توجه بالتخلص من 60% من العاملين بالجهاز الإداري للدولة في مصر

"لدينا مشكلة أساسية تتمثل بالتوظيف في الجهاز الإداري للدولة، ونحن كحكومة نعلم حجم الأعباء المثقلة علينا، فهناك 5 ملايين موظف في الحكومة، ونحن لا نحتاج أكثر من 40% من هذه الطاقة، وبالتالي لا سبيل للضغط على الحكومة من أجل فتح التعيينات"، بتلك التصريحات أثار رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، حالة من الجدل داخل الشارع المصري.

التصريحات التي أدلى بها مدبولي على هامش بيانه الذي ألقاه أمس أمام مجلس النواب (البرلمان) أعادت مجددًا مخاوف الملايين من العاملين بالجهاز الإداري للدولة بشأن مستقبلهم المجهول خشية مواجهة سيناريو التخلي عنهم أو الدفع بهم في وظائف لا قبل لهم بها.

هذه التخوفات ليست وليدة اللحظة، إذ تمت الإشارة إليها قبل ثلاثة أعوام تقريبًا في إطار خطة الحكومة لتقليل النفقات، إلا أنها ظلت في إطار التكهنات حتى تصريحات الأمس، التي يراها البعض بداية حقيقية لحملة التطهير التي تستهدف الملايين من الموظفين خفضًا للأعباء المالية على الدولة.

تزامن هذه التهديدات كما وصفها البعض مع ما أثير بشأن فصل وزارة التربية والتعليم لـ1073 معلمًا من وظائفهم بدعوى انتمائهم لجماعة الإخوان المسلمين، أثار حالة من الارتباك في الشارع، فهل تكون بداية لموجات لاحقة من الإطاحة بموظفين آخرين في ظل لائحة الفصل الفضفاضة التي أقرها قانون الخدمة المدنية الذي تم إقراره قبل عامين؟

سياسة واضحة

رئيس الحكومة المصرية وفي حضور عدد من الوزراء، أوضح في إطار محاولة لتهدئة الرأي العام المحتقن جراء تردي الأوضاع الاقتصادية، أن "المشروعات القومية التي تنفذها الدولة نجحت في توفير 5 ملايين فرصة عمل خلال 5 سنوات، في الوقت الذي تحتاج فيه البلاد من 900 ألف إلى مليون فرصة عمل سنويًا"، مستطردًا: "نزيد سنويًا بين 2.2 مليون و2.5 مليون مواطن، لذا توفر الحكومة نحو مليون فرصة عمل، من خلال مشروعات الطرق وإنشاء المدن الجديدة وشبكات البنية الأساسية ومحطات الغاز".

وأضاف أن الحكومة تضع على رأس أولوياتها ملفي الاستقرار الأمني ودفع عجلة التنمية، بوصفهما الهم الأكبر للحكومة الحاليّة والحكومات التي سبق تشكيلها في عهد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، نظرًا للاضطرابات التي يمرّ بها الوطن، على حد قوله.

الخبير الاقتصادي المصري أحمد مختار، أشار إلى أن هناك توجهًا واضحًا ومعلنًا من الحكومة بالتخلص من نسبة ليست بالقليلة من موظفي الجهاز الإداري، لافتًا إلى أن هناك اعتقاد مسيطر على عقلية الكثير من وزراء الحكومة بأن هؤلاء الموظفين عبء كبير على كاهل الدولة.

الخطة تضمنت عددًا من المحاور، كان على رأسها المحور الذي يهدف إلى التخلص من قرابة 4.5 مليون موظف داخل الجهاز الإداري، بدعوى الاستغناء عن العناصر غير المنتجة

وأرجع مختار في حديثه لـ"نون بوست" هذا التوجه إلى الالتزام بخطة الإصلاح المقدمة من الحكومة لصندوق النقد الدولي للحصول على القرض الأخير، إذ جاء فيها تقليص أعداد العاملين في الحكومة وتخفيف الأعباء المالية قدر الإمكان، "وهو ما تلتزم به حكومتنا حرفيًا" على حد قوله.

كما حذر الخبير الاقتصادي من تصاعد موجة التهديد للموظفين خلال الفترة المقبلة خاصة بعدما أثير بشأن مباحثات جديدة بين الحكومة وصندوق النقد للحصول على قرض آخر، وهو ما يعني ترجمة ما تم طرحه في خطة الإصلاح السابقة إلى إجراءات عملية كشرط أولي قبل بدء الجولة الجديدة من المفاوضات.

خطة ممنهجة

في يونيو 2017 قدمت الحكومة المصرية خطتها للموازنة للعام المالي الجديد 2017-2018 تستهدف زيادة معدل نمو الاقتصاد المصري خلال السنوات الثلاثة القادمة ليصل خلال العام المالي القادم إلى 4.66%، على أن يرتفع في العام المالي 2018/2019 إلى نحو 5.3%، و5.7% خلال العام المالي 2019/2020.

الخطة تضمنت عددًا من المحاور، كان على رأسها المحور الذي يهدف إلى التخلص من قرابة 4.5 مليون موظف داخل الجهاز الإداري، بدعوى الاستغناء عن العناصر غير المنتجة والاكتفاء بالاحتياجات الضرورية فقط من موظفي القطاع العام.

وبحسب التقرير المقدم من لجنة الخطة والموازنة فإن عدد موظفي الحكومة قرابة 6.5 مليون يحتاج منهم الجهاز الإداري نحو مليوني موظف فقط ما يعني أن هناك 4.5 ملايين موظف يشكلون عمالة زائدة وبطالة مقنعة ويجب إعادة النظر فيهم بحسب وصف التقرير.

القانون يسهل فصل الموظف العامل في القطاع الحكومي دون حكم قضائي اعتمادًا على تقرير كفاءة بتقدير ضعيف بالإضافة إلى إمكانية حرمان العامل من بدل الإجازات وإنهاء خدمة المعين

اللجنة طالبت الحكومة بإعادة تأهيل الـ5 ملايين موظف الذين يمثلون عبئًا على المنظومة الإدارية بحيث يتم تحويلهم إلى قوى منتجة وفق بعض الآليات والدورات التدريبية، المهم أن يتخلص الجهاز الإداري للدولة من العناصر الزائدة لديه ومن ثم توفير مليارات الجنيهات كانت تنفق على هؤلاء الموظفين.

كما هدفت الحكومة وفق خطتها المقدمة إلى خفض معدل البطالة ليصل خلال العام المالي 2018 إلى نحو 11%، على أن يتراجع خلال العام المالي 2019/2010 إلى 8.4%، مع العلم أن معدل البطالة وفق الإحصاءات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بلغ قرابة 12% في هذا التوقيت.

اللافت للنظر في التقرير أن مجلس النواب كان قد قدم توصياته بشأن الخطة المقدمة على رأسها مطالبة الحكومة بتوفير 80 مليار جنيه (4.5 مليار دولار) خلال عام، وهو ما أبدت عليه الحكومة موافقتها لكن دون الإشارة إلى كيفية ذلك ولا الآليات المستخدمة للالتزام بتلك التوصيات.

يذكر أن وزارة المالية المصرية في تقرير حديث لها قالت إن الحكومة تتوقع عجزًا إجماليًا قدره 445.1 مليار جنيه مصري (25.76 مليار دولار)، في موازنة السنة المالية 2019-2020 التي تبلغ 1.575 تريليون جنيه، وتتوقع عجزًا للميزانية يبلغ 7.2% من الناتج المحلي الإجمالي، بالمقارنة مع 8.4% في ميزانية 2018-2019.

البرلمان المصري

قانون الخدمة المدنية.. كلمة السر

يعد قانون الخدمة المدنية الذي صادق عليه الرئيس المصري ونشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 16 من مايو 2019 البوابة الأوسع لحملات تطهير جديدة ضد موظفي الدولة، كونه يتضمن بنودًا فضفاضة تسمح للهيئات والمؤسسات ممارسة الفصل التعسفي بأوجه متعددة، وهو ما دفع عشرات الجهات النقابية لرفضه.

القانون يسهل فصل الموظف العامل في القطاع الحكومي دون حكم قضائي اعتمادًا على تقرير كفاءة بتقدير ضعيف بالإضافة إلى إمكانية حرمان العامل من بدل الإجازات وإنهاء خدمة المعين في أول 6 أشهر دون إمكانية التظلم أو الاعتراض.

وزير التخطيط في مناقشته للقانون قال إنه يمثل نظامًا عامًا يسمح بوضع نظام خاص لكل مؤسسة من مؤسسات الدولة بحيث يتم استبقاء العاملين الأكفاء وفق معايير أداء تضعها كل مؤسسة على حدة، بجانب أن القانون من المقرر أنه سينصف الموظف خلال فترة الخدمة وما بعدها، على حد قوله.

سيشمل القانون العاملين في الوزارات والمصالح الحكومية ووحدات الإدارة المحلية والهيئات العامة التي تنظمها لائحة خاصة بالخدمة المدنية التي تبلغ أجور العاملين بها 218 مليار جنيه في موازنة العام المالي الحاليّ.

وكانت قرابة 30 نقابة مهنية وعمالية تمثل آلاف العاملين في القطاع الحكومي، قد نظمت وقفة احتجاجية أمام نقابة الأطباء، رافضين تمريره، رافعة عددًا من الشعارات على رأسها "لا لقانون السخرة المدنية" و"الخدمة المدنية.. باطل".