ستة أيام من الغضب العارم الذي يجتاح المدن العراقية، كانت كفيلة بقلب الطاولة على الحكومة التي يتهمها المتظاهرون بالفساد والتسبب بآفة البطالة وتردي الأوضاع الاقتصادية، الاحتجاجات غير مسبوقة، وارتفع سقف مطالبها إلى استبدال نظام الحكم في البلاد.

الموت يرفرف فوق ميادين التظاهرات

الاحتجاجات الشعبية في العراق تتخذ في سيرها الجارف منعطفًا خطيرًا، في ظل عمليات ممنهجة لقمعها، إذ شهدت أعمال عنف وإطلاق نار، ليرد المتظاهرون بحرق عدد من مقار الأحزاب السياسية التي يتهمها المتظاهرون بالوقوف وراء أعمال الفساد في البلاد، وفي المقابل، اتهمت السلطات العراقية "قناصة مجهولين" بإطلاق النار على قوات الأمن والمدنيين.

سقوط أحد المتظاهرين

"أياد خبيثة" وراء لغز القنص

"أياد خبيثة ولئيمة تقف وراء استهداف المحتجين والقوات العراقية، عبر عمليات قنص"، هذا ما قاله المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية اللواء سعد معن الذي كشف أيضًا أن الإصابات تركزت في منطقتي القلب والرأس، نافيًا وجود أي تصادم بين المحتجين والقوات الأمنية.

نهار بغداد الهادئ نسيبًا لم يدم طويلاً، إذ تحول ليلها إلى ساحة حرب بين المحتجين وقوى الأمن، الحديث هنا عن مجزرة ارتكبت ضد المحتجين من مدينة الصدر مأوى الفقر والفقراء

وقال معن خلال مؤتمر صحفي للمتحدثين باسم وزارات الدفاع والداخلية والصحة والعمليات المشتركة في العراق، تابعه "نون بوست" إن 104 أشخاص قتلوا وأصيب أكثر من 6000 آخرين خلال الاحتجاجات في البلاد، مضيفًا أن من بين القتلى ثمانية من قوات الأمن.

الهدوء الحذر لم يدم طويلاً

نهار بغداد الهادئ نسيبًا لم يدم طويلاً إذ تحول ليلها إلى ساحة حرب بين المحتجين وقوى الأمن، الحديث هنا عن مجزرة ارتكبت ضد المحتجين من مدينة الصدر مأوى الفقر والفقراء، إذ أسفرت عملية فض تظاهرة فيها إلى مقتل 8 أشخاص وإصابة نحو 20، استخدمت الذخيرة الحية والغاز المسيل للدموع لتفريق الحشود في موقعين منفصلين في المنطقة الواقعة شرقي العاصمة.

كتل تقفز من السفينة الغارقة

في الوقت الذي تحاول فيه الكتل السياسية وبعض المسؤولين القفز من سفينة الحكومة الغارقة بموجة الاحتجاجات الشعبية، يؤكد المتظاهرون عدم وجود أي جهة تمثلهم، سياسية كانت أو جماهيرية، في إشارة إلى المجموعة التي ذهبت إلى البرلمان كممثلين عن المتظاهرين، موضحين أن تظاهراتهم سلمية للمطالبة بحقوق كفلها الدستور العراقي.

قرارات ناعسة بعد منتصف الليل

أصدرت الحكومة العراقية سلسلة قرارات في جلسة استثنائية، عقدت بعد منتصف الليل برئاسة عادل عبد المهدي ردًّا على مطالب المشاركين في الاحتجاجات الدامية التي انطلقت قبل أيام وأسفرت عن سقوط عدد كبير من الضحايا.

القلق والمطالبات والتشديد.. وسائل معتادة للأمم المتحدة إزاء كل كارثة تحدث في العالم

وتضمنت القرارات الجديدة 17 فقرة، أبرزها تسهيل الحصول على أراضٍ سكنية وبناء وحدات جديدة، إضافة إلى منح 175 ألف دينار (نحو 145 دولارًا) شهريًا للعاطلين عن العمل لمدة ثلاثة أشهر فقط.

القلق.. ردّ الفعل المعتاد للأمم المتحدة

القلق والمطالبات والتشديد، وسائل معتادة للأمم المتحدة إزاء كل كارثة تحصل في العالم، إذ طالبت بعثة الأمم المتحدة في العراق بوقف "أعمال العنف" في البلاد، فيما شدّدت على وجوب محاسبة المسؤولين عن أعمال العنف.

وقالت الممثّلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق جينين هينيس بلاسخارت في بيان لها: "أشعر بحزن بالغ لوقوع خسائر غير مبررة في الأرواح. منذ أيام والتقارير ترد بوقوع وفيات وإصابات، لا بدّ أن يتوقف هذا".

إعلام المحتجين في مواجهة قطع الإنترنت

لم تفلح الحكومة في إبعاد المواطنين عن الشارع عبر قطع وسائل التواصل بينهم وحجب خدمة الإنترنت، إلى جانب إجراءات أخرى مثل إعلان حظر التجوال الذي تراجعت عنه لاحقًا، حيث يلتف شبان عراقيون على قطع الإنترنت لإيصال صوت المحتجين عبر اللجوء إلى وسائل اتصالات سرية وأساليب غير مستخدمة على نطاق واسع ورسائل خارجية باهظة الثمن، وذلك عقب تضييق الخناق على الاحتجاجات الدامية.

استهدف مسلحون مجهولون مكاتب وسائل إعلام على مدار اليومين الماضيين في هجمات يبدو أنها كانت منسقة للحيلولة دون تغطيتها الاحتجاجات المناهضة للحكومة

يقول أحمد (اسم مستعار) لوكالة الصحافة الفرنسية: "أذهب إلى التظاهرات صباحًا وأصور فيديوهات بهاتفي، ثم أعود إلى مقر عملي وأستخدم الإنترنت لتحميلها على فيسبوك، أو أرسلها إلى وسائل إعلام خارج العراق"، وأطلع أحمد "فرانس برس" على فيديوهات يخطط لإرسالها لوسائل إعلام أجنبية ليلًا، يسمع فيها إطلاق رصاص في شوارع شبه خالية، فيما هو ورفاقه المحتجون اتخذوا من الكتل الإسمنتية ملجأً لهم.

تشييع جثمان أحد المتظاهرين

يقول أحمد: "رفاقي يسلمونني المواد التي يصورونها على مفاتيح ذاكرة (يو إس بي) كي يتمكن الجميع خارج العراق أن يرى ما يحصل هنا".

استهداف الإعلام لإخماد صوت المحتجين

في خطوة قمعية أخرى لإسكات صوت المتظاهرين وتكميم أفواه القنوات الناقلة، استهدف مسلحون مجهولون مكاتب وسائل الإعلام على مدار اليومين الماضيين في هجمات يبدو أنها كانت منسقة للحيلولة دون تغطيتها الاحتجاجات المناهضة للحكومة.

وأوضح مركز "ميترو" العراقي للدفاع عن حقوق الصحفيين أن "هناك حملة تستهدف القنوات الإعلامية الناقلة للحقيقة، فالحكومة تريد حجب المعلومات عن المواطنين وكذلك الحصيلة الدقيقة للضحايا وما يدور في المستشفيات، وهذا دليل على العنف الممارس ضد المتظاهرين".

رغم الدمار الكبير الذي تعرضت له الموصل في حربها ضد داعش، أطلق سكانها حملة تبرع بما تبقى من دمائهم لجرحى التظاهرات في العاصمة بغداد ومدن الجنوب

وأضاف المركز "نحن ندين هذه السلوكيات ونطالب بفتح القنوات المغلقة لإتاحة المعلومة للمواطنين، وحتى لو تم إغلاق القنوات فإن هذا السلوك عقيمٌ، لأن شبكات التواصل كفيلة بكشف الحقيقة".

الموصل المكلومة تتضامن مع جرحى المحتجين

رغم الدمار الكبير الذي تعرضت له الموصل في حربها ضد داعش، أطلق سكانها حملة تبرع بما تبقى من دمائهم لجرحى التظاهرات في العاصمة بغداد ومدن الجنوب، ودعا الأهالي إلى إنهاء إراقة دماء المتظاهرين والاستجابة لمطالبهم، مؤكدين تضامنهم مع الاحتجاجات الشعبية الداعية إلى القضاء على الفساد وتوفير حياة كريمة للعراقيين.