بعد التذبذب الذي شهده نسق الأحداث في ليبيا ما بين مواجهات مسلحة ثقيلة ومناوشات خفيفة وعمليات خطف واختطاف، قبلت الأطراف المتنازعة جميعًا بالجلوس على طاولة حوار واحدة وبهدنة تتيح إقامة الانتخابات البرلمانية المزمع عقدها في يوم 23 يونيو 2014.

والقبول بالحوار لم يأت بسبب هزيمة طرف أو انتصار آخر، وإنما لأسباب أخرى أهمها عجز الطرفين عن حسم المعركة، فحفتر فقد جزءًا من شعبيته بسبب النتائج السلبية لعملية الكرامة التي أطلقها وخاصة الخسائر في الممتلكات والأرواح إلى جانب الاستقطاب الحاد وما أدى إليه من أعمال مهددة للسلم الاجتماعي.

وكذلك واجه الطرف الآخر المتمثل في البرلمان الليبي ومن حوله عدد من كتائب الثوار القوية، سخطًا شعبيًا ملموسًا، حيث إن عدم اصطفاف حشود شعبية كبيرة إلى جانب عملية الكرامة والجنرال خليفة حفتر لم يكن معناه أن الليبيين راضون عن الوضع القائم ولا عن المسئولين عن إدارة البلاد.

وفي حال نجاح الثوار، يفترض أن يؤدي ذلك إلى إلتفاف كل الليبيين حول شرعية واحدة هي الشرعية المنتخبة ضمن مسار الانتقال الديمقراطي، بالإضافة إلى معالجة المشاكل الملحة التي كانت سبب نشوب الأزمة وأهمها الانفلات الأمني وعمليات الاغتيال والاختطاف، وهو ما سيتيح استمرار عملية الانتقال الديمقراطي ويجنب النسيج الاجتماعي خطر التمزق.

وأما في حال فشل هذا الحوار، فإن استمرار الانقسامات والاستقطاب بين مؤيد للشرعية الانتخابية للبرلمان ومن حوله من جهة وشرعية القوة والسلاح التي يمتلكها الجنرال حفتر؛ سيؤدي إلى أن يدعي كل طرف أنه هو صاحب الشرعية، فالثوار سيدعون أنهم أصحاب الشرعية الثورية، وأنصار الشريعة سيدعون أنهم أصحاب الشرعية الدينية، وآخرون سيدعون أنهم أصحاب شرعية القبيلة ولن يجد الليبيون حينها طاولة قادرة على جمع كل هذه الأطراف وهو ما يعني الدخول في حرب لا فائز فيها.

ولهذا يرى المتابعون للشأن الليبي أن قبول كل الأطراف - بما في ذلك أنصار الشريعة - بالجلوس على طاولة الحوار يعتبر فرصة فائقة الأهمية لمعالجة كل المشاكل التي عاشتها ليبيا منذ سقوط نظام الديكتاتور معمر القذافي، مؤكدين على أن كل الأطراف الليبية مطالبة بالإلتفاف حول الحوار كأضمن الطرق نحو إنجاح الانتقال السياسي.

المصدر: تقدير موقف للمركز الليبي للبحوث والتنمية