في الضفة الشرقية لشرق الفرات، ثم تقدموا نحو حاجز قوات النظام قرب كازية الصقر، وألقوا هتافات سلمية أمام عناصر ميليشيا أسد، التي لم تبدي أية تحركات تجاههم.

 بدورها أطلقت قوات النظام الرصاص الحي على المتظاهرين من منطقة حطلة، مما أسفر عن سقوط عدد من الشهداء والمصابين، وهو ما دفع المتظاهرين إلى اقتحام نقاط قوات النظام. كما أقدم المتظاهرون على تمزيق صور رأس النظام السوري، والعلم السوري الذي يمثل النظام، بحسب ما تظهر مقاطع فيديو بثت على مواقع التواصل الاجتماعي. كما احتجز المتظاهرون عددًا من قوات النظام، قبل تسليمهم، مقابل اطلاق سراح سبعة معتقلين اعتقلوا أثناء المظاهرة.

 وبحسب تصريح مدير شبكة الفرات بوست، أحمد الرمضان لـ "نون بوست": "الرصاص الحي الذي أطلقته قوات النظام أسفر عن مقتل اثنين من المتظاهرين وعنصر تابع لميليشيا قسد، فيما أصيب نحو 20 مدنيًا". وأضاف: "المتظاهرون طالبوا برحيل قوات النظام وميليشيا إيران من بلداتهم وقراهم، الواقعة في الضفة الشرقية من نهر الفرات، وأغلبهم ينحدرون من تلك البلدات".

ما أسباب التظاهر؟

أطلق القيادي في ميليشيا (الباقر) التابعة للحرس الثوري الإيراني، "فادي العفيس"، تهديدات باجتياح بلدات وقرى محافظة دير الزور في الضفة الشرقية من نهر الفرات الواقعة تحت سيطرة ميليشيا سوريا الديمقراطية، متوعدًا إخراج التحالف الدولي منها، وعلى خلفية هذه التهديدات جاءت دعوات أهالي البلدات والقرى، للخروج في تظاهرات ضد قوات النظام.

تظاهرات تطالب برحيل قوات النظام من شرق الفرات

العفيس هو قيادي في تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" سابقًا وكان أحد أعضاء المكتب الأمني للتنظيم خلال سيطرته على المحافظة، وذلك قبل تسوية وضعه الامني بوساطة عشائرية موالية لإيران، وينحدر العفيس من ريف دير الزور الغربي.

وقام العفيس ببيع الكثير من ممتلكات المدنيين الخاصة في مكان وجوده الأبرز في الضفة الشرقية من الفرات وقربه المباشر من الميليشيات الإيرانية والروسية في المنطقة ويعتبر أحد مروجي الوجود الإيراني إلى جانب تجنيد الشبان من أبناء المحافظة في صفوف ميليشيا الباقر.

المتظاهرون طالبوا فور هذه التهديدات بخروج قوات النظام من القرى والبلدات في الضفة الشرقية من نهر الفرات، وهي (حطلة والصالحية ومظلوم ومراط وخشام والطابية)، والتي هجروا منها بعد سيطرة قوات النظام عليها وطرد تنظيم الدولة منها.

وخلال حديث أجراه "نون بوست" مع الصحفي صهيب الجابر الذي ينحدر من محافظة دير الزور، قال: "المظاهرات هي محاولة لإعادة روح الثورة إلى المنطقة وطرد الميليشيات المحتلة لدير الزور لكن ميليشيا قسد استغلتها وفرقت المتظاهرين".

قسد استغلت التظاهرات لمصالحها

وأضاف: "المنطقة متنازع عليها من قبل جميع الميليشيات، وتعتبر الحد الفاصل بين نفوذ قسد وميليشيا أسد، ولها أهمية استراتيجية كونها آخر مناطق نفوذ ميليشيات الأسد في شرق الفرات، وكذلك كونها مدخل مدينة ديرالزور الشمالي".

وأكد الجابر خلال حديثه أن الاحتجاجات الشعبية اندلعت بسبب قيام الميليشيات الإيرانية بتغيير ديموغرافيا المنطقة، إذ أصبحت بلدة حطلة أشبه بمستوطنة إيرانية ومستقر للميليشيات وبنيت فيها الكثير من الحسينيات الشيعية.

كيف استغلت قسد المظاهرات؟

بات الملفت للنظر غياب علم أو راية الثورة السورية عن تظاهرات أهالي محافظة دير الزور شرق سوريا، على الرغم من رفضهم القاطع لوجود ميليشيا قسد وقوات النظام في مناطقهم.

وخلال حديث "نون بوست"، مع الصحفي صهيب الجابر قال: "قامت ميليشيا سوريا الديمقراطية، بنشر عدد من عناصرها بلباس مدني بين المتظاهرين، الذين حملوا راية قسد، للإيحاء بأنهم خلف تلك المظاهرات".

المتظاهرين يرفضون وجود كافة الميليشيات "لا لقسد، ولا للأسد"

وأكد: "ميليشيات قسد لا يمثلون الحراك الشعبي وهم منبوذين من المتظاهرين، علاوةً على أن جهاز الأسايش التابع لقسد هو الذي فرق المتظاهرين بالقوة". وذكر ناشطون أن ميليشيا قسد قامت بمنع المتظاهرين من رفع علم الثورة السورية، وأي شخص يقوم برفع علم الثورة فهو مهدد بالاعتقال والقتل، ولا تسمح قسد لأي مظاهرة دون وجود رايتها، وذلك بحسب التعليمات التي أصدرها مجلس دير الزور العسكري.

وأضاف الجابر: "ميليشيا قسد استغلت المظاهرات لصالحها بشكل مدروس جدًا"، وذلك في إطار تسليم المنطقة التي يطالب بها المتظاهرين لمجلس دير الزور العسكري، إلا أن المتظاهرين يرفضون الاحتلال من قبل كافة الميليشيات، ويرغبون بعودة الأراضي لأصحابها من أبناء المحافظة.

وقال مدير شبكة "فرات بوست" أحمد الرمصان، بدوره: "المتظاهرين طالبوا بخروج قوات النظام من مناطقهم في الضفة الشرقية من الفرات لتكون كامل المنطقة تحت سيطرة ميليشيا قسد والتحالف الدولي"، بينما رجح ناشطون هذه المظاهرات هي بالأصل مدفوعة من ميليشيا قسد، لإبعاد مخاوف تقدم إيران إلى شرق الفرات.

ردود عشائرية على المظاهرات

هدد نواف البشير شيخ وأمير عشيرة البقارة، في محافظة دير الزور الموالي للنظام، المتظاهرين عبر صفحته على فيسبوك. ويقسم الفرات محافظة دير الزور إلى قسمين أحدهما تحت سيطرة النظام وكافة وجهاء العشائر التي تتواجد في المنطقة موالية له، وقسم آخر في مناطق سيطرة ميليشيا سوريا الديمقراطية وبطبيعة الحال وجهاء العشائر موالين لميليشيا قسد.

يقول الصحفي صهيب الجابر: "إن نواف البشير، قائد ميليشيا الباقر المدعومة من إيران، هدد المتظاهرين بحرق المنطقة إذا ما استمرت المظاهرات"، وأضاف: "وجهاء العشائر الموجودون في المنطقة "أغلبهم" مع ميليشيا قسد أو نظام الأسد، وقلة قليلة منهم من ساعدوا في إنجاح هذه المظاهرات".

ويوجد عدد كبير من وجهاء العشائر يقيمون في دول جوار سوريا لأسباب أمنية دعموا الحراك في دير الزور، وبحسب صهيب الجابر: "أبناء هذه العشائر هم الذين ثاروا وتظاهروا"، وشيوخ العشائر الذين يقيمون في الخارج ظهروا في بيانات أو مقابلات تلفزيونية وأعربوا عن دعمهم لهذه المظاهرات".

دعوات للتظاهر في دير الزور

كما دعا شيوخ العشائر الثائرة إلى مظاهرات حاشدة يوم الجمعة المقبل 27 سبتمبر / أيلول، في جمعة شهداء الصالحية، وشددوا على ضرورة استمرار الحراك الشعبي "حتى طرد إيران" من المنطقة وإرجاعها لسكانها الأصليين.

وتتزامن الدعوات للتظاهر في يوم الجمعة المقبل مع التغلغل الإيراني في دير الزور، الذي بدأ يظهر جليًا. وفي هذا السياق أضاف الرمضان: "إيران تعمل على ترسيخ الثقافة الإيرانية الشيعية في المنطقة عبر افتتاح مراكز لتعليم اللغة الفارسية، وبناء حسينيات ومراكز دعوية لتشييع السكان الأصليين المنتمين لطائفة السنة". وتساند إيران في سوريا عملية التغيير الديموغرافي، إذ أنشأت مزارات ولطميات يزورها الحجيج الشيعة من مختلف البلدان طيلة أيام السنة.

ودفعت ميليشيا فاطميون وزينبيون والباقر بتعزيزات عسكرية نحو بلدات الصالحية في الضفة الشرقية من الفرات. وهنا ذكرت مصادر محلية لـ "نون بوست" أن روسيا والتحالف الدولي يحاولون الوصول إلى حل للمناطق الواقعة شرق الفرات، التي تسيطر عليها ميليشيا إيران، لتسليمها دون حرب بشكل سلمي للتحالف الدولي، وبحسب المصادر فإن هناك اجتماع سيجري بين وفد روسي ووفد من التحالف الدولي خلال الأيام القليلة القادمة، في حين تجري المفاوضات بخصوص هذا الموضوع.

ويواجه الأهالي في محافظة دير الزور أوضاعًا معيشية صعبة جدًا، إلى جانب حملات التجنيد والاعتقال التي تشنها مختلف الميليشيات التي الموالية لإيران وروسيا في المنطقة، فهل ستتوسع رقعة الاحتجاجات في دير الزور مع ازدياد التوتر؟ أم تنسحب إيران وروسيا من شرق الفرات للابتعاد عن المواجه مع واشنطن؟