قبل أيام، ألغت الكويت تراخيص 17 صحيفة ومجلة أسبوعية وشهرية، في جملة قرارات غريبة ومثيرة لوكيل الوزارة المساعد لشؤون الصحافة والنشر والمطبوعات، بزعم توقف تلك الصحف والمجلات عن الصدور، لمدة تزيد على 6 أشهر، دون تقديم عذر تقبله الوزارة، ورغم تقبل الواقع لمثل هذه القرارات، خاصة في ظل الأزمات التي تتعرض لها الصحف المطبوعة بالعالم بأكمله والكويت خاصة، هناك ما يلبس القرار شبهة التعسف لا سيما أن الجهات نفسها، تغض الطرف عن تدابير، ربما لا توافق صحيح القانون، من كبريات الصحف في البلاد التي قررت الاحتجاب أسبوعيًا بالمخالفة لدورية صدورها، للتعامل مع خسائرها المالية الكبيرة، دون تضييق من السلطة!

ماذا حدث.. هل القضية انضباطية فقط؟

ألغت السلطة تراخيص 4 صحف ومجلات شهرية هي دلال وكويت أوتو وسوالف والأسطورة، إضافة إلى إلغاء تراخيص 13 صحيفة ومجلة شهرية، وهي اليقظة والمجالس ووسيط الجهراء وإعلانك والامتياز ونجوم وأمتي وعرب وجفينة ورموز وكلام وبرقان وصفقات، وتقول وزارة الإعلام المعنية بالقرار إن هذه الصحف والمجلات لم تصدر نسخها الورقية منذ أشهر، في وقت قررت فيه أعرق صحف الكويت: الجريدة والقبس والأنباء والرأي الاحتجاب الجزئي لترشيد التكاليف، دون مضايقة من أحد.

المرونة في التعامل مع الصحف المقربة من الدولة، على حساب غيرها، لا يمكن فصله عن الإطار الأوسع لمناخ الحريات الذي يعاني من فوبيا بالمنطقة

هذا الاحتجاب الجماعي تقرر أن يكون السبت من كل أسبوع، بجانب إعطاء إجازة إجبارية للصحافيين يوم الجمعة، ما يعني تناقص الخدمات المعرفية المقدمة في البلاد طيلة 48 ساعة، وهو أمر يمكن فهمه في سياق معركة صراع البقاء الشرس الذي يهدد المهنة، فضلًا عن لحاق المطبوعات العربية بركب المطبوعات العالمية التي انسحب عدد كبير منها من السوق الورقي تمامًا واستسلم لإغراء التكنولوجيا للجانب الأكبر من الجماهير، رغم اعتباره إجحافًا برغبة بعض القراء وخاصة كبار السن منهم المرتبطين بالنسخة الورقية منذ عقود، بجانب أنه يمثل مخالفة لشروط التعاقد على جريدة يومية دورية الصدور، إن كانت وزارة الإعلام الكويتية تبحث عن تنفيذ القانون بحذافيره.

المرونة في التعامل مع الصحف المقربة من الدولة على حساب غيرها، لا يمكن فصله عن الإطار الأوسع لمناخ الحريات الذي يعاني من فوبيا بالمنطقة التي باتت تتعامل مع "الرأي" باعتباره شرًا مستطيرًا يجب مواجهته ووأده في المهد، خاصة على السوشيال ميديا التي وجهت لها ضربات قوية، في محاولة لإرباك كل شخص يفكر في نقد الدولة ومسؤوليها، ومراجعة نفسه جيدًا قبل أن يفتح فمه أو يحاول كتابة كلمة على وسائل التواصل الاجتماعي.

الإجراء الجديد والتضيق بالحريات لا يمكن فصله عن استسهال السلطة  في حجب صحف متعثرة ماليًا

تجهز الكويت الساحة السياسية والفكرية منذ سنوات، لصياغة قانون جديد، لملاحقة ما يسمى "الحسابات الوهمية" على مواقع التواصل الاجتماعي، ويلزم التشريع الجديد مستخدمي مواقع السوشيال ميديا، من مواطنين ومقيمين وشركات بتسجيل حساباتهم لدى وحدة حكومية يتم إنشاؤها خصيصًا لتلقي طلبات التسجيل، في خطوة أولى نحو مراجعة شاملة لمنظومة القوانين المتعلقة بالنشر الإلكتروني، لتحديد ما تراه الحكومة مكامن الخلل في المجال العام، تمهيدًا لإيجاد المعالجة التشريعية اللازمة، لما تسميها الدولة "حسابات التشكيك والطعن في الذمم وضرب الوحدة الوطنية دون رادع".

الإجراء الجديد والتضيق بالحريات، لا يمكن فصله عن استسهال السلطة في حجب صحف متعثرة ماليًا، وهي إشارات التقطها سلطان الجزاف الكاتب بصحيفة القبس واسعة الانتشار، وتخوف من أن تكون هذه الإجراءات كلمة حق يراد بها باطل، وقد تؤدي إلى التضييق بالكامل على حرية الرأي والقضاء على برامج التواصل الاجتماعي تحت ستار الحسابات الوهمية.

الكاتب الشاب الذي يبدو أنه يرى جيدًا الصورة في بلاده، دون أن يفصلها عن بلدان منطقة ينتابها حالة من السعار ضد الحريات وحرية الكلمة تحديدًا، يعتبر أن محاصرة السوشيال بهذه الهستيريا يجب أن يتزامن مع صياغة قانون آخر لمحاسبة المسؤولين الذين ثبت أنهم خلف آلاف الحسابات الوهمية وكانوا يزودونها بالمعلومات والمال، في إشارة إلى ما يعرف باللجان الإلكترونية التي تغتال المعارضين وتروج شائعات سطحية وشعبوية عن ضرورة محاصرة الحريات، خوفًا من مصير بعض بلدان المنطقة التي انحدرت إلى براكين الإرهاب منذ اندلاع ثورات الربيع العربي.

لا يمكن رؤية ضرب هذا العدد من الإصدارات الصحفية بقرار إداري، لمجرد أن السلطات لا تقتنع بمرراتها عن الضيق الاقتصادي والأزمات التي تعيشها صاحبة الجلالة في بقاع العالم أجمع

يرى الكاتب الكويتي أن المشكلة الحقيقية بالأصل، في عدم شفافية المسؤولين بقضايا الشأن العام وتقصير الدولة في محاربة الفساد، ما يجعل من هذه الحسابات أرضًا خصبة في بث السموم، ولكن إن كانت لها سلبيات، فهي في المقابل ساهمت بشكل كبير في كشف قضايا فساد وممارسات خاطئة، وسلّطت الضوء على الكثير من القصور في الأعمال والأنشطة الحكومية، وجرت معالجتها من الجهات المعنية، بعدما أصبحت المتنفس الوحيد المتبقي للمواطنين للتعبير عن همومهم ومشاكلهم، وبعد أن ضاقت مساحة الحريات بفعل ضغوط أصحاب نفوذ وقوى معادية لحرية الرأي، تحاول الآن الانقضاض على ما تبقى منها، على حد قوله.

هل حرية التعبير مهددة في الكويت؟

لا يمكن رؤية ضرب هذا العدد من الإصدارات الصحفية بقرار إداري، لمجرد أن السلطات لا تقتنع بمرراتها عن الضيق الاقتصادي والأزمات التي تعيشها صاحبة الجلالة في بقاع العالم أجمع، وبالتالي ترفض إعطاءها مهلة جديدة لتوفيق أوضاعها، دون النظر لمساحة الحريات في الكويت التي تعيش مثل دول مجلس التعاون الخليجي انعكاسات الربيع العربي وتعيش واقعًا سياسيًا سريع التبدل، وإن كان الأمر مختلف كليًا في الخليج عن باقي بلدان المنطقة، حسب خصوصية كل بلد ونوعية المطالب التي يراها مناسبة لواقعه.

تعيش الكويت حراكًا شعبيًا متصاعدًا وتخوفات من إرث الحرية المتراكم منذ عقود، جعل من الكويت علامة فارقة ليس فقط بين البلدان الخليجية، بل والعربية بشكل عام، ما صنفها بشكل أو بآخر، دولة حريات ودستور ومؤسسات، لا تعرف زائر الفجر ولا تمارس حكوماتها وأجهزتها الأمنية القمع البوليسي ذائع الصيت في جيرانها العرب، غير أن السنوات الماضية، وضعت عنوانًا آخر للكويت.

لن يكون هناك صحافة، سواء ورقية أم إلكترونية، في مجتمع غير قابل للصحافة، وأجواء عامة تحمي الحيوية وحرية التعاطي مع الأمور، بحيث يقبلها المتلقي دون شك في أهدافها التي تخدم آخرين غيره

أصبحت الحكومة تلاحق بشكل يدعو للتأمل، الناشطين السياسيين والحقوقيين وتضعهم في السجون لمجرد تصريحات أدلوا بها أو تعليقات كتبوها على مدونات أو غيرها من مواقع التواصل الاجتماعي، وأصبح من الطبيعي محاكمة النوايا ورفع فزاعة المساس بالذات الأميرية، باعتبارها تهمة جاهزة لكل شخص يحاول التعبير عن رأيه في سياسات الحكومة، واختتمت هذه الموجة الانقلابية على الحريات، بإعداد مشروعات عدة لوضع قيود غير مسبوقة على الإعلام، رغم الاعتراض الواسع من وسائل الإعلام في البلاد.

تحديات الصحافة الكويتية من خلال السياقات السابق ذكرها، ربما لا تنفصل عن تحديات الصحافة العربية، التي يجب أن يعي صناع القرار فيها، أن توفير صحافة جيدة قادرة على المنافسة والاستمرار، يعني ضرورة توافر كثير من الشروط، وبيئة محيطة تسمح بذلك، فالصحافة والإعلام لهما أشد التأثير على العقول والأفكار والتوجهات، وتغييبهم أو حقنهم بالشمولية، سيغير على الفور من خصائص المجتمعات وقناعات الناس واهتماماتهم وقدواتهم وعلاقاتهم الاجتماعية.

وبالتالي، لن يكون هناك صحافة، سواء ورقية أم إلكترونية، في مجتمع غير قابل للصحافة، وأجواء عامة تحمي الحيوية وحرية التعاطي مع الأمور، بحيث يقبلها المتلقي دون شك في أهدافها التي تخدم آخرين غيره، فضلاً عن ضرورة إيقاف الحرب الهمجية التي تشنها لجان إلكترونية ـ بحسب تعبير عثمان العمير رئيس تحرير جريدة إيلاف ـ غالبًا تابعة للسلطات، على مواقع التواصل الاجتماعي ضد الصحافة، حيث لا يعد من المصلحة العامة توقف الصحف، فالسؤال الذي يطرح نفسه دائمًا لهذا النوع من المسؤولين: ما البديل في حال توقف الصحف؟!