بوارج حربية أمريكية

بوارج حربية أمريكية

ترجمة وتحرير: نون بوست

نظرا للصراعات القائمة بين إيران ودول الخليج العربي و"إسرائيل" وتركيا وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية فضلا عن الصين في المنطقة الاستراتيجية للبحر الأحمر، لم تعد هناك إمكانية للاستمرارية. ففي السابق، كان من المستحيل الاعتقاد بأن أزمة الخليج العربي من المرجح أن تدخل في خضم المجالات العديدة التي تدور فيها لعبة الشرق الأوسط الكبرى.

يمثل الهجوم الذي استهدف ناقلة النفط الإيرانية في البحر الأحمر قبالة ميناء جدة السعودي، نقطة تحول صغيرة ولكنها مهمة للغاية، ذلك لأن حرب ناقلات النفط، التي وقعت بعد نقطة الاختناق في مضيق هرمز (وإن كان ذلك لفترة وجيزة) وفي جبل طارق، تنطوي على خطوة أساسية أخرى في حركة النفط العالمية التي تجري أحداثها في البحر الأحمر. ويؤكد هذا الهجوم أنه من المستحيل فك الجبهات الثلاث فضلا عن الأهمية الأساسية لمفهوم البحر الأبيض المتوسط الواسع، تلك المنطقة الجيوسياسية التي لا ترتبط فقط بحوض البحر الأبيض المتوسط، وإنما ترتبط كذلك بكل البحار والأقاليم التابعة لها.

في الحقيقة، كانت إيطاليا أول قوة أوروبية تشارك من أجل تحقيق النجاح على الساحة الدولية. وعلى العموم، تعد الهجمات الواقعة في البحر الأحمر الدليل على عدم توفر الحلول لهذه الأزمة لتحقيق الاستمرارية. فكل شيء موحد بداية من مضيق هرمز وصولا إلى مضيق باب المندب، ومن مضيق قناة السويس إلى جبل طارق.

مضيقي باب المندب وهرمز

في الوقت الراهن، يدخل البحر الأحمر في دوامة حرب المضيق. وكان الموضوع مجرد مسألة وقت ة منذ بداية "عملية الحراسة" التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية للسيطرة على مضيق هرمز، كما تم توسيع نطاق الحراسة ليشمل فيما بعد مضيق باب المندب ليكون تحت سيطرة المناورات العسكرية الأمريكية وحلفاء واشنطن. وفي الواقع، كان ذلك بمثابة إشارة واضحة إلى أن البنتاغون هو عبارة عن كتلة موحدة وكبيرة، ومن المستحيل أن تتفكك نظرا لأنه يشمل الجهات الفاعلة، والمصالح والحروب نفسها.

تتمثل نقطة الضعف لواشنطن وحلفاؤها في تعرض حرية الملاحة للتهديد، ما سيدفعهم للتدخل نظرا لأن التحكم في الطرق ضروري لأسباب عديدة لعل من أهمها التحكم في تجارة الاسلحة والسلع وتجنب ارتفاع أسعار النفط

إذا ما سلطنا الضوء على مضيق هرمز، فسنشير إلى أنه عبارة عن المكان الأساسي حيث تتصادم المصالح الإيرانية مع مصالح دول الخليج العربي ويسعى كلاهما إلى السيطرة على عجلة إنتاج النفط وبلوغ منصب السيادة في منطقة البحر الأحمر. ولا تستثني هذه الصراعات مضيق باب المندب، بسبب الحرب القائمة في اليمن، والتي تورطت فيها طهران والمملكة العربية السعودية والإمارات بصفة مباشرة، فضلا عن مراقبين أمريكيين متواجدين في الميدان ويراقبون الصراع القائم في اليمن دعما للرياض. وعموما، ليس من المستغرب أن تصبح الناقلة الإيرانية التي تعرضت إلى هجوم مباشر في مياه البحر الأحمر مجموعة أساسية من المياه في الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط.

في الواقع، تعتبر عمليات التخريب لناقلات النفط بمثابة أداة تستخدمها القوى الكبرى المشاركة في الحرب التي تدور في الشرق الأوسط لتوجيه بعض الرسائل الواضحة. كما أنها تمثل الوسيلة التي تستخدمها الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب للتدخل في المنطقة. وتعد حرية التنقل في المنطقة وحماية مصادر الطاقة هي المفتاح لفهم تحركات الأسطول الأمريكي في البحر المتوسط الممتد.

علاوة على ذلك، تتمثل نقطة الضعف لواشنطن وحلفاؤها في تعرض حرية الملاحة للتهديد، ما سيدفعهم للتدخل نظرا لأن التحكم في الطرق ضروري لأسباب عديدة لعل من أهمها التحكم في تجارة الاسلحة والسلع وتجنب ارتفاع أسعار النفط (الذي حصل مباشرة إثر هجوم الأمس) وإحكام سيطرتها على المنطقة عبر نشر القوات وتوفير المعدات الحربية اللازمة لضمان عبور السفن التجارية وفرض النفوذ في المنطقة وهو الأمر الذي يضمن للحلفاء وللبنتاغون تفوق القوات الأمريكية والقوى الموالية لها في المنطقة.

التصعيد الإقليمي

لهذا السبب، لا يمكن فهم الهجوم الأخير على ناقلة النفط الإيرانية سابيتي والذي وقع على مقربة من سواحل جدة، في منأى مما يحصل في الوقت الراهن في الشرق الاوسط. كما أن إعلان ترامب عن احتمال انسحاب القوات الأمريكية من المنطقة تسبب في ردود فعل متباينة في العالم. لكن من الواضح أن القوى المعارضة تؤيد الانسحاب الاستراتيجي الأمريكي من منطقة الشرق الأوسط. في المقابل، لا يمكن لحلفاء الرئيس الأمريكي وخاصة "إسرائيل" والسعودية التعامل بأريحية مع انسحاب البنتاغون من المنطقة.

 لقد مثل الضوء الأخضر لدخول تركيا إلى سوريا مقدمة لسلسلة من التصريحات التي أصدرها الرئيس والتي تؤكد نية البيت الأبيض الحقيقية (على المدى الطويل) في التخلي عن تلك المنطقة من العالم. وفي الواقع، يثير هذا التغيير الجذري في مواقف ترامب المخاوف حول ما ستؤول إليه الأمور على مدار سنوات. وعلى أي حال، إذا ما قرر ترامب أن هذا الجزء من العالم لم يعد ضمن أولوياته، سيضطر الحلفاء لطلب الحماية.

الإعلان الأمريكي: إرسال أكثر من ألف جندي إلى الجزيرة العربية

في الوقت الذي تعرضت فيه ناقلة النفط الإيرانية، سابيتي، لهجوم قبالة السواحل السعودية (ربما قصفت بصاروخين) والمتزامن مع دخول أردوغان الى شمال سوريا لضرب الميليشيات الكردية بعمق، أعلن البنتاغون عن نشر قواته في المملكة العربية السعودية، الأمر الذي أثار العديد من الشكوك والمخاوف.

في السياق نفسه، أذن وزير الدفاع الأمريكي، مارك إسبير، بإرسال 1800 جندي إضافي فضلا عن المزيد من صواريخ باتريوت إلى أراضي المملكة. كنتيجة لذلك، تعد رسائل البنتاغون واضحة المعالم، فعلى الرغم من ترامب يرغب في الانسحاب من الشرق الأوسط، إلا آنه لا يستطيع القيام بذلك. ومن الواضح أنه حدث أمر ما جعله يغير رأيه، على غرار إدانة "إسرائيل" لأردوغان وإطلاق السعوديين لناقوس الخطر بالإضافة إلى تعرض ناقلة نفط إيرانية لهجوم في البحر الأحمر واستعداد ثلاثة آلاف جندي للمغادرة. وتجدر الإشارة إلى أنه ليس من قبيل الصدفة أن تريد الإدارة الأمريكية يوم أمس أن تذكر، بعد مرور أسابيع من الهدوء الواضح، بالمسؤولية الإيرانية في تخريب طرق النفط.

المصدر: إنسايد أوفر