مع بداية شهر أكتوبر/تشرين الأول من كل عامٍ، يبدأ موسم قطاف الزيتون وعصره، وعادةً ما تشكل هذه العملية حدثًا اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا هامًا لمختلف فئات المجتمع الفلسطيني، سواء على مستوى الأفراد أو العائلات أو المزارعين. وفي الوقت نفسه، يُُنظر إليها كتحدٍ للمحتل الإسرائيلي وسياساته في تخريب طبيعة الزراعة الفلسطينية ونسقها، إذ غالبًا ما يتزامن جني ثمار الزيتون مع اعتداءات وهجمات متكررة من قبل المستوطنين.

وكان آخر هذه الاعتداءات قبل ساعات، حين هاجم مستوطنون إسرائيليون مجموعة من المزارعين الفلسطينيين أثناء عملهم بالقرب من مدينة نابلس في شمال الضفة الغربية، واستولوا على محاصيلهم وممتلكاتهم، وهو أمر روتيني يتوقعه الفلاحون في كل مرة بقلق كبير وخيبة أمل شديدة، ولا سيما أن لا أحد يحاسب أو يقاضي الجناة.

فوفقًا لتقرير صادر من منظمة "ييش دين" إن 96% من الشكاوى التي تقدم بها فلسطينيون حول اعتداءات المستوطنين على أشجار الزيتون منذ عام 2005 وحتى 2015، لم يتم التعامل معها بجدية كافية، وأغلقت ملفاتها دون معاقبة المخربين، ما يعني أن لا يوجد نية لدى شرطة الاحتلال لاسترداد حق الفلسطينيين، فمن بين 246 جريمة -تشمل الاعتداء والتخريب والقطع والحرق لأشجار الزيتون- تم متابعة 4 ملفات فقط، والبقية أُزيحت جانبًا لـ "عدم وجود أدلة كافية" أو لأن "الجاني مجهول".

الوزن الاقتصادي لأشجار الزيتون 

بحسب وكالة الأناضول، نقلًا عن وزارة الزراعة الفلسطينية، يشكل الزيتون حوالي 45% من مساحة الأراضي المزروعة بفلسطين، والمقدرة بمليوني دونم تقريبًا (الدونم يساوي ألف متر مربع) حيث يزرع 850 ألف دونم بنحو 11 مليون شجرة، وبالتحديد يوجد نحو 8.5 ملايين شجرة مثمرة، و2.5 مليون شجرة غير مثمرة موزعة بين الضفة الغربية وقطاع غزة. تحتاج كل شجرة إلى 15 عامًا من الرعاية حتى تصبح منتجة، كما تبلغ قيمة إنتاجها ما بين 150 إلى 280 دولارًا.

وثقت السلطة الفلسطينية، العام الماضي، 7 آلاف حالة قطع لأشجار الزيتون، وفيما يخص العام الحالي، سجلت في النصف الأول نحو 3 آلاف حالة أخرى. وبصفة عامة، تم تدمير نحو 800 ألف شجرة منذ عام 1976.

كما تمثل مبيعات الزيتون والزيت 14% من قيمة دخل القطاع الزراعي، و1% من الدخل القومي الفلسطيني، حيث تعتمد حوالي 100 ألف أسرة  فلسطينية على عائدات موسم الزيتون كمصدر دخل رئيسي أو ثانوي، حيث يوفر هذا القطاع فرص عمل لعدد كبير من العمال يزيد على 15% من النساء العاملات، كما تتراوح قيمة قطاع الزيتون، بما فيه الزيت وزيتون المائدة والزيتون المخلل والصابون، من 160 مليون إلى 191 مليون دولار في السنوات الجيدة.

ولكن مع حملات التخريب والاستيلاء والطرد التي ينفذها المستوطنون ضد المزارعين الفلسطينيين ومالكي الدونمات، فإن الأرباح مهددة دومًا بالانخفاض والضياع، إذ تشير تقديرات إحصائية لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن المستوطنين دمروا أكثر من 5 آلاف و500 شجرة زيتون عام 2017، ووثقت السلطة الفلسطينية، العام الماضي، 7 آلاف حالة قطع لأشجار الزيتون، وفيما يخص العام الحالي، سجلت في النصف الأول نحو 3 آلاف حالة أخرى. بصفة عامة، تم تدمير نحو 800 ألف شجرة منذ عام 1976.

ويفيد تقرير الأمم المتحدة، بأن معظم حوادث العنف والاعتداء تقع في بيت لحم، وتحديدًا في قرية الخضر، وتليها محافظة نابلس، فلقد وجد المزارعون الفلسطينيون أنهم وجدوا ما يقرب من 3 آلاف و200 شجرة زيتون مسروقة أو مقطوعة، بحسب إحصاءات 2017. وفي نفس السياق، قالت ساريت ميخائيلي ، المتحدثة باسم منظمة بتسيلم الاسرائيلية لحقوق الانسان، في تصريح سابق أن "المنظمة تسجل يوميًا حادثًا واحدًا تقريبًا وفي بعض الحالات أكثر من حادث ضد الفلسطينيين وأشجار الزيتون الخاصة بهم منذ بداية موسم الحصاد".

لماذا تستهدف "إسرائيل" أشجار الزيتون؟

إن أعمال العنف التي تجري في حقول أشجار الزيتون ليست استثنائية أو عشوائية، وإنما هي جزء من نشاط استراتيجي تسمح به دولة الاحتلال وتشارك به لكي تستفيد من تبعاته ويسهل عليها الاستيلاء على المزيد من الأراضي من خلال تهجير أهلها وتوسيع سيطرتها على المناطق المحتلة ومواردها الطبيعية. فحين تعرقل "إسرائيل" وصول الفلسطينيين إلى حقولهم وتقيد تحركاتهم ونشاطاتهم من خلال منع إدخال الفسائل الجديدة والأسمدة والمبيدات وقطع المياه وإحراق المحاصيل بالنار أو المواد الكيميائية أو إطلاق الخنازير البرية على أراضيهم ومحاصيلهم، فهذا يعني أنها تحاول خلق حالة من الخوف لدى الرعاة الفلسطينيين.

تُنظم حملات ومبادرات شبابية تطوعية، من أجل غرس أشتال زيتون في الأراضي المهددة بالمصادرة والسرقة والتخريب، تعويضًا للأشجار التي تم اقتلاعها وتدميرها  ودعمًا للمزارعين الفلسطينيين

تؤكد منظمة "بيش دين" هذه الواقعة من خلال رصدها لموقف حكومة الاحتلال من انتهاكات المستوطنين للمزارعين، في تقرير بعنوان "عنف المستوطنين كأداة للسيطرة على أراضٍ فلسطينيّةٍ تحت حماية الدولة والجيش"، وتقول:

"نحن لا نتحدّث هنا عن عنف اعتباطيّ ومبتذل، بل عن نهج يشكّل خلية أخرى في سلسلة الوسائل المستخدَمة، بغية السيطرة على الأراضي الفلسطينيّة. وتُلحق هذه السياسة الإسرائيليّة انتهاكًا كبيرًا بحقوق الإنسان الخاصّة بالفلسطينيّين، وخصوصًا الحقّ في الحياة وسلامة الجَسد، والحقّ في الحركة والتملّك، وهي تدوس روتين الحياة اليوميّ لدى النساء والرجال والأطفال، الذين يضطرّون لتقليص حيّزهم المُعاش، والعيش في خوف دائم حتى في داخل منازلهم".

ورغم هذه العراقيل، تُنظم حملات ومبادرات شبابية تطوعية، من أجل غرس أشتال زيتون في الأراضي المهددة بالمصادرة والسرقة والتخريب، وخاصةً في يوم الأرض وفي منطقة الأغوار الشمالية، شرقي الضفة الغربية، لهدفين: أولهما، تعويض الأشجار التي تم اقتلاعها وتدميرها من قبل الاحتلال ودعم المزارعين الفلسطينيين في معركتهم ضد المستوطنين، والهدف الثاني للتأكيد على ثبات الموقف الفلسطيني في حماية الأرض وطبيعتها من المستوطن الغريب.

بالنهاية، لم يكن إرهاب "إسرائيل" على أشجار الزيتون مدخلها الوحيد لمصادرة أراضي الفلسطينيين والاستيلاء عليها، فلقد امتدت انتهاكاتها إلى المساحات الزراعية جميعها، كجزء من العقوبات الجماعية والانتقامية التي تمارسها على الفلسطينيين، والتي تهدف بشكل رئيسي إلى تدمير العمود الأساسي للاقتصاد الفلسطيني تمهيدًا للوصول للمحو الكامل للوجود الفلسطيني هناك.