لم تنخرط المدن ذات الغالبية السنية في احتجاجات العراق، خوفًا من اتهامها بـ "الدعشنة"

مرّت أيام ثقيلة منذ تفجّر الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية في العراق التي خلف قمعها مقتل ما يزيد على 100 قتيل وآلاف الجرحى والمصابين، فيما اعتقلت السلطات المئات من المحتجين، وعلى الرغم من مجابهة هذا الحراك بالقوة المفرطة، فإن المتظاهرين ما زالوا في الشوارع يطالبون بحقوقهم التي خرجوا من أجلها في بداية أكتوبر.

بعد أسبوع تقريبًا خرج الرئيس العراقي برهم صالح ليقول: "التظاهرات في البلاد جاءت نتيجة المظالم"، مضيفًا "ما حدث فتنة ويجب أن نمضي للأمام معًا"، وأشار صالح إلى أن ما حدث من استهداف للمتظاهرين والقوات الأمنية ووسائل الإعلام "غير مقبول"، فيما وعد صالح: "سنعمل على تشكيل لجنة استجابة لدعوة المرجعية الدينية".

وفي مهمة تبدو صعبة، أوضح رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، أن حكومته تلتزم بتقديم الفاسدين للقضاء، وذكر عبد المهدي "كانت هناك مقترحات لتقديم حزمة إصلاحات تشريعية ومالية وأخرى إدارية"، مشيرًا: "سنبحث دعم المشاريع وتخصيص قروض للمشاريع الصغيرة وفتح التطوع للجيش"، يأتي ذلك في محاولة حكومية لاحتواء الاحتجاجات المشتعلة.

خطاب عادل عبد المهدي

وعلى الرغم من أن رقعة الاحتجاجات الأولى كانت واسعة والأعداد الخارجة كثيرة، كما أظهرتها فيديوهات الناشطين، لكنها لم تشمل جميع محافظات العراق، فقد تركز الحراك بشكل أساسي في المناطق الجنوبية ذات الغالبية الشيعية. وأوضح الأستاذ الجامعي العراقي الدكتور علي أغوان في حديثه لـ"نون بوست"، قائلًا: "السياق العام للتظاهرات المجتمعية في جنوب العراق هو امتداد لمطالب متظاهري الحراك الذي قامت به المناطق السنية من تحسين للخدمات والقضاء على الفساد إلا أن المناطق السنية دفعت ثمنًا غاليًا نتيجة تلك الاحتجاجات".

في هذا التقرير نرصد أهم المناطق التي انتفضت في الأيام الماضية والسبب الذي دعا أهالي بعض المحافظات للامتناع عن الخروج والالتحاق بالحراك.

مراكز الاحتجاجات

بدأت الاحتجاجات في العاصمة بغداد، حيث انطلقت المظاهرة الأولى من ساحة التحرير، وما لبثت أن تفرقت في بداية الأمر، حتى عاود المتظاهرون التجمع على جسر قريب يؤدي إلى المنطقة الخضراء. ردّد المتظاهرون في هتافاتهم الأولى شعارات تطالب بالخدمات وتوظيف الشباب، وحملت لافتات داعمة لقائد قوات مكافحة الإرهاب الفريق عبد الوهاب الساعدي الذي أقالته الحكومة.

تتركز الاحتجاجات في بغداد في المناطق الأكثر فقرًا، والمشاركون بالاحتجاجات هم الطبقة الفقيرة الأكثر تضررًا من البطالة وعدم توافر الخدمات. في هذا السياق، تحدث "نون بوست" مع الصحفي العراقي عثمان المختار الذي أوضح لنا خريطة الاحتجاج في العاصمة بغداد. ذكر المختار أن الحراك في بغداد تركز في مناطق الصدر والزعفرانية ومدينة الشعب وحي خور والبلديات وطريق محمد القاسم، إضافةً إلى ساحة الطيران وساحة التحرير وساحة الخلاني باعتبارهم ساحات تقليدية للتظاهرات.

نالت مدينة الصدر ذات الغالبية الشيعية، نصيبًا مضاعفًا من البطش الأمني ردًا على التظاهرات فيها، وهو ما اعترفت به القوات الأمنية العراقية، حيث قتل 15 شخصًا في مواجهات بين المحتجين والقوات، فيما قالت خلية الإعلام الأمني، إنه تم استخدام القوة المفرطة في اشتباكات مدينة الصدر، الأمر الذي أجبر رئيس الوزراء عادل عبد المهدي على سحب قطاعات الجيش كافة من المدينة واستبدالها بقطاعات الشرطة الاتحادية.

وبالإضافة للعاصمة بغداد انضمت محافظة ذي قار الجنوبية إلى الاحتجاجات لتنال نصيبها من الرد الأمني الشديد على تظاهراتها،  ففي ثالث أيام المظاهرات قتل وأصيب العشرات فيها، وتركز الحراك في المحافظة ذات الغالبية الشيعية، بمناطق الناصرية والرفاعي وسوق الشيوخ والشطرة والدواية.

من جهة أخرى، تدخلت قوات الجيش العراقي لحماية مقار الحكومة المحلية في المحافظة خشية اقتحام المتظاهرين. وكان المحتجون قد أضرموا النيران في 9 مقار ومكاتب للأحزاب السياسية الشيعية والحشد الشعبي إلى جانب مبنى تليفزيون الأهوار، وأعلن المتظاهرون حينها أن محافظتهم أصبحت خالية من الأحزاب السياسية بعد إحراق مقارها.

المحافظات العراقية التي خرجت فيها مظاهرات

امتدت الاحتجاجات لمحافظة المثنى التي انضمت في اليوم الثاني للتظاهرات، حيث تظاهر المئات أمام مبانٍ حكومية، فيما وضعت القوات الأمنية أطواقًا لحماية مبنى مجلس المحافظة، وإلى مدينة البصرة التي لطالما شهدت احتجاجات كبيرة في الأشهر الماضية، انطلقت تظاهرات وسط المدينة في ظل إجراءات أمنية مشددة وانتشار لقوات مكافحة الشغب، وفي مدينة النجف انطلقت تظاهرات من ساحة ثورة العشرين باتجاه مجلس المحافظة، لكن الشرطة، منعت المتظاهرين من الوصول إلى المجلس، ونظمت مجموعة من النساء احتجاجًا على القمع الذي مورس ضد المتظاهرين.

وبحسب الصحفي العراقي عثمان المختار، فإن الاحتجاجات امتدت إلى ميسان وواسط والقادسية وعاصمتها الديوانية، ويضيف المختار "الشرائح التي خرجت للتظاهر تجمعهم هموم واحدة، ويوجد عامل مشترك بينهم وهو العمر حيث خرج الشباب ما بين عمر الـ18 والـ30 للتظاهر، الأمر الذي جعل الضحايا غالبهم من فئة الشباب"، وهو الأمر الذي منع الحكومة من نعتهم بالبعثيين كما العادة.

قمع وحشي

لم تخل هذه الاحتجاجات من ردٍ أمني قمعي، فقد أشارت الإحصاءات إلى ارتفاع عدد شهداء الحراك إلى 110 أشخاص وآلاف الجرحى، نتيجة استخدام أسلحة متنوعة ضد المتظاهرين، وكما حصل في مدينة الصدر فقد اعترفت القوات الأمنية "باستخدام مفرط للقوة" ضد المحتجين، وفي مؤتمر صحفي عقده المتحدث باسم وزارة الداخلية العراقية اللواء سعد معن، أشار إلى وجود طرف ثالث -لم يسمّه- يقف وراء عمليات قتل المتظاهرين.

في سياق متصل، ظهر اسم جديد على ساحة الاحتجاجات كقوة قمعية وهي "أمنية الحشد"، ويذكر الصحفي عثمان المختار أن هذه القوة "قوة خاصة تابعة لهيئة الحشد الشعبي التي تضم 70 تشكيلاً مسلحًا، يرأسها أبو إيمان البهادري وتشكيلاتها مرتبطة بشكل أو بآخر بإيران".

وعلى الرغم من انقطاع خدمة الإنترنت في العراق خلال الأيام الماضية، انتشرت فيديوهات تبين وحشية التعامل مع المحتجين.

https://twitter.com/thestevennabil/status/1181482570619318272?s=21

من جهتها طالبت منظمة العفو الدولية، السلطات العراقية بالتوقف الفوري عن "استخدام القوة المفرطة والمميتة ضد المتظاهرين، بالأخص في العاصمة بغداد"، وقال بيان للمنظمة الدولية: "يتوجب على السلطات أن تجري تحقيقًا عاجلاً ومستقلاً في مقتل وإصابة المئات من المتظاهرين السلميين. حرية التعبير عن الرأي والتجمع يجب أن تحترم ودون خوف".

https://www.instagram.com/p/B3UjxAHgG9J/

لماذا لم تمتد التظاهرات إلى المناطق السنية؟

يتبين للمتابع في الشأن العراقي أن المناطق العراقية ذات الغالبية السنية، لم تنخرط في هذا الحراك كما فعلت بحراك 2011 الذي حركته، إلا أنها اليوم ونتيجةً للتخوفات من إلصاق تهم "الدعشنة والبعثنة" بها، لم تتجه تلك المناطق إلى التظاهر على الرغم من مأساوية أوضاعها الاقتصادية والخدمية، خاصةً أن بعضها تعرض للتدمير بفعل الحرب مع "داعش".

وبهذا الصدد يذكر الأستاذ الجامعي، علي أغوان، أن هذه المناطق حتى هذه اللحظة "قد تتهم في حال خرجت للاحتجاج بزعزعة الاستقرار في العراق، أو أنها تريد إسقاط النظام السياسي في البلاد"، مضيفًا أن هذه الاتهامات وجهت من قبل لا سيما أن القادة العسكريين والأجهزة الأمنية يلوحون بأن داعش تتربص بالمناطق في حال خرجت للمظاهرات".

من جهته يذكر الصحفي عثمان المختار أن مناطق مثل الفلوجة والموصل وتكريت هي "مدن منهكة وخروجهم للمظاهرات سيعطي مسوغًا لإبادتهم بتهمة داعش"، ويتوقع المختار أنه في حال استمرار المظاهرات ستستمر فقط في بغداد وجنوب العراق.

الاستجابة الحكومية

على إثر الاحتجاجات اتخذت الحكومة العراقية عدة قرارات في محاولة لاحتوائها، وفي بيان لها قالت "القرارات تشمل تشكيل لجنة برئاسة عبد المهدي لتوزيع أراضٍ سكنية على المستحقين"، كما قررت الحكومة "تضمين مشروع قانون الموازنة لعام 2020 تجميد العمل بالقوانين والتعليمات النافذة التي تمنح الحق باستلام الشخص أكثر من راتب أو تقاعد أو منحة وتخييره باستلام أحدها"، كما أقرت توزيع أراضٍ زراعية على خريجي الكليات والمعاهد الزراعية، ومنحهم قروضًا ميسّرة لإقامة مشاريع صغيرة ومتوسطة.

ويرى الصحفي عثمان المختار أن القرارات الحكومية التي صدرت وستصدر إنما هي "إجراءات تخديرية"، ويضيف: "لا يمكن لأي حكومة حتى إذا كانت جادة أن تنفذ مطالب المحتجين قبل 5 سنوات، لأننا نتكلم عن 16 عامًا من البطالة والفقر الذي تجاوز 30% وقضايا الشباب والمخدرات والقضايا المختلفة من فساد وغيره".

من جهته يرى الدكتور علي أغوان أن رئيس الوزراء عادل عبد المهدي حينما وصل للسلطة أطلق برنامجه الإصلاحي الذي يتضمن إصلاح المنظومة الكاملة ومن ضمنها محاربة الفساد، ويضيف أغوان "مضى عام كامل على وجوده ولم يتحقق من برنامجه 5%، بالتالي ما تتحدث عنه الحكومة من حلول في الوقت الحاليّ غير واقعي"، مشيرًا إلى أن "هذا الحال موجود منذ 16 عامًا ولم يتغير شيء، والحكومة تريد أن تكسب وقت وتراهن على تعب المتظاهرين وعودتهم إلى منازلهم".