يتفق المؤرخون على أن أول دولة أسسها قبائل الأتراك وتحمل اسم "الترك"، هي دولة "جوك ترك" وتعني الأتراك السماويون، في آسيا الوسطى عام 552، وتقع اليوم ضمن حدود منغوليا.

وبحسب الباحث في تاريخ الأدب التركي، محرم أرجين، في كتاب له بعنوان "نقوش أورهون"، فإن دولة جوك ترك أسسها الهاقان (بمعنى السلطان) بومين، وكانت عاصمتها أوتوكان. وبعد وفاة الهاقان، صعد أبناؤه الثلاثة تباعا إلى العرش وخاضوا حروبا كبيرة مع الإمبراطورية الصينية، وبحلول العام 630 تمكنت الصين من السيطرة على قسم من دولة جوك ترك.

وفي عام 682 تمكن الهاقان كوتلوج من إعادة أراضي الدولة، وأسس دولة جوك ترك الثانية، التي استمرت حتى منتصف القرن الثامن. ويضيف أرجين أن هذه دولة جوك ترك الثانية قد تركت العديد من الآثار التي بقيت حتى اليوم، كالتماثيل والمقابر الحجرية، لكن أهم ما تركته هذه الدولة هو نقوش جوك ترك.

وفي بحث له بعنوان "النقوش التركية القديمة" يرى الباحث حسين نامق أوركون، أن نقوش جوك ترك تعد أول وثيقة مكتوبة للأتراك، وقد كُتبت بأول أبجدية تركية، وتحمل اسم جوك ترك أيضا، وتتكون هذه الأبجدية من 38 حرفًا.

أول من ذكر هذه النقوش، هو المؤرخ المغولي علاء الدين مليك جوميني في كتابه "تاريخ جهانكشا"، لكن لم يُعثر على هذه الحجارة حتى القرن الـ19

ووفقًا للباحث محرم أرجين في كتابه المذكور سلفًا، فإن نقوش جوك ترك تعود إلى عهد ابن الهاقان كوتلوج؛ وهو الهاقان بيلجى، الذي تولى العرش بعد والده، وكان له أخ يسمى كولتاجين، يساعده في إدارة الدولة، إلى جانب الوزير طونيو كوك. وفي كتابه "نقوش أورهون" يذكر الباحث طلعت تكين أن نقوش جوك ترك قد كُتبت على ثلاث حجارة؛ الأولى: نقوش طونيو كوك وتعود لعام 731، والثانية: نقوش كولتاجين لعام 732، والثالثة: نقوش بيلجي لعام 735.

وأول من ذكر هذه النقوش، هو المؤرخ المغولي علاء الدين مليك جوميني في كتابه "تاريخ جهانكشا"، لكن لم يُعثر على هذه الحجارة حتى القرن الـ19، حين أرسلت فنلندا عام 1887 هيئة أثرية للبحث في تلك المنطقة، وتم العثور عليها، وأُخذت صورة من هذه النقوش. وفي نفس العام ذهبت هيئة أثرية روسية أخرى لمحاولة فك رموز هذه النقوش لكنها لم تتمكن من ذلك أيضًا.

وفي عام 1893 تمكن عالم اللغة الدنماركي فيلهلم تومسن وبمساعدة عالم اللهجات التركية الروسي فاسيلي رادولوف، من فك رموز النقوش، وفي نفس العام تم الإعلان عن هذا الاكتشاف للعالم في الأكاديمية الملكية الدنماركية للعلوم.

وقد تسبب اكتشاف نقوش جوك ترك في لفت انتباه الباحثين حول العالم. ووفقًا للباحث علي كمال مرام في بحثه المعنون بـ"جوك تركلار"، فإن أول من ترجم نقوش جوك ترك هو البروفيسور التركي نجيب عاصم، المختص في تاريخ الأدب التركي، عام 1924. وفي السنوات اللاحقة تم تأليف العديد من الأبحاث حول هذه النقوش، وتُرجمت ترجمات أخرى من قبل الباحثين: أيسو أتا وطلعت تكين ومحرم أرجين.

 حجر طونيو كوك، فتعود النقوش التي عليه إلى الوزير طونيو كوك نفسه، لكن لغة الكتابة على هذا الحجر أكثر بساطة

ووفقًا للمؤرخ عثمان نديم تونا في كتابه "نقوش جوك ترك"، فإن حجر كولتاجين يبلغ طوله ثلاثة أمتار و75 سنتيمتر، وعلى أحد جوانبه نقوش باللغة الصينية، وعلى بقية الجوانب نقوش بلغة جوك ترك. والنقوش على هذا الحجر كُتبت بلغة أدبية، وهي إهداء من الهاقان لأخيه كولتاجين، الذي ساعده في إدارة الدولة ولم يصارعه على العرش، وتنتهي النقوش بمديح للأتراك.

والحجر الثاني هو حجر الهاقان بيلجي، وهو يشبه حجر كولتاجين، والذي كتب عليه هذه النقوش هو ابن الهاقان، ولكن على لسان والده. وهذا الحجر أطول من حجر كولتاجين بحوالي 6 سنتيمتر، وعلى أحد جوانبه أيضًا نقوش باللغة الصينية. وتشرح الكتابة الموجودة على هذا الحجر طرق إدارة الدولة وعلاقة الهاقان بالشعب، وعلاقة دولة جوك ترك بالإمبراطورية الصينية.

أما حجر طونيو كوك، فتعود النقوش التي عليه إلى الوزير طونيو كوك نفسه، لكن لغة الكتابة على هذا الحجر أكثر بساطة. ويشرح الوزير فيها تجربته في إدارة الدولة. ويضيف المؤرخ عثمان نديم تونا أن الشخص الذي كتب هذه النقوش على حجري كولتاجين وبيلجي يدعى يولوج تجين، ابن أخت الهاقان بيلجي، ولا يُعرف الذي كتب على حجر الوزير طونيو كوك حتى الآن.

ويضيف المستشرق الروسي فاسيلي بارتولد في كتابه "تاريخ الأتراك في آسيا الوسطى" أن ما يجمع بين هذه النقوش هو تناولها لطرق إدارة الدولة، وأهمية الاستقلال، وشكل السياسة آنذاك، وحركة القبائل ومواطن استقرارها والصراعات بينها. وأن هذه النقوش تروي النزاع بين الطبقات وبين البكوات والعامة، وأنه حينما حكمت الإمبراطورية الصينية قسما من بلاد جوك ترك، لم يقبل العامة الحكم الأجنبي بسهولة، ولم يتخلوا عن عاداتهم وتقاليدهم.

وأخيرًا، من الجدير بالذكر أن نقوش جوك ترك ما زالت تحظى باهتمام الباحثين الأتراك حتى الآن، كما أن الدولة التركية تنظم رحلات إلى منغوليا لزيارة هذه الأحجار بشكل مستمر. فهذه النقوش بالإضافة إلى ما تمثله من أهمية بكونها من أقدم نماذج للغة التركية، فإنها تعدّ في الوقت نفسه صورة لحياة دولة جوك ترك على مدار قرنين.

ومن الجدير بالذكر أيضًا، ما ذكره المستشرق الروسي فاسيلي بارتولد، المختص في تاريخ آسيا الوسطى في كتابه "تاريخ الترك في آسيا الوسطى" أن الأسلوب المستخدم في نقوش جوك ترك يدل على أن نصيب الترك من المدنية لم يكن منخفضًا بنسبة ما كانوا عليه من حياة البداوة.