قوات من الجيش السوري الوطني

ما زالت العمليات العسكرية التي أطلقها الجيشان التركي والوطني السوري، في مناطق شمال شرق سوريا جارية، وتتقدم على أكثر من محور، وتوجت المعارك التي خاضتها القوات المشاركة في عملية نبع السلام، بالسيطرت أمس على مدينة تل أبيض أولى المدن المركزية التي تعتبر مركز انطلاق للسيطرة على كل منطقة شرق الفرات وإقامة المنطقة الآمنة التي تعتزم أنقرة إنشاءها.

وبعد السيطرة على تل أبيض والتوجه نحو قرى وبلدات أخرى، تسارعت الأحداث في المنطقة، إذ إن واشنطن أخلت قاعدة لها ببلدة عين العرب "كوباني"، كما أن قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، توجهت إلى القاعدة الروسية في سوريا "حميميم" للتواسط وعقد صفقة مع قوات النظام السوري لتسليم الشريط الحدودي مع تركيا للنظام.

إلى ذلك، أرسلت تركيا وقوات الجيش الوطني السوري، تعزيزات ضخمة إلى جبهات مدينة منبج بعد الأخبار التي تتحدث عن توجه أرتال قوات الأسد للسيطرة عليها بعد اتفاقهم مع "قسد"، بالتزامن مع هجوم قوات نبع السلام على محور رأس العين، المدينة التي من المفترض أن تكون المحطة المركزية الثانية بعد تل أبيض.

التسابق إلى منبج

في خريطة العمليات العسكرية الحاليّة، تعتبر مدينة منبج من المدن التي توليها الأطراف كافة أهمية كبيرة، في الوقت الذي تتسابق عليها كل القوى، فالقوات التركية بجانب قوات المعارضة طالما تتحدث عن عزمها إطلاق العملية للسيطرة عليها، إلى أن أتت "نبع السلام" وأصبحت منبج من ضمن خطة العمل العسكري، فيما تسعى القوات الكردية للإبقاء على منبج تحت سيطرتها كونها عقدة ربط جغرافية مهمة بينهم وبين محافظات النظام ومناطق سيطرة المعارضة.

واليوم الإثنين، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن بلاده في مرحلة تنفيذ قرارها المتخذ بخصوص منطقة منبج السورية، مضيفًا "حتى الآن يبدو أنه لن يكون هنالك أي مشكلة مع السياسة الإيجابية لروسيا في عين العرب، ولا خلاف مع واشنطن تجاه منبج"، وأشار أردوغان: "عند إخلاء مدينة منبج سيدخلها أصحابها الحقيقيون".

إلى ذلك أعلنت "الإدارة الذاتية الكردية" أنها اتفقت مع النظام السوري على نشر قواته على امتداد الحدود السورية التركية لصد ما وصفته بـ"العدوان التركي"، وقال مسؤول قوات الدفاع في الإدارة الذاتية عصمت شيخ حسن إن الإدارة توصلت إلى اتفاق مع روسيا يقضي بتسليم مدينة عين العرب (كوباني) إلى النظام السوري، من جهتها قالت وسائل إعلام النظام السوري إن قوات الأسد تتوجه إلى الشمال "لدحر العدوان التركي".

ونفى الرائد يوسف الحمود المتحدث باسم الجيش الوطني السوري لـ"نون بوست"، دخول قوات النظام إلى مدينة منبج وأوضح أن كل ما يتردد بهذا الخصوص "إشاعات"، وأرسلت القوات التركية وقوات المعارضة السورية تعزيزات عسكرية إلى محيط مدينة منبج فور إعلان نية قوات الأسد بالتقدم نحوها.

وهدد ياسين أقطاي مستشار الرئيس التركي، جيش الأسد حال تقدمه ودخوله منبج، وقال أقطاي: "الجيش التركي سيواجه جنود نظام الأسد حال وقوع صدام بين الطرفين في منطقة عمليات ‏‏نبع السلام"،‎ مضيفًا "إذا كان جيش النظام يستعد لمحاربة الجيش التركي وقادر على ذلك، إذن فليتفضلوا‎"‎.

وفي تغريدة على تويتر قال الحمود: "نظام الأسد سيدخل منبج ولكن على طريقة دخوله مدينة عفرين الحرة"، وهو الأمر الذي يذكر بنية جيش الأسد دخول مدينة عفرين إبان عملية "غصن الزيتون" وعدم استطاعته الصمود فيها وخروجه منها، مما أفضى في النهاية لسيطرة المعارضة السورية والجيش التركية على عفرين، كما كتب الصحفي محمد أونلمش.

انسحاب أمريكي

إلى ذلك، قال وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر: "الرئيس دونالد ترامب أمر بالبدء في سحب القوات الأمريكية في شمال سوريا بأسرع وقت ممكن"، مضيفًا "لدينا قوات أمريكية ستكون محصورة على الأرجح بين قوتين متعارضتين وهذا وضع لا يمكن الدفاع عنه"، وحدد إسبر عدد القوات المنسحبة قائلًا إن بلاده تستعد لإجلاء نحو 1000 جندي أمريكي من شمالي سوريا.

يأتي كلام إسبر بعد عدة تغريدات للرئيس الأمريكي دونالد ترمب ذكر فيها، أنه "من الذكاء جدًا ألا نشارك في القتال العنيف على طول الحدود التركية أولئك الذين دفعونا بطريق الخطأ إلى حروب الشرق الأوسط ما زالوا يدفعوننا للقتال. ليس لديهم أي فكرة عن القرار السيء الذي اتخذوه".

وفي تغريدة أخرى لترامب، ذكر أن "المقاتلون الأكراد شمالي سوريا قد يكونون بالفعل يطلقون سراح مقاتلي تنظيم الدولة لدفعنا إلى التدخل"، زاعمًا أن بلاده "لن نذهب إلى حرب أخرى يخوضها أطراف يتقاتلون منذ 200 عام".

وكانت القوات الأمريكية قد انسحبت من محيط مدينة عين عيسى شمال الرقة ومدينتي عين العرب ومنبج، بالإضافة لانسحابها من نقطة مراقبة جنوبي مدينة عين العرب، فيما قال مسؤول أمريكي إن فريقًا دبلوماسيًا أمريكيًا كان يعمل في مشروعات إرساء الاستقرار في شمال شرق سوريا غادر سوريا.

من جهتها قالت فرنسا إنها تتخذ إجراءات لضمان سلامة أفرادها العسكريين والمدنيين في شمال شرق سوريا، وكان مسؤولون فرنسيون قد قالوا إن الانسحاب الأمريكي سيجبرهم على الانسحاب أيضًا، نظرا لأنهم يعتمدون على الدعم اللوجستي الأمريكي، وفي ذات الوقت دعا وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان، "لفرض حظر على صادرات السلاح لأنقرة وإدانة عملياتها من جديد".

التطورات الميدانية

بعد السيطرة على مدينة تل أبيض بالأمس، رفع الجيش الوطني السوري راية الثورة السورية على أحد مداخل المدينة، من جهة أخرى قال الناطق باسم الجيش الوطني يوسف حمود إن مقاتلي المعارضة سيطروا على قرى عين العروس والبديع وجاسم العلي وتل عنتر الواقعة في الجهة الجنوبية لمدينة تل أبيض، كما تمكنت المعارضة السورية من قطع الطريق الرئيسي الواصل بين مدينتي رأس العين وتل أبيض وبلدة تل تمر، واغتنم آليات وأسلحة وذخائر.

ونشرت وزارة الدفاع التركية على حسابها في تويتر، مقطعًا تظهر فيه استهداف مستودعًا للسلاح تستخدمه "الوحدات الكردية"، إلى ذلك أعلنت الدفاع التركية، بأنه تم "تحييد 550 عنصرًا من المليشيات الكردية، منذ بدء عملية نبع السلام"، وأوضحت أن "العناصر التي تم تحييدها تتبع لمليشيات بي كا كا/ ب ي دي - ي ب ك".

من جهة أخرى ذكرت وكالة أنباء النظام السوري "سانا" أن قوات الأسد دخلت مدينة الطبقة ومطار الطبقة العسكري وبلدة عين عيسى وعددًا من القرى والبلدات بريف الرقة، إضافة إلى بلدة تل تمر بريف الحسكة الشمالي، الجدير بالذكر أن هذه المناطق كانت تحت سلطة الإدارة الذاتية الكردية، وذكرت الوكالة أنه تم رفع علم النظام فوق عدد من مؤسسات الدولة في مدينتي الحسكة والقامشلي.

وتتنظر عمليات نبع السلام أيامًا طويلة خاصةً أن رقعة العمليات كبيرة على عكس عمليات "درع الفرات" و"غصن الزيتون" التي كانت بمواقع جغرافية أصغر، فيما يتعقد المشهد أكثر فأكثر من ناحية منبج ودخول النظام السوري المحتمل في عدة بلدات ومدن محاذية لتركيا، فيما تراهن أنقرة على اتفاقياتها المعلنة وغير المعلنة مع موسكو وواشنطن بخصوص هذه التحركات.