في أنحاء أوروبا، يتداول البعض المثل القائل: "أنت تدخن مثل تركي" أي مثل المِدخنة، في إشارة إلى شراهة الشعب التركي في التدخين والتصاقهم الشديد بهذه العادة. يُعتقد أن هذه المقولة تعود إلى القرن السابع عشر زمن الإمبراطورية العثمانية، وتحديدًا في عهد السلطان مراد الرابع الذي حكم البلاد آنذاك. وخلال ذلك الوقت،كان الناس يجتمعون للحديث عن السياسة، حيث لازمتهم السيجارة خلال هذه الجلسات وهو ما دفع السلطان مراد لحظرها، منعًا لهذه التجمعات التي كان يظن بأنها تحرض على طريقته في الحكم وقد تؤدي إلى ثورة احتجاجية ضده وتطيح به.

ورغم أنه كان يصدر أوامر بإعدام من يخترقون قانون حظر التدخين في المقاهي والأماكن العامة، إلا أن محاولاته الحازمة باءت بالفشل واستمرت عادة التدخين في اكتساب شعبية واسعة بين الأتراك، ولا سيما مع تغير الخطاب الديني حيال مسألة التدخين واعتباره فعلًا مكروهًا بدلًا من تحريمه بشكل قاطع كما جرى في السابق.

ولذلك انكب الشعب التركي على هذه العادة وبات التدخين جزءًا من ثقافته المحلية، لكن هذا الحال الذي دام لعقود طويلة على أنه مقبول لم يعد كذلك، على الأقل من ناحية القانون التركي. إذ سعت ولا زالت الحكومات التركية في عهد الجمهورية تسعى لتغيير الواقع من خلال تبني إجراءات رادعة للتخلص من ظاهرة التدخين، ولا سيما خلال سنوات حكم حزب العدالة والتنمية الذي اعتبر مكافحة منتجات التبغ بشكل عام أشبه بمكافحة الإرهاب.

جهود دفعت منظمة الصحة العالمية للإشادة بجهود الحكومة لمكافحة التدخين عبر اتخاذ خطوات عملية. قائلت المنظمة: "أصبحت تركيا نموذجًا للالتزام السياسي والرغبة في التخلص من منتجات التبغ وحماية المواطنين من هذا العقار السام. لقد كان هدفها التحرر من هذه العادة ونجحت في تحقيق ذلك رغم جميع التحديات".

تاريخ حظر التدخين في تركيا

بدأ الجدل حول حظر التدخين في تركيا بسبب أضراره على الصحة في الأربعينيات من القرن الماضي، حيث حُظر التدخين في وسائل النقل العام، مثل الترام واي والسفن عام 1943، ومع ذلك، كتبت صحف في تلك الفترة أن هذا الحظر لم ينجح، حيث استمر الركاب في التدخين وكانت أعدادهم في ازدياد متواصل.

لكن، بعد عقدين من الزمن تقريبًا عادت الحكومة ومددت الحظر إلى المواصلات الأخرى مثل الباصات، من أجل حماية حق غير المدخنين في حياة صحية، كما تبعه اقتراحات وحملات تجارية أخرى. على سبيل المثال، عام 1987 أعلنت شركات كبيرة مثل "ألاركو" ومجموعة "بيونير" عن قيادتها حملات ضد التدخين، حيث بدأت بنفسها كنموذج للمتاجر والمصانع التي لا تسمح بالتدخين داخل مرافقها. وتدريجيًا، لوحظ أن حملات مكافحة التدخين زادت في المراكز التجارية والسياسية.

مثال آخر يتضح في شركة الخطوط الجوية التركية (THY) التي منعت التدخين على متن رحلاتها الجوية المحلية والدولية التي تقل مدتها عن 6 ساعات، رغم الانتقادات التي تعرضت لها بسبب ارتفاع عدد المدخنين في غرفة المرحاض وازدياد التخوفات من خطر نشوب حريق في الطائرة، إلا أن الشركة أجرت دراسة استقصائية للحظر وقررت الاستمرار بموقفها وتوسيعه ليشمل جميع الرحلات الداخلية والخارجية.

كما كان وزير الصحة السابق، بولنت أكارجالي، واحد من أهم الشخصيات التي شنّت حربًا ضد السجائر في فترة الثمانينات، فلقد سعى إلى إلصاق شعار حملته "وداعًا للتدخين، أهلًا بالحياة" على مختلف الكتيبات والمجلات والصحف لتوعية الجمهور القارئ بآثاره على الصحة. وقف السياسي والوزير، عدنان قهوجي، في صف أكارجالي وأكد مرارًا للوسائل الإعلامية ضرورة اتخاذ تدابير صارمة -مشابهة لتلك في الدول الاسكندنافية- لتقليل استهلاك السجائر في الأماكن المزدحمة مع "عدم انتهاك حرية المدخنين" في الوقت نفسه.

عام 1989، تحوّلت هذه الحملات والمواقف السياسية إلى مشروع حكومي، حيث منعت السلطات التدخين في المؤسسات التعليمية والصحية، وحظرت الإعلانات وفرضت غرامات مالية على من لا ينصاع للقواعد الجديدة، أمرت كذلك بتضمين العبارة القائلة "التدخين ضار بالصحة" على عبوات السجائر ومنتجات التبغ الأخرى. تم قبول مشروع القانون في أواخر عام 1990، وتم إرساله إلى الرئيس تورجوت أوزال آنذاك للموافقة عليه لكنه اعترض على المقترح على اعتبار أنه "يمكن للناس أن يقرروا بحرية ما هو مهم".

لكن بعد 5 سنوات من الاعتراض، فُرض القانون ودخل حيز التنفيذ بعد أن أضيف إليه بند آخر يُلزم بعدم بيع السجائر للأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 18 عامًا. وبالنسبة لتاريخ حظر التدخين في تركيا، يعد هذا القانون من أكثر القيود صرامةً، ولكن الحرب الحقيقية بدأت بالفعل في فترة الألفينات.

جهود سياسية وقانونية

في أوائل عام 2000، نظّم المجلس الاستشاري الوطني للسرطان ورابطة مكافحة السجائر حملات لخفض مشاهد التدخين في المسلسلات التلفزيونية وعرض الأمر على المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون (RTÜK)، لكن القرار لم يتم تنفيذه إلا في عام 2008، وكان ينص على منع إظهار المشاهد التي تبين أشخاصًا وهم يدخنون. رغم الرقابة المتشددة التي فرضها المجلس، إلا أن بعض القنوات التلفزيونية التركية عرضت مسلسلات ومشاهد من هذا القبيل، مثل مسلسل "ماد مين" الأمريكي و"تينتين" الكرتوني البلجيكي، وعليه تم إيقاف هذه العروض ومعاقبة المسؤولين بغرامات مالية وصلت إلى أكثر من 3 آلاف دولار.

لحق هذا القانون، خطة لتوسيع نطاق حيز الحظر، حيث شمل الأماكن العامة مثل الدوائر الرسمية والحانات والنوادي والمطاعم والمقاهي والفنادق، وكذلك في الأماكن المغلقة مثل مراكز التسوق والعمل وصالات الرياضة وغرف الانتظار والمؤسسات الثقافية والاجتماعية.

وبحسب إحصائيات تلك الفترة، كانت تركيا تعتبر ثامن أكبر سوق للسجائر في العالم، حيث يدخن أكثر من 60% من الذكور البالغين، وفي نفس الخصوص، كشفت حينها منظمة الصحة العالمية أن 80% من الوفيات المرتبطة بالتدخين ستقع في الدول النامية وعلى رأسها تركيا التي تشهد ارتفاع مستمر بمعدل استهلاك السجائر بين 1 و1.5% سنويًا، لكن وفقًا لتقارير وسائل الإعلام خلال عام 2009، أقلع 141 ألف تركي عن التدخين، ما أدى إلى خفض استهلاك السجائر بنسبة 5%، بواقع 13 مليار سيجارة في تلك السنة.

كما صرحت الحكومة بأن 33% من أصحاب تلك المحلات و25% من الزبائن ذكروا أنهم خفضوا من عدد السجائر التي يدخنونها، إذ شهدت تلك الفترة أيضًا دعم مباشر من الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان الذي استضاف 250 شخصًا ممن تركوا عادة التدخين، وقال وقتها كلمته الشهيرة: "ليس لديك الحرية في الانتحار، لذلك ليس لديك حرية تعريض نفسك للأمراض المزمنة... يجب على الدولة حماية مواطنيها من التبغ والكحول والمخدرات، تمامًا كما هي ملزمة بحمايتهم من جرائم السرقة والإرهاب".

 كشفت دراسة أجريت في عام 2016 أنه على الرغم من الانخفاض النسبي في نسب التدخين إلا أن معدلات استهلاك السجائر تشبه تلك التي تعود إلى عام 2008، أي إلى الوقت الذي كان يصل فيه عدد المدخنين إلى 22 مليون شخص

 فوفقًا لبيانات منظمة الصحة في عام 2005، كان معدل استخدام منتجات التبغ في تركيا للذكور فوق سن 15 عامًا يبلغ نحو 51.5% و16.7% للإناث، ولكن بحلول عام 2015 هبطت هذه المعدلات إلى 39.5% و 12.4% على التوالي، حيث احتلت تركيا المرتبة 49 مع معدل التدخين الإجمالي 39.5%. كما قدرت المنظمة أنه بحلول عام 2025، ستنخفض هذه المعدلات إلى 30.7% و 9.2%.

لكن بخلاف ذلك، كشفت دراسة أجريت في عام 2016 أنه على الرغم من الانخفاض النسبي في نسب التدخين إلا أن معدلات استهلاك السجائر تشبه تلك التي تعود إلى عام 2008، أي إلى الوقت الذي كان يصل فيه عدد المدخنين إلى 22 مليون شخص وهو رقم هائل نظرًا لجميع القوانين التي فرضت منذ ذاك الحين، وخصوصًا مع تأكيد اللجنة الوطنية للتدخين والصحة (SSUK) أن حظر التدخين في إسطنبول بلغ 50% من الأماكن العامة والخاصة.

في هذا الجانب، أظهرت تقديرات رسمية عام 2016، أن قيمة ما أنفقه الأتراك على تدخين التبغ بين 2006 و 2016 بلغت 257 مليار ليرة تركية؛ (قرابة 89 مليار دولار أمريكي)، مشيرةً أنها "تكفي لبناء 10 محطات نووية"، أي ما يوازي إنجاز قيمة 6 مشاريع مماثلة لـ"مشروع تنمية جنوب شرق الأناضول"، والذي يُعرف اختصاراً باسم "GAP"، ويهدف إلى توسيع الرقعة الزراعية وتوليد الكهرباء عبر بناء 21 سدًا ونفقًا على نهري دجلة والفرات.

تراجع عدد المدن التركية المنتجة للتبغ من 40 إلى أقل من 30 ولاية، كما انخفضت مساحة الأراضي المنتجة بأكثر من النصف، من مليونين في عام 2001 إلى 922 ألفًا في عام 2016.

وبالنسبة للإنتاج فقد زاد بنسبة 2.4% عام 2016 مقارنة بسنة 2015 مع ارتفاع 5.7% لصادرات التبغ في نفس الفترة، حيث حققت الصادرات في 2016 أكثر من 506 ملايين دولار، في الأعوام الخمس الأخيرة، كما صدرت تركيا أكثر من 212 مليون سيجارة بقيمة عائدات تجاوزت 2 مليار دولار.

ورغم انخفاض الإنتاج إلا أن الواردات زادت في المقابل، حيث بلغت نسبة الإنتاج المحلي في عام 2003 42% والبقية كانت من حصة التبغ المستورد. أما في عام 2016، أنتجت الشركات المحلية 13.3% فقط من التبغ وبلغت كمية الاستيراد 86.7%. يذكر أيضًا تراجع عدد المدن التركية المنتجة للتبغ من 40 إلى أقل من 30 ولاية، كما انخفضت مساحة الأراضي المنتجة بأكثر من النصف، من مليونين في عام 2001 إلى 922 ألفًا في عام 2016.

التدخين بلغة الأرقام ما بين عام 2008 و2017

طبقًا لبيانات حكومية، تم استهلاك 1 تريليون سيجارة بقيمة 328.8 مليار ليرة تركية (حوالي 154.1 مليار دولار ، 86 مليار دولار بالمعدلات الحالية) في تركيا على مدار العقد الماضي. مشيرةً إلى ارتفاع الإنفاق على استهلاك السجائر في البلاد في الأعوام ما بين 2008 و2017، حسبما أفادت مصادر في وزارة الأغذية والزراعة والثروة الحيوانية في تركيا لوكالة الأناضول.

وذكرت أن الاستهلاك انخفض قليلًا، لكن الإنفاق ظل في ارتفاع مستمر، ويرجع ذلك أساسًا إلى زيادة الضرائب على منتجات التبغ. ففي عام 2017، تم إنفاق 55.9 مليار ليرة (حوالي 15.3 مليار دولار) على أكثر من 106 مليارات سيجارة، بينما شهد عام 2008 نحو 18.3 مليار ليرة (حوالي 14.1 مليار دولار) تم إنفاقها على ما يقرب من 108 مليار سيجارة. وتتوزع نسب الاستهلاك بين الأطباء بنسبة 44%، و51% للمعلمين، والصحفيون بنسبة 64%.

شهدت هذه الفترة أيضًا سلسلة من إجراءات التي اعتمدتها الحكومة لمحاصرة المدخنين وتضييق الخناق عليهم، فلقد رفعت الضريبة على منتجات التبغ بشكل سنوي، ومنعت التدخين على بعد مسافة 10 أمتار من بوابات المؤسسات التعليمية والمطارات ومحطات الحافلات ومراكز التسوق وصالات السينما والمسارح والمراكز الصحية. كما حظرت بيع منتجاتها في نقاط البيع على بعد 500 متر من المدارس والسكنات الطلابية.

إجازات لغير المدخنين 

جدير بالذكر، أن الحكومة لم تتبع أساليب ترهيبية وعقابية فقط من أجل خفض الاستهلاك، بل أدرجت برامج ومكافئات للأشخاص المقلعين عن التدخين، وكان من أبرزها حملة "أطفئ سيجارتك وخذ وردتك" التي أطلقتها وزارة الصحة عام 2017، وتواصلت بشكل مباشر مع مليون ونصف مليون مدخن يريدون ترك التدخين، ووزعت أكثر من 400 ألف علبة مجاناً من الأدوية لمساعدتهم على ترك التدخين.

حظرت الحكومة التدخين في سيارات الأجرة والسيارات الشخصية، كما أعلنت عن عزمها في تغريم من يرمي أعقاب السجائر في الشارع

كما أصدرت لائحة قانونية تقضي بتقديم خدمات صحية مجانية أو تخفيضات على الخدمات الصحية للراغبين في الإقلاع عن التدخين، سواء كان لديهم تأمين صحي أم لا. يضاف إلى إجراءات تحفيزية أخرى مثل تفضيل المرشحين غير المدخنين للوظائف الحكومية على المدخنين ومنح غير المدخنين عطلة إضافية لمدة 7 أيام سنويًا، وتقليل ساعات دوامهم اليومي نصف ساعة، لكم لم يجري تطبيقها بعد.

مؤخرًا، حظرت الحكومة التدخين في سيارات الأجرة والسيارات الشخصية، كما أعلنت عن عزمها في تغريم من يرمي أعقاب السجائر في الشارع. أما فيما يخص الأماكن العامة، فلقد وسعت حيز الحظر إلى مساحات أكبر، وشملت المقاهي والمطاعم التي لديها حائط زجاجي شفاف والأماكن التي يرتادها الأطفال مثل ممرات المشي ومحيط الآلات الرياضية في الحدائق. إلى جانب هذه الإضافات، تجري حاليًا تعديل على غلاف عبوات السجائر، إذ تعمل على تصنيع حزم سجائر موحدة ووضعها في خزائن مغلقة.

يذكر بالنهاية أن محاولات تركيا في مكافحة التدخين مدفوعة بأسباب اقتصادية مثل رغبة الحكومة في تقليل التكلفة الإجمالية للمشاكل الصحية المرتبطة بهذه العادة، إذ تقدّر نسبتها بما يصل إلى 69.7 مليار ليرة، أي ما يعادل 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي. ولا شك أن إصرارها على درء هذا الخطر الصحي يأتي من اهتمام أردوغان في هذه المسألة وحرصه على التقليل من أعداد المدخنين بين مواطنيه، ولذلك منحته منظمة الصحة عام 2012 الجائزة العالمية لمكافحة التدخين، تقديرًا لجهوده.