لا حديث في دوائر الأبحاث الاقتصادية، إلا عن السعي المحموم من الصين وروسيا لتطوير إستراتيجيات تعاون جديدة بين البلدين، وفق ما سمته الصين "اقتصاد الجليد والثلج" لتطويع منطقة القطب الشمالي لمصالح البلدين، قبل اشتداد المنافسة الدولية عليها.

ما اقتصاد الجليد والثلج؟

ظهر المصطلح بقوة خلال المفاوضات الصينية الروسية بالمنتدى الاقتصادي الشرقي 2019 الذي عقد في سبتمبر الماضي، واقترح فيه ممثلو بكين على شركائهم الروس مفهومًا للتعاون بعنوان اقتصاد الجليد والثلج.

تعتمد بكين على الدراسات التي تؤكد أنه بحلول عام 2030، سيصبح المحيط المتجمد الشمالي خاليًا تمامًا من الجليد في أشهر الصيف، ما سيسهل نقل الغاز الطبيعي المسال الروسي

الاقتصاد الجديد حسب التحليل الصيني، لا يركز على صناعات معينة، ولكنه ينطوي على التنمية المتكاملة للمناطق ذات المناخ القاسي ومنطقة القطب الشمالي، وتحدد الصين لنفسها مصالح ثلاث من الاستثمار في هذه المنطقة وهي: استخراج الثروات الباطنية وشراؤها واستخدام الطرق البحرية ومنافسة روسيا على النفوذ في منطقة الشمال.

تعتمد بكين على الدراسات التي تؤكد أنه بحلول عام 2030، سيصبح المحيط المتجمد الشمالي خاليًا تمامًا من الجليد في أشهر الصيف، ما سيسهل نقل الغاز الطبيعي المسال الروسي، وهي هنا تضرب عصافير عدة بحجر واحد، فمن ناحية، تفرض سيطرتها على الغاز الروسي، خاصة أنها أحد أكبر المستوردين للغاز الطبيعي في العالم، وتعزيز الشراكة بين موسكو وبكين في اتجاه مواز، لتكتسب معنى إستراتيجيًا جديدًا.

ويبدو أن الصين استطاعت إقناع بوتين بضرورة الاستفادة من الإمكانات التي ستوفّرها المنطقة القطبية الشمالية، ففي عام 2017، تم نقل 10.7 مليون طن من البضائع عبر الطريق البحري الشمالي، وتتوقع وكالة النقل النهري والبحري الروسي أنه بحلول عام 2030 ستصل الكمية المنقولة إلى 70 مليون طن، بجانب أن القطب الشمالي منطقة غنية بالصيد وموارد الطاقة والتعدين.

وتحلم بكين منذ أن أصبحت ماردًا في الساحة الدولية، بأن تصبح حجر زاوية في الجغرافيا السياسية للعالم، ولن يحدث ذلك إلا ببناء حزام جليدي لطريق الحرير، من أجل الوصول إلى الممرات البحرية ذات الأهمية الإستراتيجية، خاصة أن المنطقة القطبية الشمالية لا تحكمها أي معاهدات دولية تلزم الاستثمار فيها، بعدم الاحتكار، لذا ستسعى بالطبع بالتعاون مع موسكو لوضع إطار دولي يمثّل مصالح البلدين في هذه المنطقة.

حددت الصين رغباتها في المنطقة، بفتح طريق من خلال التعاون مع الدول الأعضاء في المجلس القطبي، وحتى تطمئن القوى الدولية لنواياها، دعت إلى توحيد الجهود مع الدول التي انضمت إلى الخطة العملاقة لإقامة بنية تحتية وبحرية هناك

ويمثل طريق الحرير القطبي شريانًا جديدًا للهيمنة الصينية، وهو ليس سرًا إذ تضمن صفحات ما سمي بالكتاب الأبيض الذي نشرته في يناير من العام الماضي، ودافعت فيه عن حقها في الملاحة نحو هذا المحيط، وفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون الإبحار الذي يكفل حرية الملاحة في تلك المياة الدولية.

كانت الصين تستبق بهذا الكتاب احتمالات اندلاع نزاعات بين القوى الكبرى التي ستحتكم في النهاية إلى القانون الدولي، بمجرد وضع الصين يدها عليه، وحاولت الصين من خلال الكتاب الأبيض، الإيحاء بأنها لا تملك مطالب إقليمية في منطقة القطب الشمالي، ولا تنوي فرض قوتها عليه، وذلك على عكس ما تفعله في منطقة بحر الصين الجنوبي.

حددت الصين رغباتها في المنطقة، بفتح طريق من خلال التعاون مع الدول الأعضاء في المجلس القطبي، وحتى تطمئن القوى الدولية لنواياها، دعت إلى توحيد الجهود مع الدول التي انضمت إلى الخطة العملاقة لإقامة بنية تحتية وبحرية هناك، التي يطلق عليها رسميًا الحزام والطريق الدولي لتسهيل لاتصال والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في منطقة القطب الشمالي.

وتجاهلت الصين كل التوصيات الدولية التي حذرت من اقتحام هذه المنطقة وتشييد المصانع فيها، وعلى رأسها منظمة السلام الأخضر التي أكدت أن أى تدخل بشري في القطب الشمالي سيكون مدمرًا لمستقبل الكوكب،  وكذلك المركز الوطني لبيانات الثلوج والجليد في الولايات المتحدة، الذي كان يدرس الوضع في القطب الشمالي لمدة 39 عامًا، وأعلن في عام 2012 أن الجليد انخفض بنسبة 49% مقارنة بالمعدل المتوسط في العامين الأخيرين من القرن العشرين.

تملك الصين رؤية متكاملة للمنطقة، فبخلاف الطاقة، يهدف التنين الصيني إلى إدخال مفاهيم جديدة في المنطقة القطبية الشمالية، بداية من تشجيع مواطنيها على سياحة الجليد والثلوج

كما حذّر المركز نفسه في يناير الماضي، من أن الجليد قد انخفض إلى أدنى مستوياته، وعلى المنوال نفسه كان الباحثون في وكالة ناسا قد أعلنوا في سبتمبر عام 2017 أن الاحترار تسبب في انخفاض مستوى الثلوج بنسبة 1.3% سنويًا، ومن المتوقع أنه بحلول صيف 2030 أن تكون المنطقة القطبية الشمالية خالية تمامًا من الثلوج.

ولكن كل ذلك لا تهتم به بكين كثيرًا، فهي بالنسبة لها نصائح مثالية، لا تستطيع هذه الجهات إلزام الذئاب الجائعة من القوى الدولية بها، وبالتالي ما يهمها هو حدود رؤى ترامب ومصالحه، وهي تفهم جيدًا أنه لا يدخل هذه المنطقة ضمن اهتماماته، حتى إن زاحمت الولايات المتحدة، وضيقت عليها أي طريق للتربح منها.

لماذا تسعى الصين للاستثمار في الثلج؟

تملك الصين رؤية متكاملة للمنطقة. بخلاف الطاقة، يهدف التنين الصيني إلى إدخال مفاهيم جديدة في المنطقة القطبية الشمالية، بداية من تشجيع مواطنيها على سياحة الجليد والثلوج، ما يمكنها من المنافسة على صناعة معدات الجليد، وتعزيز مستوى صناعة الثلج والجليد في الصين.

وتملك الصين خبرة مناسبة في التعامل مع الثلوج، إذ تتمتع مقاطعة هيلونغجيانغ بموسم طويل من الجليد والثلوج، وهي المقاطعة الأكثر كثافة سكانية في البلاد، لذا تنتشر في  المقاطعة مئات منتجعات التزلج على الجليد.

لجان حزب الشيوعي الصيني، عملت منذ سنوات على دمج الصناعات المرتبطة بالجليد والثلوج في الخطة الشاملة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ودعمتها في السياسات والصناديق والمشروعات

ومنذ سنوات والصين تهتم بتطوير هذه الثقافة، لذا أنشأت 127 مشروعًا سياحيًا، لتوطين ثقافة اقتصاد الجليد في البلاد، وتحويل الثلوج إلى نشاط شامل يدمج السياحة والثقافة والرياضة باستثمارات تزيد على 30 مليون يوان، وحتى ترسخ هذه الثقافة أصبحت تهتم باستمرار التبادلات مع الثقافة والفن في الجليد والثلوج الأجنبية.

لجان الحزب الشيوعي الصيني، عملت منذ سنوات على دمج الصناعات المرتبطة بالجليد والثلوج في الخطة الشاملة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ودعمتها في السياسات والصناديق والمشروعات، بداية من بناء علامات تجارية تنافس عالميًا والتعاون في مجال الموارد وإستراتيجيات التسويق.

وتصدر الصين حاليًّا أزهار الفطر الباردة في جميع أنحاء العالم، وتنظم منتديات التجارة في الجليد، كما تطورالحوسبة السحابية وإستراتيجات توفير الطاقة وتقليل الاستهلاك.

وبهذا التوجه تتخلص الصين من إرث الماضي، حيث كان رجال الأعمال في الماضي، يخافون من الاستثمار في مقاطعة هيلونغجيانغ، وكان هناك حالة من الرفض لبناء المصانع في المنطقة، خوفًا من البرودة، ولكن أصبحت المنطقة والبلاد عمومًا تفتح المجال للاستثمار في نقطة الضعف التي طالما أخافت رجال المال، وأصبح الجليد والثلج نقطة بيع للمقاطعة، ويكفي الإشارة إلى أن مهرجان هيلونغجيانغ ومعرض الأراضي الباردة الذي أقيم خلال مهرجان للجليد والثلوج في العام الماضي حصد مكاسب قدرت بنحو 550 مليون دولار أمريكي.

أين أمريكا من تلاعب الصين بالقطب الشمالي؟

لم تنتظر أمريكا كثيرًا، التي كانت تتابع عن كثب نتائج المفاوضات الصينية الروسية بالمنتدى الاقتصادي الشرقي خلال الشهر الماضي، وخرجت الدوائر المعنية في أمريكا تحذر من تحرك الصين لفرض نفوذها على قارة القطب الجنوبي، بـ"كاسحات الجليد".

تعتبر الولايات المتحدة القطب الشمالي قارة عذراء، ولم تفسر لماذا لم تسع إذن لخطب ودها قبل الصين، التي تركت لأمريكا القطب الجنوبي

تقول أمريكا إن سبب الاهتمام الصيني بمنطقة القطب الجنوبي، سعي محموم للسيطرة على المنطقة القطبية الجنوبية التي تشغل 10% من مساحة الكوكب ولديها احتياطات هائلة من الموارد الطبيعية، بما في ذلك غير المستكشفة، بجانب السعي لاحتلال قارة القطب الجنوبي المعروفة باسم "أنتاركتيكا".

تعتبر الولايات المتحدة القطب الشمالي قارة عذراء، ولم تفسر لماذا لم تسع إذن لخطب ودها قبل الصين التي تركت لأمريكا القطب الجنوبي، حيث تهيمن واشنطن عليه بجانب حلفائها، وتركت المساحة الكافية لقواعدها العلمية التي تحتل حاليًّا المرتبة الثالثة في العالم بعد أمريكا وروسيا، لتوجه المنظار الصيني صوب القطب الشمالي، ويبدو أن أمريكا تناست أن الصين تملك أربع محطات قطبية جنوبية، ويتم بناء المحطة الخامسة الآن، ما يعني أنها تستعد لاقتحام مناطق جديدة في العالم، تستغل فيها هذه القدرات المتزايدة.