أسفرت الاحتجاجات الشعبية الأخيرة في العراق عن هزات كبيرة للطبقة السياسية، شعرت بارتداداتها دول إقليمية تدعم النظام الحاليّ، وأخرى ترى فيه أساسًا لكل مشاكل البلاد وامتدادًا لأزماتها، وتحث خطاها سرًا لتغييره. وعلى الرغم من التأثير الكبير للتظاهرات الشبابية الأخيرة فإنها ليست الأولى منذ تشكيل الحكومة الجديدة.

في الـ25 من أكتوبر/تشرين الأول من هذا العام يُتِم رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي عامه الأول في السلطة، ومن أهم القضايا التي رافقت تسلمه السلطة تبرز حركة الاحتجاجات الشعبية.

يستعرض "نون بوست" في هذا التقرير التظاهرات في العراق خلال عام من تسلم عبد المهدي السلطة.

احتجاجات البصريين.. التحدي الأول

"باسم الدين سرقونا الحرامية"، النشيد الذي تردد على ألسنة المتظاهرين، وعلى وقع أنغامه ثارت الاحتجاجات العارمة في البصرة التي على إثرها تسلم عبد المهدي السلطة من رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، إذ شهدت عاصمة العراق الاقتصادية، في الأشهر الأخيرة من عام 2018، تظاهرات وأعمال عنف سقط فيها 12 قتيلاً، كما أدت إلى إحراق مؤسسات حكومية في المدينة التي يسكنها 3 ملايين نسمة.

البصرة.. احتجاجات موسمية

انتفضت المدينة النفطية مرة أخرى أمام فشل عبد المهدي في العثور على حلول ناجعة وكلمات قادرة على امتصاص غضب البصريين، واختبار حقيقي تعين على عبد المهدي وحكومته الجديدة خوضه في قضية توفير الخدمات، إذ خرج البصريون طلبًا للإصلاح في احتجاجات موسمية ضد الفساد والبطالة وتراجع جودة الخدمات العامة.

ومع لهيب يوليو/تموز الماضي، أي بعد نحو 8 أشهر من تسلم عبد المهدي السلطة، نشبت الاحتجاجات الشعبية في البصرة، لتمتد إلى مدن جنوبية أخرى، في سيناريو مشابه للاحتجاجات التي تشهدها المدينة في كل عام نتيجة انقطاع التيار الكهربائي فيها مع ما تشهده من ارتفاع جسيم في درجات الحرارة.

كارثة صحية.. وإيرانية

تتوالى المآسي على بلد لا يعرف إلى الاستقرار طريقًا، فها هي شرارة الاحتجاجات البصرية عام 2018 تأتي إثر أزمة صحية حادة بسبب تلوث مياه الشرب نتيجة إهمال السلطات العراقية، ما أدى إلى وقوع أكثر من مئة ألف حالة تسمم جراء شرب مياه ملوثة ومالحة.

ولا يمكن الحديث عن الاحتجاجات في البصرة من دون الإشارة إلى حرق السفارة الإيرانية من المتظاهرين في المدينة، احتجاجًا على تدخل طهران في الشأن العراقي.

للسفارة البحرينية نصيب من الاحتجاجات!

لم تكن السفارة الإيرانية الوحيدة التي احترقت إثر الاحتجاجات في العراق، فقد كان للسفارة البحرينية في العاصمة بغداد كذلك نصيب منها، حين تعرضت لسيناريو مشابه لما حدث في البصرة، بعد أن اقتحم نحو مئتي متظاهر مقر السفارة البحرينية احتجاجًا على ورشة المنامة أو ما تعرف بـ"صفقة القرن" ورفعوا العلم الفلسطيني، لكن جهات سياسية عراقية تتهم بعض التيارات المحسوبة على إيران بافتعال الحادثة خدمة لحسابات سياسية مغايرة.

المهن الطبية تشكو الآلام!

"ذوو المهن الطبية" الإنسانية يشكون انعدام الاهتمام الإنساني بهم في العراق، إذ برزت مظاهرات حاشدة نظمتها كوادرها في السنة الأولى من حكم عبد المهدي، في عدد من المحافظات العراقية للمطالبة باحتساب مخصصات الخطورة البالغة 100% بالإضافة إلى رفع التسكين عن الدرجات الوظيفية.

بلغت هذه الانتفاضة ذروتها حين هددت الملاكات الصحية بتحويل مظاهراتهم إلى إضراب عام يشمل محافظات العراق كافة، إذا لم تستجب الحكومةُ العراقية لمطالبهم، لكن السلطات العراقية تعاملت معها وفق ما تشتهي هي لا وفق ما يريدون، من دون أن تعي خطورة تنفيذ الإضراب على وضع المستشفيات والمرضى والواقع الصحي في العراق بشكل عام.

الخريجون يمتطون صهوة الاحتجاجات

منظر قد لا يُرى في غير العراق، حيث يفترش الآلاف من حملة الشهادات العليا والخريجين من مختلف الاختصاصات الأرض أمام مباني الوزارات العراقية والمؤسسات الحكومية في العاصمة بغداد على مدار الأشهر الماضية، معتصمين على مرأى ومسمع من المسؤولين، بحثًا عن التعيين وانتظارًا لإطلاق درجات التعيين المتوقفة منذ سنوات.

إهمال السلطات لهذه الشريحة المهمة لم يكن خيار الحكومة الوحيد للتعامل معهم، إذ فرقت قوة "مكافحة الشغب" في نهاية شهر سبتمبر/أيلول الماضي بالقوة وخراطيم المياه اعتصامًا للخريجين أمام مقر رئاسة الوزراء.

وتوالت ردود الفعل السياسية المنددة بحادثة القمع التي لم تخرج من دائرة الدعاية الانتخابية، من دون أن تتضمن حلولاً لآفة البطالة التي تفتك بالشباب العراقي، ليعلن بعد ذلك رئيس الوزراء لقاءه مع ممثلين عن اعتصامات الخريجين.

"استمعنا إلى مقترحات الخريجين ومطالبهم، ووعدنا بحلها في وقت قصير وبأسرع وقت ممكن"، بهذه الكلمات حاول رئيس الوزراء امتصاص غضب الخريجين ليؤكد لهم أيضًا في بيان مطول أن "واجب الدولة أن تجد العمل لأبنائها، وهو حق لهم، كما أن برنامجنا الحكومي ينص على ذلك ونحقق فيه تقدمًا".

التجاهل والتسويف كانا خيار الحكومة أيضًا في التعامل مع اعتصامات الخريجين، وكتلة الحطب التي تتعاظم كانت بحاجة إلى عود ثقاب لاشتعالها.

قضية الساعدي.. عامل آخر

أثارت قضية نقل القائد العسكري عبد الوهاب الساعدي من جهاز مكافحة الإرهاب إلى الغرف الإدارية في وزارة الدفاع عاملًا آخر لخروج الاحتجاجات الشعبية في العراق، إذ تصدرت قضيته اهتمام رواد مواقع التواصل الاجتماعي.

ففي الـ30 من الشهر الماضي استيقظ سكان مدينة الموصل ليلاحظوا اختفاء تمثال الساعدي الذي كان منصوبًا، تمهيدًا لإزاحة الستار عنه، بعد أن رفضت السلطات العراقية ذلك، بذريعة عدم التمييز بين القادة العسكريين. القرار الحكومي أسهم في خروج تظاهرات حاشدة بمدينة الموصل، احتجاجًا على نقله من جهاز مكافحة الإرهاب.

يوصف الساعدي اليوم بأنه "رومل العراق" نسبة إلى الضابط الألماني الشهير الذي ذاع صيته خلال الحرب العالمية الثانية، بسبب النجاح الذي تكللت به الخطط العسكرية والانتصارات السريعة التي جاءت على يديه في معظم المعارك التي خاضها.

احتجاجات أكتوبر المطلبية

الاستياء الاجتماعي الذي تفجر في الأول من أكتوبر/تشرين الأول الحاليّ جاء نتيجة طبيعية لتراكمات الفشل والفساد للحكومات المتعاقبة منذ عام 2003، وأسهمت تلك العوامل في خروج احتجاجات مطلبية وصفت بالأكثر دموية، نتيجة عمليات القمع التي تعرض لها المتظاهرون.

الاحتجاجات العفوية ومدينة الأشباح!

ليس مبالغة أن تصف العاصمة المنتفضة الثكلى بأنها "مدينة أشباح"، إذ شهدت بغداد ومدن جنوبية أخرى تظاهرات عفويةً تُحركها مطالب اجتماعية، لكن تمت مواجهتها بالرصاص الحي، حيث أفضت أيامها الأخيرة إلى حال من الفوضى، حولت العاصمة إلى بقعة يحيط بها الموت من كل جانب.

واعترفت القيادة العسكرية العراقية بـ"الاستخدام المفرط للقوة" خلال مواجهات مع محتجين، إذ بلغت الحصيلة الرسمية لأعمال العنف التي جوبهت بها المظاهرات أكثر من مئة قتيل وأكثر من 6 آلاف جريح.

وتباينت تصريحات المسؤولين العراقيين عن الاحتجاجات، منها ما اتهم المتظاهرين بتنفيذ أجندات خارجية، تزامن معها تشديد أمني وانتشار غير مسبوق، إذ أغلقت قوات الأمن الطرق والجسور في بغداد، وفرضت قيودًا على الإنترنت، للحد من قدرة المتظاهرين على تنظيم الاحتجاجات عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

"الحياة الأفضل".. مطلب بعيد المنال!

الاتهامات الجاهزة عدها المتظاهرون ذريعة للتهرب من تنفيذ مطالبهم، وأنها كلها محض افتراء، فلم يكن لهم من ردٍ عليها إلا أن قالوا: نريد حياة أفضل وخدمات ووظائف وارتفاع مستوى الميعشة، لكن تقاعس الحكومة عن حل تلك الأزمة منذ أكثر من 16 عامًا يثير الاستغراب والدهشة بالنسبة لهم.

العراق العائم على بحرٍ لجيٍ من البترول، ويمتلك رابع أكبر احتياطي من النفط في العالم، فيه أيضًا 22.5% من السكان الذين يبلغ عددهم 40 مليون شخص، يعيش الفرد فيه على أقل من 1.90 دولار في اليوم، وفقًا لما قاله البنك الدولي عام 2014، ويعاني منزل من بين كل ستة منازل في العراق من أحد أشكال انعدام الأمن الغذائي، إذ بلغت معدلات البطالة العام الماضي 7.9%، ولكن المعدلات بلغت ضعف ذلك بين الشباب، وتبلغ البطالة بين القادرين على العمل نحو 17%.

مليارات تُهدر.. وخدمات تزداد ترديًا!

موارد البلاد تذرها الرياح على مدى 16 عامًا، هيمنت عليها أيادي الفساد وتقاعست السلطات العراقية عن إدارتها وتنظيمها، ما أدى إلى حرمان مواطنيه من حقهم في الحصول على أدنى الخدمات الأساسية، نتيجة النظام السياسي القائم على مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية بين الطبقة السياسية.

في ظل عدم وجود بوادر إصلاح حقيقية يتقلص الأمل في إحداث نقلة نوعية تحسن واقع المواطن العراقي وتوفر له حياة كريمة وتوزيعًا عادلاً على أساس ما يستحقه

ولم يعد لهذا الطوفان من الفساد أفق أمام الاحتجاجات الشعبية، لا سيما الأخيرة منها، إذ بدأت تهدد هذا النظام القائم على المنافع والمصالح الشخصية الضيقة، خصوصًا مع غياب مظاهر الدولة وتغول اللادولة في ظل وجود قرار حكومي رهينة للفصائل السياسية وشبه العسكرية التي تفرض نفوذها على السلطة وفق ما تريد بشكل قانوني وغير قانوني.

وفي ظل عدم وجود بوادر إصلاح حقيقية يتقلص الأمل في إحداث نقلة نوعية تحسن واقع المواطن العراقي وتوفر له حياةً كريمةً وتوزيعًا عادلًا على أساس ما يستحقه.

وتعتقد الحكومة أن حزم إجراءاتها التي لا تزال حبرًا على ورق أو قد تبقى كذلك كسابقاتها، أسهمت في تخفيف آلام جراح المتظاهرين، لكنها لن تداويها بالتأكيد، لا سيما أن الفجوة بين السلطات العراقية والمتظاهرين كبيرة جدًا، مع وجود جيل شبابي، نسف ما تؤمن به الطبقة السياسية، وضرب بخطوطها الحمراء عرض الحائط.