ضربة كبرى تتعرض لها شركة "إيرباص" الأشهر عالميًا في صناعة الطائرات، إذ تلقت في الأشهر الأخيرة، سلسلة هجمات معلوماتية من قراصنة إلكترونيين، يعتقد بشكل كبير أنهم يعملون لصالح الصين، بحسب مصادر أمنية لوكالة فرانس برس التي تمكنت من رسم معالم وأهداف هذه السلسلة من الهجمات والتنقيب خلفها مع مصادر أمنية مقربة من الملف، رفضت تمامًا كشف هوياتها، رغم خطورة الضربة حال نجاحها في تدمير صناعة الطيران الأوروبية. 

لم تعلّق شركة إيرباص لم على تحليلات الوكالة ولو على مستوى تصدير الأزمة للصين، ولم تفكر في شن حرب نفسية تمكنها من تجميع الخطوط في أيديها، في ظل الصعوبات التقنية التي تحول دون تحديد هوية المهاجمين بشكل رسمي، فضلاً عن لغة الحسابات المعقدة التي تمنعها من اتخاذ أي موقف عدائي قد تكسب منه الآن، لكنها ستخسر سوق عملاقة على المستوى البعيد.

يعود اكتشاف الهجوم ضد الشركة إلى أواخر عام 2018، وإن كانت العمليات الاستهدافية بدأت قبل ذلك بوقت ليس بالقليل، لاختراق الشبكة الخاصة الافتراضية المشفرة بالشركة، التي تسمح لكيانات متعددة تنضوى تحت جناحها بالتواصل بطريقة آمنة، والنجاح في اختراق هذه الشبكة يعني ببساطة اختراق كل الجهات التي تتعامل معها إيرباص، وهو ما حدث بالفعل، خاصة أن أولى محطات اكتشاف الاختراق جاء من الفرع البريطاني لشركة إكسبليو وشركة رولز رويس، ما سمح لاحقًا بكشف هجمات أخرى على الفرع الفرنسي للشركة.

يكمن خوف شركة إيرباص حتى الآن في إعلان شكوك خبرائها بتورط الصين بهذه الهجمات الإلكترونية الغامضة، بسبب الملكات الفريدة التي يتمتع بها بعض المقرصنين

لماذا يوجه الاتهام للصين؟

البحث في الأهداف التي يحاول المهاجمون اصطيادها في المقام الأول، يلقي بالكثير من الشكوك تجاه الصين، فالهجمات تستهدف اختراق وثائق المصادقة التقنية التي تثبت أن جميع عناصر الطائرة متلائمة مع معايير السلامة، فضلاً عن طريقة تصنيع محركات طائرة النقل العسكرية "إيه 200 إم" التي تتمتع بمحرك مروحة توربينية هو الأقوى في العالم، بجانب وصفات عمل محرك الطائرة "إيه 350" ومعلومات أخرى تتعلق بمجموعة الأنظمة الإلكترونية التي تساعد في قيادة الطائرة.

فشل الصين المتكرر منذ أعوام في تطوير طائرتها المتوسطة الأولى "سي 919"، قاد المحللون لبدء تحديد المستفيد الأوحد من مثل هذه الهجمات، خاصة أنها ما زالت حتى الآن تواجه صعوبات كبيرة في الحصول على مصادقة على طائرتها، فرغم الجهود الكبيرة التي تبذلها أجهزة البحث والتطوير الصينية في مجالات تجهيز المحركات وإلكترونيات الطيران، فإنها ضعيفة للغاية أمام قدرات إيرباص، وهو ما يعوق طموحات بكين التي تسعى إلى تطوير طائرة كبيرة مع الروس في المستقبل، تحت اسم "سي-929" ستكون بحجم "إيه 350" التابع لإيرباص.  

ويكمن خوف شركة إيرباص حتى الآن في إعلان شكوك خبرائها بتورط الصين بهذه الهجمات الإلكترونية الغامضة، بسبب الملكات الفريدة التي يتمتع بها بعض المقرصنين، التي تجعلهم ينفذون أغراضهم ثم يتركون أدلة تسمح بالاعتقاد أن مصدر الهجوم تابع لدولة أخرى، وهو ما يساهم من جانب آخر في تبادل الشكوك في مصدر الهجوم بين روسيًا والصين، وإن كانت الأخيرة الأكثر شبهة في هذه العمليات، خاصة أنها تملك مجموعة مرتبطة رأسًا بالحكومة تعرف كوديًا باسم "أي بي تي 10" وهي مجموعة تجسس معلوماتية مرتبطة بالاستخبارات الصينية، وتعمل في جميع المجالات العسكرية بجانب دورها في الاستخبارات الاقتصادية.

لا يقف طموح التنين الصيني عند شيء، إذ تطمح في تمكين صناعة الطيران المدني المحلية وجعلها واحدة من أفضل الصناعات في العالم بحلول عام 2050

ولا تملك الصين هذه المجموعة الخطيرة وحسب، بل لديها مجموعة قراصنة متخصصين بمجال الطيران، ويتبعون "أمن الدولة" يسمون اختصارًا "جي إس إس دي"، ويحترفون اللغة والبرمجيات والشيفرات الخاصة بهذا القطاع، مما يعني أن إيرباص تواجه حربًا من الدولة الصينية ذاتها، وأي كلمة ستتفوه بها ستحرم تمامًا من سوق ضخم أنشأت فيه خط تجميع يدر عليها عشرات المليارات من الدولارات.

كانت إيرباص قد وقعت اتفاقية في شهر مارس الماضي، مع شركة الطيران الصينية القابضة، تقوم بموجبها ببيع 300 طائرة، لشركات الطيران الصينية، وضمت الصفقة، 290 طائرة من عائلة A320، إضافة إلى 10 طائرات من طراز A350 XWB ، مما يعكس اهتمام الصين بامتلاك وحدات في جميع قطاعات سوق الطيران، بما في ذلك المسافات الطويلة المحلية والإقليمية والدولية.

الصفقة التي تخاف إيرباص فقدانها، إذا تفوه أي من مسؤوليها بكلمة ضد بكين، لا تقف عند هذه التفاصيل، ولكنها تعلم جيدًا، أنه حال إذا لم تتوصل الصين لتقنيات منافسة لإيرباص، ستحتاج إلى نحو 7400 طائرة ركاب وشحن جديدة خلال العشرين عامًا المقبلة، وهو ما يمثل أكثر من 19% من إجمالي الطلب العالمي على صناعة الطائرات والبالغ أكثر من 37400 طائرة جديدة، في ظل وقف الصين التعامل مع طائرات بوينغ 737 ماكس الأمريكية، بسبب تكرار حوادث التصادم وآخرها حادث تحطم إحدى طائراتها التابعة للخطوط الجوية الإثيوبية.

بدأت الصين رحلة التفوق قبل أربعة أعوام، بعدما كشفت النقاب عن طائرة ركاب جديدة، كانت تمثل الفزاعة لشركتي بوينغ وإيرباص

ما الذي تريده بكين من صناعة الطيران المدني؟

لا يقف طموح التنين الصيني عند شيء، إذ تطمح في تمكين صناعة الطيران المدني المحلية وجعلها واحدة من أفضل الصناعات في العالم بحلول عام 2050، وحتى يحدث ذلك، يجب أن تضاعف قدرات صناعة الطيران المدني لديها بداية من عام 2021 إلى 2035، وهذه الفترة الطويلة نسبيًا، لدولة صارت تطمح في مناطحة الولايات المتحدة في كل شيء، ليست موجهة فقط لامتلاك زمام الريادة في مجال النقل الجوي، ولكن لكل ما يحيط بصناعة الطيران، من خدمة جوية متقدمة ونظام طيران عام متطور وحديث في إدارة حركة المرور، فضلاً عن امتلاك أعلى معدلات السلامة في ضمان الأمن والإدارة الفعالة.

عمليًا، بدأت الصين رحلة التفوق قبل أربعة أعوام، بعدما كشفت النقاب عن طائرة ركاب جديدة، كانت تمثل الفزاعة لشركتي بوينغ وإيرباص، والطائرة من طراز C919، وتحتوي على 168 مقعدًا ويمكنها التحليق لنحو 3444 ميلاً دون توقف، وأحضرت للعرض الخاص بهذه الطائرة آنذاك أربعة آلاف ضيف، وبدأت التحليق فعليًا عام 2016، وكان لهذا التقدم أثر كبير على التنافسية بأركان الصناعة بأكملها.

ولكن يبدو أن معرفة التنين الصيني جيدًا، أن القوى الدولية الغربية لم تكن لتتركها تسيطر على المجال أو تتسيده، أو حتى تنافس عليه في ظل حمى الحرب التجارية التي يدمنها ترامب، لذا لجأت لروسيا لإنتاج مولود جديد ينافس شركتي إيرباص الأوروبية وبوينغ الأمريكية، فهما معًا بإمكانهما عمل الكثير، حتى يتم إعادة تشكيل النظام العالمي، بما يتوافق مع الحالة الجديدة التي تحدثها كل من روسيا والصين. 

عرضت الدولتان بالفعل مجسمًا بالحجم الطبيعي لطائرة عريضة وضخمة البدن، باعتبارها مشروعًا مشتركًا بين شركة كوماك الصينية وشركة الطائرات المتحدة الروسية، خلال معرض الصين الدولي للطيران 2018، وشكلت الدولتان لهذا الغرض شركة طيران مشتركة، أطلقتا عليها اسم الشركة الدولية لصناعة الطائرات التجارية "كرايك" لإنتاج طائرة الركاب تحت اسم "كرايك سي آر 929".

الطائرة التي وصفها المدير العام لشركة كوماك الصينية، جاو يو رانغ، بالمشروع الإستراتيجي المهم، ستكون إضافة قوية لتعزيز العلاقات بين البلدين، في ظل خطتها الطموح لإنتاج عائلة متكاملة من طائرات سي آر 929، بحيث تكون هناك طائرة أساسية يطلق عليها اسم "سي آر 929-600" وأخرى صغيرة سي آر 929-500 وثالثة كبيرة سي آر 929-700، وإلى جانب نقل الركاب، ستطلق طائرات شحن وأخرى لرجال الأعمال وطائرات خاصة وطائرات ذات أغراض خاصة.

ورغم أن أول إنتاج للمشروع لن يكون متاحًا للاستخدام قبل 10 أعوام على الأقل من الآن، فإن الصين تبرهن للعالم أنها قادمة بقوة على طريق امتلاك طائرات تنافسية عملاقة تمثل قوتها على الأرض بين دول العالم، خاصة أنها بجانب هذا المشروع تسعى لدمج المطارات والطرق الجوية مع شبكات معلومات ذات صلة، حتى يصبح نقل الركاب والبضائع ذا كفاءة عالية، بما يجعل صناعة الطيران تؤدي دورًا رئيسيًا وراسخًا في التنمية الاقتصادية للصين التي تملك بالفعل نحو 60 شركة للنقل الجوي و3549 طائرة و410 شركات طيران عامة و232 مطارًا للنقل.

فيما يمتلك مطار العاصمة بكين الدولي ثاني أكبر حركة مرور في العالم، بالوقت الذي يحتل فيه مطار شانغهاي الدولي المرتبة الثالثة في العالم، من حيث حركة الشحن، وهو ما يبرر لماذا أصبحت صناعة الطيران المدني الصينية، تساهم بالفعل بأكثر من 25% في حركة نمو صناعة الطيران المدني العالمية، التي ستجعل أي مخالفة منها، سواء بقرصنة أم غيرها، مشفوعة ولن يقدر أحد على اعتراضها.