السطور القادمة لا تتضمن حرقًا للأحداث

"هل أنا فقط المجنون، أم أن العالم هو الأكثر جنونًا"، يسأل البطل آرثر فليك، طبيبه النفسي خلال أحداث فيلم الجوكر، هل آرثر هو المجنون لأنه لا يستطيع السيطرة على عقله أم العالم الذي يغوص في الفوضى والفساد واللامساواة والحروب واليأس الشامل؟ كيف يمكن للمجتمع الفاسد أن يحول أبناءه إلى النسخة الأسوأ من أنفسهم؟ 

هذه هي الحكاية القاتمة التي يرويها لنا تود فيليبس مخرج فيلم الجوكر، بكل براعة وإتقان استطاع بسببها أن يدخل العرض الأول للفيلم في المسابقة الرسمية ضمن فعاليات مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي في دورته الـ76 بمدينة البندقية الإيطالية وانتزاع جائزة الأسد الذهبي في المهرجان، كما لاقى الفيلم احتفاءً كبيرًا من الجمهور الحاضر للعرض، إذ عبروا عن إعجباهم الشديد بالفيلم عبر تصفيقهم المتواصل الذي استمر لمدة ثماني دقائق، واجتاز الإعلان النهائي للفيلم 21 مليون مشاهدة بعد مرور ثلاثة أيام فقط من طرحه على موقع يوتيوب.

قصة الفيلم: التحول المرعب والسوداوي من الهدوء إلى الانفجار

حين عُرض فيلم The Dark Knight أو فارس الظلام خلال عام 2008 كانت القصة تدور حينها حول الصراع بين الخير الذي تمثّله شخصية باتمان والشر الذي يجسده الجوكر الذي ظل طوال أحداث الفيلم يحاول إثبات أن البشر جميعهم يملكون نزعة للشر، كما كان يثير الجوكر الكثير من الفوضى فقط من أجل إزعاج النظام الحاكم، حينها لم تكن تصرفات الجوكر مبررة ولم يكن أحد يعلم كيف تحوّل الجوكر إلى هذا الوحش ليأتي فيلم هذا العام ويخبرنا القصة من بدايتها.

تدور أحداث الفيلم خلال عام 1981 في مدينة غوثام الخيالية التي تزرح تحت عبء ثقيل للغاية من الفساد والانحلال وانتشار العصابات وتجارة المخدرات

يحكي الفيلم عن شخصية آرثر فليك وهو رجل بسيط ونحيل للغاية يحاول أن يصنع له مستقبلًا ويعتني بأمه المريضة في نفس الوقت، كان آرثر يعمل حاملاً للافتات المحلات التجارية ويرتدي زي المهرج كي يلفت أنظار المارة إلى العروض التجارية التي يقدمها المحل صاحب اللافتة، ولكن حلم آرثر كان مختلفًا وبعيدًا كل البعد عن عمله، إذ كان يحلم بالعمل كستاند آب كوميدي يكتب النكات ويصنع البهجة ويرسم البسمة على وجوه المشاهدين.

تدور أحداث الفيلم خلال عام 1981 في مدينة غوثام الخيالية التي ترزح تحت عبء ثقيل للغاية من الفساد والانحلال وانتشار العصابات وتجارة المخدرات، وفي هذا الوقت كان عمال نظافة المدينة مضربين عن العمل ولهذا جاءت جميع مشاهد الفيلم والمدينة مليئة بالقمامة في كل مكان.

في هذا العالم البائس والكئيب كان آرثر يعاني كل يوم، ليس فقط من الفساد والانحلال ولكن أيضًا من سوء المعاملة، إذ كان يتعرض يوميًا للعنف والضرب في الشارع أمام المارة وكان الجميع يسخر من هيأته لأنه كان ضعيف البنية فلم يكن يستطيع الدفاع عن نفسه، والحقيقة أن آرثر بالإضافة إلى كل هذا كان مصاب بمرض التقلق أو pathological laughter وهو عبارة عن اضطراب عصبي نادر يتسبب بحدوث بكاء لا إرادي أو نوبات غير ميسطر عليها من الضحك المتواصل، ولما كان آرثر يضحك في الشارع بشكل هستيري فقد كان يثير سخرية كل من يراه وأحيانًا يتعدى المارة عليه بالضرب بسبب ضحكه غير المبرر.

هناك تدرج متقن للغاية في تحول الشخصية جعل المشاهد يتقبل في النهاية تصرفات الجوكر ولا يراها مبالغًا فيها

وبسبب نبذ المجتمع له وشعوره الدائم بالفشل يتحول آرثر من الهدوء إلى الجنون، ورغم أن قصة الفيلم ليست جديدة وربما تكون معروفة إذ كان المشاهد يعلم تمام العلم أن الجوكر سيتحول إلى شرير في النهاية، فإن السرد كان احترافيًا.

أما بالنسبة لحبكة الفيلم فيجب أن نعلم في بداية الأمر أن حبكة الأفلام إما أن تكون مبنية لخدمة شخصية أو مبنية لخدمة قصة أو مغامرة، في هذا الفيلم بُنيت الحبكة من أجل شخصية آرثر، فالمخرج لم يكن معني في الفيلم بقصة الخير والشر ولا بفساد المدينة، فيلم The Dark Knight كان يخدم قضية ولهذا وزعت أداوره بين الخير والشر والحرب الطاحنة بينهما ولذلك كان يستعرض مشاهد لباتمان وأخرى للجوكر.

في هذا الفيلم نشاهد فقط تحول شخصية آرثر، فالحياة كلها تتمحور حوله، والحقيقة أن بناء الشخصية كان عظيمًا ومتدرجًا وبطيئًا ويمرّ بمنعطفات خطيرة ومهمة تجعل آرثر يتغير من الداخل دون أن يشعر، فهناك تدرّج متقن للغاية في تحول الشخصية جعل المشاهد يتقبل في النهاية تصرفات الجوكر ولا يراها مبالغًا فيها.

الألوان المستخدمة في الفيلم وكادرات التصوير

استخدم فيلم الجوكر الألوان ببراعة، فالمكياج ورسومات الوجه تجسد جانبًا مهمًا من التركيب النفسي لشخصية آرثر الذي كان يعمل مهرجًا، إذ يختبئ المهرّج وراء هذا المكياج من عيون المجتمع الذي كان ينبذه، وعلى الجانب الآخر وحين لا يضع آرثر المكياج كان يجب أن يبدو أكثر شحوبًا ليعزز ذلك الجزء من شخصيته الذي يعاني من التعب النفسي واليأس من الفشل الذي ظل يطارده، وبين التحول من شخصية آرثر المهرج إلى الجوكر المجنون رأينا بشكل مكثف ومقرب كادرات التصوير المقربة من آرثر ورأينا ملامح وجهه وهو يمر بمراحل مختلفة من العناء إلى الفوضى ثم إلى العنف.

الموسيقى التصويرية للفيلم عبرت بشكل رائع عن بؤس آرثر وأحلامه المكسورة

ولأن المدينة التي يسكنها آرثر كانت كئيبة وبائسة ومؤلمة فقد جاءت الألوان قاتمة وباهتة ومليئة بالظلام لتعكس عالم آرثر الكئيب، وبالنسبة لكادرات تصوير المدينة فقد كانت عبقرية إلى الدرجة التي وصلت لنا دون الكثير من الكلام أن الجوكر هو ابن تلك المدينة البار، فالفوضى التي تحوّل إليها والعنف الذي تبناه ما هو إلا انعكاس بائس لتلك المدينة المرعبة والسوداوية.

الموسيقى التصويرية لفيلم الجوكر

حتى كتابة هذه السطور ما زالت موسيقى الفيلم تصدح في أذني، فالموسيقى التصويرية للفيلم عبرت بشكل رائع عن بؤس آرثر وأحلامه المكسورة، وإضافة إلى الموسيقى التصويرية ارتكز الفيلم على عدة أغانٍ كلاسيكية ورغم أن تلك الأغاني لا علاقة مباشرة بينها وبين شخصية آرثر، فإن هناك بعض كلماتها التي جاء اختيارها مناسبًا للغاية كمرافق لآرثر واضطراب حالته النفسية.

فهناك مثلاً أغنية Send In The Clowns التي جاءت في الخلفية خلال تعرض آرثر للضرب في مترو الأنفاق، ورغم أن الأغنية تحكي نهاية قصة حب، كانت مناسبة ليأس آرثر وضعفه ووحدته، أما حين تحول آرثر إلى شخصية الجوكر وامتهن العنف والجنون الكامل فقد جاءت في الخلفية أغنية That's Life حينها كان الجوكر قد أضحى شخصية بشعة.

شخصية الجوكر هي التجسيد الأمثل لحقبة الرئيس الأمريكي ترامب

ذكرت الناقدة السينمائية الأمريكية جوانا روبنسون أن شخصية الجوكر معبرة تمامًا عن حقبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأضافت روبنسون أن كل شخصية جوكر تم تقديمها على شاشات السينما كانت تعكس تمامًا الحقبة السياسية التي ظهر بها، فحين جسد جاك نيكلسون شخصية الجوكر في فيلم "Batman" خلال عام 1989 كان ذلك في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان، ولذلك اتسمت حينها شخصية الجوكر بالبلاهة أكثر من إخافة المشاهدين ولكنه حينها كان مهووسًا بجمع الأسلحة وأغرى سكان مدينة غوثام ليقضي عليهم في النهاية بغاز الضحك القاتل.

الإسقاط السياسي للفيلم لم يقتصر على الناقدة السينماية روبنسون، إذ رأى الكثير من النقاد السينمائيين أن المجتمع الأمريكي لا يحتمل مثل هذا الفيلم في الوقت الراهن وذلك بسبب تزايد حدة خطاب الكراهية في المجتمع

أما جوكر فيلم "The Dark Knight فقد عكس بوضوح حقبة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، إذ تحول البطل من مجرد مهرج شرير أبله إلى شخص إرهابي شديد الخطورة كان يستمتع بإحداث الدمار في العالم، أما آرثر فهو المواطن الأمريكي المضطرب الذي يعاني من الصعوبات والتحديات والوحدة والتنمر والعنف في المجتمع بسبب الهوة العميقة بين مجتمع الأغنياء ومجتمع الفقراء وهو ما تجسده حقبة ترامب، وتعتقد روبنسون أن الفوضى التي أحدثها آرثر في المجتمع بعد تحوله إلى العنف ستظل موجودة حتى يغادر ترامب البيت الأبيض.

الإسقاط السياسي للفيلم لم يقتصر على الناقدة السينماية روبنسون، إذ رأى الكثير من النقاد السينمائيين أن المجتمع الأمريكي لا يحتمل مثل هذا الفيلم في الوقت الراهن وذلك بسبب تزايد حدة خطاب الكراهية في المجتمع وتكرار حوادث إطلاق النار وازدياد وتيرة العنف المسلح، فمن الممكن أن يرى أي مواطن أمريكي أنه يعاني من المجتمع اللامبالي والقاسي وبالتالي يقرر التوجه للعنف على غرار الجوكر.

وفي السياق نفسه فقد انسحب الممثل الأمريكي خواكين فينيكس الذي جسد شخصية آرثر من مقابلة صحفية لجريدة تلغراف بعد أن طُرح عليه سؤال يتعلق بفيلم الجوكر وعما إذا كان يشجع على العنف والقتال في العالم الحقيقي ليعود بعد غيابه لمدة ساعة من أجل استكمال المقابلة ويقول إنه شعر بالذعر ولم يفكر أبدًا في هذا السؤال.