لم تمض ساعات على بدئها عملية "نبع السلام" شمال شرق سوريا، حتى تلقّت تركيا سيلًا مهولًا من الردود والبيانات على إطلاقها هذه العملية التي تهدف "لإعادة اللاجئين إلى ديارهم وإحلال الأمن والسلام في المنطقة" كما تصفها الحكومة التركية، كونها ستبعد خطر "الوحدات الكردية" عن حدودها.

أطلق الجيش التركي إلى جانب الجيش السوري الوطني، عملية عسكرية في منطقة شرق نهر الفرات، شمالي سوريا للسيطرة على مناطق نفوذ المجموعات الكردية المسلحة، وبدأ الجيشان عملياتهما البرية ليلة الخميس سبقها تمهيد جوي وقصف مدفعي على بعض القطعات العسكرية الموجودة في رأس العين وتل أبيض.

وتمكن الجيشان اليوم، من فرض سيطرتهما على عدة قرى ونقاط عسكرية، فيما حرّروا قرى "طباطين" و"مشرفة العز" و"المشهور" و"المحربلي" و"بئر عاشق" شرق مدينة "تل أبيض"، وقطعت القوات المشاركة في العملية الطريق الواصل بين تل أبيض ورأس العين ناريا، وهو من أهم خطوط إمداد المليشيات الكردية.

إلى ذلك أصدرت العديد من الدول والهيئات بيانات معارضة للعملية العسكرية التركية، واعتبر البعض تدخل أنقرة في شمال سوريا "غزوًا"، فيما سماها البعض بـ"العدوان التركي"، في الوقت الذي سخرت بعض وسائل الإعلام وقتها للهجوم على تركيا من خلال هذه العملية.

من جهته خرج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، اليوم، في خطاب رفض فيه انتقاد البعض لعملية "نبع السلام" في وقت فيه "تسرح وتمرح عشرات القوى الأجنبية داخل الأراضي السورية".

الاعتراضات والردود

من الواضح أن هناك تباين في التصريحات الأمريكية، فتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لم تكن شديدة اللهجة بخصوص العملية ضد على حلفائه الأكراد، ولكنه شدّد أن على تركيا "عدم تجاوز حدودها"، وقال ترامب: "واشنطن لا تؤيد تركيا في عمليتها"، مؤكدًا "التزام تركيا بحماية المدنيين والأقليات الدينية، بمن فيهم المسيحيون، وضمان ألا تقع أزمة إنسانية"، وقال "الولايات المتحدة تتوقع من أنقرة الالتزام بجميع مسؤولياتها، وإنها تواصل مراقبة الوضع عن كثب".

إلا أن أعضاءً في الكونغرس أعربوا عن معارضتهم الشديدة للتحرك التركي، حيث قال السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام: "هناك معارضة قوية من الحزبين في الكونغرس للهجوم التركي، ويجب أن تعتبروها خطًا أحمر"، وحث الرئيس ترامب على تغيير توجهه قائلاً: "ما زال لدينا وقت للعودة إلى المفهوم السابق للمنطقة الآمنة في سوريا".

يأتي هجوم الكونغرس الأمريكي الشديد على عملية تركيا العسكرية، بعد دعم مطلق للوحدات الكردية واعتبارهم الحلفاء الأقرب في سوريا، خاصة أن واشنطن اعتمدت على المقاتلين الأكراد في الحرب ضد "داعش"، بالإضافة إلى وجودهم في بقعة مهمة من الجغرافيا السورية المليئة بالنفط والثروات، كما أن الأكراد لم يجدوا حماية كالتي حصلوا عليها في ظل الوجود الأمريكي في هذه المنطقة، ولم يجدوا دعمًا كالدعم الذي تلقوه وبالمليارات لوجستيًا وعسكريًا وسياسيًا من واشنطن.

رئيس مجلس الشورى الإسلامي علي لاريجاني ألغى زيارة مقررة لتركيا بعد بدء العملية التركية في شمال شرق سوريا

وكما العادة فإن تصريحات الأمم المتحدة على ما يحصل في سوريا تقتصر على الدعوة من أجل تنفيذ قرارات مجلس الأمن، حيث قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في تعليقه على العملية: "لا يوجد حل عسكري للصراع في سوريا، والحل المستدام الوحيد يتمثل في عملية سياسية تتولى الأمم المتحدة تيسيرها عملًا بقرار مجلس الأمن رقم 2254 (لعام 2015)".

من جهتها دعت روسيا وعلى لسان فلاديمير شامانوف رئيس لجنة الدفاع في مجلس الدوما "الدول الكبرى إلى التفاوض بشأن الملف الكردي في شمالي سوريا"، مضيفًا "نتفهم دوافع تركيا لتحقيق الأمن على حدودها، لكن يجب عدم تجاهل مصالح الأكراد".

وفي سياق متصل ذكر التليفزيون الإيراني أن رئيس مجلس الشورى الإسلامي علي لاريجاني ألغى زيارة مقررة لتركيا بعد بدء العملية التركية في شمال شرق سوريا، وكانت طهران قد أعربت عن "تفهمها المخاوف التركية"، لكنها شددت على "ضرورة أن تنسّق أنقرة مع النظام في دمشق".

بطلب من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وبولندا، سيعقد مجلس الأمن الدولي جلسة مغلقة بشأن سوريا والعملية التركية الجارية في شرق الفرات

أوروبا متخوفة

في بيان للاتحاد الأوروبي أبدى الاتحاد تخوفه وإدانته للعملية وذكر :"لا يمكن تحقيق أي حل مستدام للأزمة السورية عسكريًا"، داعيًا تركيا "إلى وقف الأعمال العسكرية أحادية الجانب"، وأضاف البيان "استئناف الأعمال القتالية المسلحة شمال شرق البلاد سيقوض استقرار المنطقة كلها، ويزيد من معاناة المدنيين ويتسبب في موجات نزوح جديدة، كما سيعقد آفاق العملية السياسية برعاية الأمم المتحدة لتحقيق السلام في سوريا".

قال جان إيف لو دريان وزير الخارجية الفرنسية إنه يندد بهجوم القوات التركية وحلفائها من المعارضة السورية على شمال شرق سوريا، مضيفًا "الهجوم يهدد الجهود الأمنية والإنسانية للتحالف في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية ويشكل خطرًا على أمن الأوروبيين ويتعين وقفه".

من جهته قال وزير الخارجية الألماني هايكو: "العملية ستؤدي إلى مزيد من الاضطراب في المنطقة وستعزز تنظيم الدولة الإسلامية"، ورأى رئيس الوزراء الإيطالي جوسيبي كونتي أن العملية تهدد بزعزعة استقرار المنطقة وإلحاق الضرر بالمدنيين، إلى ذلك، وبطلب من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وبولندا، سيعقد مجلس الأمن الدولي جلسة مغلقة بشأن سوريا والعملية التركية الجارية في شرق الفرات اليوم الخميس.

وفي هذا الصدد، ردّا على التصريحات الأروبية، هدد أردوغان في خطاب ألقاه اليوم الخميس، بأن يستطيع فتح أبواب أوروبا أمام ملايين اللاجئين. وقال "أيها الاتحاد الأوروبي، أقولها مرة جديدة: إذا حاولتم تقديم عمليتنا على أنها اجتياح، فسنفتح الأبواب ونرسل لكم 3.6 ملايين مهاجر".

يأتي هذا التحرك الأوروبي بعد سنوات من دعمهم للوحدات الكردية، مع وجود قوات فرنسية خاصة تقاتل إلى جانبهم، مع الدعم اللوجستي والسياسي المقدم، وكانت الصورة قد أظهرت مشاركة القوات الفرنسية بمعارك ضد "داعش" في تلك المنطقة، ودأبت باريس على بناء قاعدة لها كي يظل لها موطئ قدم في تلك المنطقة.

https://www.instagram.com/p/B3cFpYnHMnp/

استنفار عربي!

في موقفٍ لافت ومثير للاستغراب أدانت الرياض ما وصفته بـ "العدوان التركي على الأراضي السورية"، وأعرب بيان للخارجية السعودية عن "قلق المملكة من عملية تمثل تهديدًا للأمن والسلم الإقليمي". الجدير بالذكر أنه ومنذ بدأت العلاقات التركية السعودية تسوء، أصبحت الرياض تتجه أكثر فأكثر لدعم الميلشيات الكردية على سبيل المكايدة السياسية مع أنقرة، خصوصًا بعد زيارة وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي ثامر السبهان في يونيو الماضي ولقائه مع المليشيات في حقل العمر النفطي بدير الزور، وناقش الاجتماع بين الطرفين آلية مكافحة تنظيم "داعش" وضمان عدم عودته، إضافة إلى دعم المجلس المدني في المحافظة، وتقديم الخدمات لمنطقة شرق الفرات.

من جهته رد أردوغان على التصريحات السعودية قائلًا إن "من يقتل آلاف اليمنيين لا يحق له أن يندد بالعملية التركية في سوريا". كما ورت تصريحات على لسان وزير خارجيتها جاويش أوغلو على السعودية بقوله: "لقد قتلتم الكثير من الناس في اليمن وتركتم أشخاصًا جياعًا والآن بأي وجه تعارضون عملية نبع السلام"، لافتًا إلى أنه ومن خلال العملية "سيتم تطهير المنطقة من الإرهابيين، وضمان وحدة حدود وتراب سوريا وعودة المهجرين إلى أراضيهم، وتأسيس السلام والاستقرار في المنطقة".

وأعلنت السعودية آواخر العام المنصرم، تقديمها مبلغ 100 مليون دولار للمناطق في إشارة واضحة إلى المناطق المحكومة بقبضة الوحدات الكردية، مبررةً تلك المنحة بأنها "ستسهم في إنقاذ الأرواح والمساعدة على تسهيل عودة النازحين السوريين، وضمان عدم عودة داعش لتهديد سوريا أو جيرانها، أو التخطيط لشن هجمات ضد المجتمع الدولي".

أدانت مصر العملية، مضيفة أن الهجوم "يمثل اعتداءً صارخًا غير مقبول على سيادة دولة عربية شقيقة"، كذلك فعل الأردن والكويت والجزائر ولبنان والعراق

وإلى جانب الرياض وكما العادة في كل بيان، فإن دولًا كالبحرين والإمارات لحقت بها وأصدرت تصريحات مماثلة، فقد أعلنت أبو ظبي إدانتها "بأشد العبارات العدوان العسكري التركي على سوريا"، وقال بيان لوزارة الخارجية الإماراتية: "هذا العدوان يمثل تطورًا خطيرًا واعتداءً صارخًا غير مقبول على سيادة دولة عربية شقيقة بما يتنافى مع قواعد القانون الدولي، ويمثل تدخلًا صارخًا في الشأن العربي".

وكان صحف قد كشفت أواخر 2018، إرسال كلّ من السعودية والإمارات قوات عسكرية نحو مناطق سيطرة التنظيمات الكردية، وذكرت الصحف حينها أن هذه القوات انتشرت في مناطق سيطرة التنظيمات الكردية تحت غطاء القوات الأمريكية.

من جهتها نددت وزارة الخارجية البحرينية بالعملية، مطالبةً مجلس الأمن "بالإسراع في الاضطلاع بمسؤوليّاته في التصدي لهذا الهجوم"، كذلك أدانت مصر العملية، مضيفة أن الهجوم "يمثل اعتداءً صارخًا غير مقبول على سيادة دولة عربية شقيقة"، كذلك فعل الأردن والكويت والجزائر ولبنان والعراق.

رداً على مصر قال أردوغان في خطابه، إنه "لا يمكن للحكومة المصرية أن تتحدث عن الديمقراطية وهي تغتال الديمقراطية".

مع كل المخاوف من العملية العسكرية القائمة، يتساءل السوري اليوم: لماذا لم تصدر كل هذه الإدانات لروسيا وإيران في عملياتها العسكرية التي راح ضحيتها آلاف القتلى والجرحى وتدمير مدن بأكملها؟

استهداف إعلامي 

سخّرت بعض الدول أذرعها الإعلامية لمهاجمة تركيا وعمليتها العسكرية، حيث طفت على السطح منذ بداية العملية قنوات مثل قناة سكاي نيوز والعربية التي أفردت تغطية ضد العمليات، فأوردت قناة سكاي نيوز خبرًا أثار استياء السوريين أنفسهم الذين قالوا عن الخبر إنه "كاذب"، ويقول: "الجيش السوري الحر يدعو مسلحيه إلى استخدام أقصى درجات العنف ضد الأكراد".

من جهتها نفت منصة "تأكد"، صدور هكذا دعوات من قوات المعارضة، وقالت: "لم تصدر دعوات مماثلة من فصائل المعارضة التي تشارك الجيش التركي في عملية عسكرية، تستهدف مناطق تسيطر عليها (قوات سوريا الديمقراطية) بريفي الرقة والحسكة قرب الحدود مع تركيا".

ردود سورية متباينة

قبل انتقاد العملية أو تأييدها، فإن الكثير من السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي هاجموا الدول التي تندد بالهجوم على الوحدات الكردية، يقول الناشط السوري وائل عبد العزيز في تغريدة له على تويتر: "السعودية والإمارات ومصر والبحرين تدين معركة نبع السلام! بينما أيدوا الاحتلال الروسي ومجازره بحق السوريين ودعمه للنظام الأسدي". 

من جهته يرى الكاتب والباحث فراس أبو هلال: "في النقاش بين الإدانة والتأييد للعملية التركية في سوريا تسيطر المكايدة السياسية ويغيب التفكير والتحليل العقلاني"، مضيفًا "خلف دخان المكايدة الكثيف، تختفي حقيقة أن كل ما يحدث في سوريا يتحمل مسؤوليته تعامل النظام الدموي مع الثورة السلمية، وانهيار منظومة العمل العربي".

من جهته يرى الباحث والمؤرخ بشير نافع أن "مشكلة القوى الغربية الرئيسة مع أنقرة لا تتعلق بالتعاطف مع الأكراد والانتصار لمليشيات كردية، ولا التعب من أردوغان وصعوبة التعامل معه، المشكلة تتعلق بالصعود التركي وخشية البعض من تجاوز أي من دول المشرق سقف القوة الإقليمي المسموح به".

إلى ذك، فإنه ومع كل المخاوف من العملية العسكرية القائمة، يتساءل السوري اليوم: "لماذا لم تصدر كل هذه الإدانات لروسيا وإيران في عملياتها العسكرية التي راح ضحيتها آلاف القتلى والجرحى وتدمير مدن بأكملها؟ ولماذا لم تحل الدول العربية ضيفًا على سوريا لحماية عروبتها التي يخافون عليها كـ"دولة شقيقة"؟، إلا أن غيابهم فتح مجالًا لحضور غيرهم من الدول".